المبحث السادس في شرع من قبلنا

١١ فقرة، ج ١ ص ٢٧٥

  1. المشرع الحقيقي هو اللَّه تعالى الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب هداية ونورًا للعالمين، وإن وحدة الأديان في العقائد أمر مسلم به ومتفق عليه، وإن اختلفت الشرائع التي أنزلها رب العزة لتنظيم حياة الناس ورعاية مصالحهم في الدنيا والآخرة.

    ج ١ ص ٢٧٥
  2. فهل الأحكام التشريعية الثابتة في تشريع الأمم السابقة تعتبر شرعًا وحجة وأصلًا للتشريع والاستنباط في شريعتنا؟

  3. اتفق العلماء على حالتين، واختلفوا في حالة.

  4. الحالة الأولى: اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي نص عليها القرآن أو السنة حكاية عن الأمم السابقة، وأقرها اللَّه تعالى علينا: اتفقوا على أنها أحكام شرعية واجبة الاتباع بالنسبة للمسلمين، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: ١٨٣] .

  5. الحالة الثانية: اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي ورد فيها نص في القرآن الكريم أو في السنة حكاية عن تشريع الأمم السابقة مع نسخها وإلغائها في شريعتنا: اتفقوا على أنها ليست أحكامًا شرعية، ولا تعتبر دليلًا ولا حجة ولا شرعًا لنا، مثل قتل النفس للتوبة وقطع

    ج ١ ص ٢٧٦الثوب النجس للطهارة عند بني إسرائيل.

  6. الحالة الثالثة: إذا قصَّ القرآن الكريم حكمًا أو ثبت في السنة، ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة ما يدل على إقراره أو إلغائه مثل قوله تعالي: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنّ} [المائدة: ٤٥] .

  7. فهذه الحالة اختلف العلماء في اعتبارها حجة ومصدرًا تشريعيًّا على قولين:

    القول الأول: أنها حجة علينا وتشريع لنا يجب اتباعه وتطبيقه، وذهب إلى ذلك الحنفية والحنابلة وبعض المالكية وبعض الشافعية (١) .

    1. (١)التوضيح على التنقيح: ٢ ص ٢٧٦، كشف الأسرار: ٣ ص ٩٣٢، تيسير التحرير: ٣ ص ١٣١، تسهيل الوصول: ص ١٦٦، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ١٣٤، إرشاد الفحول: ص ٢٣٩، أصول السرخسي: ٢ ص ٩٩ وما بعدها، أثر الأدلة المختلف فيها: ص ٥٣٤، العضد: ٢/ ٢٨٦، شرح الكوكب المنيرة ٤/ ٤١٢.
  8. واحتجوا بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: ٩٠] ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى التوراة في رجم اليهودي، وأن شرع من قبلنا شرع لنبي سابق، وأن وروده في مصادر شريعتنا دون أن يرد له ناسخ قرينة على أنه شرع لنا وأنه إقرار علينا، وأن الأصل هو وحدة الشرائع السماوية، وأن عقيدتنا تأمرنا باتباع الرسل السابقين والاهتداء بهم، وأن القصاص بالنفس ثابت عندنا بالاتفاق مع أن الآية تتكلم عن بني إسرائيل.

  9. ويتفرع عن ذلك أن الإمام أبا حنيفة قال بالقصاص بين الرجل والمرأة لإطلاق الآية {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وأن الإمام محمدًا احتج لصحة المهايأة والقسمة بقوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: ٢٨] ، وقوله تعالى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) } [الشعراء: ١٥٥] ، والآيتان

    ج ١ ص ٢٧٧في قوم صالح (١) .

    1. (١)الإحكام، الآمدي: ٤ ص ١٢٥، كشف الأسرار: ٣ ص ٩٣٦، أصول السرخسي: ٢ ص ١٠٣.
  10. ولكن يشترط أن يثبت ورود الشرع السابق في الكتاب أو السنة الصحيحة، ولا يصح الرجوع إلى كتب الشرائع السابقة للقطع بإدخال التحريف والتبديل فيها، وهذا يؤكد أن شرع من قبلنا ليس مصدرًا مستقلًا، وإنما يرجع إلى الكتاب والسنة ولو لم يرد إقرار صريح له (٢) .

    1. (٢)تيسير التحرير: ٣ ص ١٣٢، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ١٣٥، كشف الأسرار: ٣ ص ٩٣٦.
  11. القول الثاني: أن شرع من قبلنا الوارد في شريعتنا دون إقرار ليس شرعًا لنا، ولا حجة علينا، وهو قول الشافعي، لأن الشرائع السابقة خاصة بقومهم، لقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: ٤٨] ، وأن الإسلام نسخ الشرائع السابقة ما لم يرد إقرار لها في شريعتنا، وأن حديث معاذ السابق لم يذكر شرع من قبلنا عند تعداد مصادر الاستنباط في التشريع (٣) .

    1. (٣)الإحكام، الآمدي: ٤ ص ١٢٣، تيسير التحرير: ٣ ص ١٣٢، تسهيل الوصول: ص ١٦٦، تقوير الشربيني على جمع الجوامع: ٢ ص ٣٩٤، المستصفى: ٢ ص ٢٥١، ٢٥٥، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٢٩٤، اقتضاء الصراط المستقيم: ص ١٧٠، أثر الأدلة المختلف فيها: ص ٥٣٥، ٥٣٧، المجموع للنووي: ٩/ ٢٥.