مسألة: (ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ويدخلهما في الغسل)
١٣ فقرة، ج ٢ ص ١٧٣
- ج ٢ ص ١٧٣
لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: ٦] وقد قرئت بالنصب والخفض (٣) . وقال من قرأها بالنصب من الصحابة مثل علي وابن مسعود وابن عباس: عاد الأمر إلى الغَسل (٤) .
-
ولو كان عطفًا على محلِّ الجار والمجرور، فهو وقراءة الخفض سواء في أنه يراد به الغَسل، فإن المسح اسم [٥٣/ب] لإيصال الماء إلى العضو، سواء سال الماء أو لم يسِل. قال أبو زيد: يقال تمسَّحت للصلاة (٥) .
-
وأيضًا من لغة العرب أن الفعلين إذا تقارب معناهما استغنوا بأحدهما
ج ٢ ص ١٧٤لدلالته على الآخر، إذا (١) كان في الكلام ما يدلُّ عليه. وكان هذا من باب الإيجاز والاختصار، كما قال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} إلى قوله: {وحورٍ عِين} (٢) [الواقعة:١٧ - ٢٢] وهن لا يطاف بهن وإنما يَطُفن، كأنه قال: يُؤتَون بهن؛ كما قال:
ورأيتُ زوجَكِ في الوغى ... متقلِّدًا سيفًا ورُمحَا (٣)
وقال:
علَفتُها تِبْنًا وماءً باردًا (٤)
-
وقد دلَّ على أنه أراد المسح الذي هو إجراء الماء على العضو قرينتان:
إحداهما: أنه حدَّده إلى الكعبين، والحدُّ إنما يكون للمغسول، لا للممسوح. والثانية: أن من يقول بالمسح يمسحهما إلى مجتمع القدم والساق، فيكون في كلِّ رجل كعب. ولو كان كذلك لقيل: إلى الكِعاب، كما
ج ٢ ص ١٧٥قال: " {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: ٦] ؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد. فلما قال: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: ٦] عُلِم أنَّ في كلِّ رجلٍ كعبين، كأنه قال: وكلَّ رجلٍ إلى كعبيها.
-
ودلَّنا على مراد الله من كتابه رسولُه المُبَيِّن عنه ما أنزل إلينا، فإنّ سنته (١) تفسِّر الكتاب وتبيِّنه، وتعبِّر عنه وتدلّ عليه، فإنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وعبد الله بن عباس والمقدام بن معدي كرب والربيِّع بنت معوِّذ - رضي الله عنهم - وغيرهم أخبروا أنه غسَلَ رجلَيه.
-
وفي "الصحيحين " (٢) عن عبد الله بن عمرو قال: " تخلَّف عنّا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرة، فأدركَنا، وقد أرهقنا العصرَ، فجعلنا نتوضَّأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار" مرّتين أو ثلاثًا متفق عليه.
-
وفي "الصحيح" عن أبي هريرة وعائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ويل للأعقاب من النار" (٣) . وروى هذا المتن جماعة من الصحابة منهم جابر (٤) ، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة (٥) .
- ج ٢ ص ١٧٦
وعن عبد الله بن الحارث (١) الزبيدي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" رواه أحمد (٢) .
-
وكذلك جاء عنه تخليلُ الأصابع فعلًا وأمرًا، وليس في المسح شيء من ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غسل القدمين (٣) .
-
وأما التثليثُ في غسلهما وإدخالُ الكعبين، فلما تقدَّم.
-
والكعبان: هما العظمان الناتئان في جانبَي الساق لما تقدَّم.
-
وروى النسائي عن عثمان (٤) وعلي (٥) في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ كلَّ واحد منهما غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، وقال: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صنع مثل ما صنعتُ".
-
وهذا هو المعروف في اللغة. قال النعمان بن بشير [٥٤/ب] : كان أحدُنا يُلزِق كعبَه بكعب صاحبه في الصلاة، ومنكبَه بمنكبه (٦) . وكذلك ذكره
ج ٢ ص ١٧٧الأصمعي وأبو عبيد وغيرهما من أهل اللغة (١) .