حجية قول الصحابي
٨ فقرات، ج ١ ص ٢٧١
- ج ١ ص ٢٧١
بحث الأئمة في حجية آراء الصحابة الاجتهادية في اعتبارها ملزمة لمن بعدهم، أم لا، وهل تقدم على القياس، أم لا؟
-
فاتفق العلماء على أن قول الصحابي الذي لا يدرك بالاجتهاد
ج ١ ص ٢٧٢والعقل بأنه حجة على المسلمين، لأن قول الصحابي في مثل هذه الأحوال يستند إلى دليل شرعي، ولا يمكن أن يقوله تشهيًا وعبثًا، مثل قول السيدة عائشة رضي اللَّه عنها في فساد بيع النقود قبل نقد الثمن، وأنه يحبط العمل الصالح والجهاد، فهذا لا يدرك بالعقل، ومثل قول عمر وعلي وابن مسعود رضي اللَّه عنهم بتقدير أقل مدة الحيض بثلاثة أيام، وهو ما أخذ به الحنفية.
-
وكذلك اتفق العلماء على قبول قول الصحابي الذي أبداه ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة ويكون حجة على المسلمين، لأن اتفاقهم دليل على وقوفهم على مستند شرعي صحيح.
-
واتفقوا على أن قول الصحابي في الاجتهاد ليس حجة على غيره من الصحابة المجتهدين (١) .
- (١)تيسير التحرير: ٣ ص ١٣٣، كشف الأسرار: ٣ ص ٩٣٨، جمع الجوامع: ٢ ص ٣٩٦، الإحكام، الآمدي: ٤ ص ١٣٠، تنقيح الفصول: ص ١٤٢، أصول السرخسي: ٢ ص ١٠٩، أثر الأدلة المختلف فيها: ص ٣٣٨، الروضة للنووي: ١١/ ١٤٧.
-
ولكن اختلف الأئمة عند تعدد أقوال الصحابة واختلاف اجتهاداتهم، هل هي حجة على التابعين ومن بعدهم أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: وهو قول الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، فقالا بوجوب الالتزام بأحد أقوال الصحابة بدون تعيين، واختيار المناسب منها مع عدم الخروج عن مجموع آرائهم، وأن قول الصحابي يقدم على القياس (٢) ، واستدلوا على ذلك بأن اختلاف الصحابة في المسألة على
ج ١ ص ٢٧٣قولين إجماع منهم على عدم القول الثالث، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "أصْحابي كالنُّجوم بأيِّهم اقتدَيْتم اهتدَيْتُم" (١) ، وغيره من الأحاديث، وأن اللَّه تعالى مدح وأثنى على التابعين باتباعهم الصحابة فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: ١٠٠] ، وأن الظاهر من حال الصحابة أن قولهم مستند إلى سماع، وإن لم يكن سماع فرأيهم أقوى من رأي غيرهم (٢) .
- (٢)تيسير التحرير، المرجع السابق، كشف الأسرار: ٣ ص ٩٣٧، التوضيح والتلويح: ٢ ص ٢٧٧، أصول السرخسي: ١ ص ٣١٨، ٢ ص ١٠٥، وانظر أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص ٢٠٤، أبو حنيفة للشيخ محمد أبو زهرة: ص ٣٠٨.
- (١)رواه البيهقي وأسنده الديلمي عن ابن عباس بلفظ آخر، كشف الخفا: ٢ ص ١٤٦.
- (٢)تسهيل الوصول: ص ١٦٨، والمستصفى: ٢ ص ٢٦٢، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ١٣٥، الإحكام، الآمدي: ٤ ص ١٣١.
-
القول الثاني: وهو قول الإمام الشافعي والإمام أحمد، فقالا بعدم اعتبار قول الصحابي حجة، فيجوز اتباعه، ويجوز مخالفته، وأن العمل والاتباع يعتمد على الأدلة التي احتج بها الصحابة بالفتوى والاجتهاد والقضاء، وليس بأقوالهم (٣) .
- (٣)المستصفى: ٢ ص ٢٦٨، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ١٣٥، الإحكام، الآمدي: ٤ ص ١٣٠، أثر الأدلة المختلف فيها: ص ٣٤٠.
-
واستدلوا على ذلك بأن الصحابي ليس مشرعًا، وليس معصومًا، وكما جاز للصحابي أن يخالف صحابيًّا آخر -باتفاق العلماء- جاز للتابعين وبقية المسلمين مخالفته أيضًا، وأن التابعين خالفوا الصحابة في أقوالهم واجتهاداتهم، ولم ينكر عليهم الصحابة، وأن الصحابي مجتهد كغيره من المجتهدين، ويحرم على المجتهد تقليد مجتهد آخر (٤) .
وقال النووي الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "فاختار الغزالي في المستصفى أنه ليس بحجة، والصحيح الذي عليه جماهير الأصحاب أنه
ج ١ ص ٢٧٤حجة " (١) .
- (٤)تيسير التحرير: ٣ ص ١٣٥، جمع الجوامع وحاشية العطار: ٢ ص ٣٩٦، المستصفى: ٢ ص ٢٦١، الإحكام، الآمدي: ٤ ص ١٣٣، أثر الأدلة المختلف فيها: ص ٣٤٢.
- (١)الروضة، له: ١١/ ١٤٨.
-
ونقل ابن القيم رحمه اللَّه تعالى قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى عن الصحابة: "رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا" (٢) .
- (٢)أعلام الموقعين: لابن القيم: ٢/ ١٨٦.