أقسام الواجب
٩٨ فقرة، ج ١ ص ٣٠٩
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ٣٢٧
وهو ما طلب الشارع فعله حتمًا من أمور معينة، كأحد خصال الكفارة وحكم الأسرى (٢) ، قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: ٨٩] ، فاللَّه سبحانه وتعالى خير الحالف بين الإطعام أو الكساء أو تحرير الرقبة، ومثل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: ٤] ، فالآية خيرت الإمام بين المن على الأسرى أو أخذ الفداء منهم وأضافت السنة: القتل والاسترقاق.
- (٢)فواتح الرحموت: ١ ص ٦٦، المستصفى: ١ ص ٦٧، الإحكام، لابن حزم: ١ ص ٣١٩، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٠، ويسمى هذا الواجب بالواجب المبهم عند كثير من الأصوليين.
-
وحكم الواجب المخيّر أن المكلف بالخيار في أن يخصص واحدًا من الأمور المخير فيها بالفعل، وتبرأ ذمته من الواجب بأداء أي واحد.
وقال جمهور العلماء: إن الواجب المخير منصب على إحدى هذه المأمورات للقطع بصحة القول "أوجبت أحد هذه الأمور" فإن هذا القول لا يوجب جهالة مانعة من الامتثال لحصول التعيين بالفعل، وقال المعتزلة: إن الواجب يتعلق بجميع المأمورات المخير بينها، وفي قول
ج ١ ص ٣٢٨عندهم: إن الواجب يتعلق بواحد معين عند اللَّه تعالى (١) .
- (١)مختصر ابن الحاجب، ص ٣٦، نهاية السول: ١ ص ٩٧، تيسير التحرير: ٢ ص ٢١٢ فواتح الرحموت: ١ ص ٦٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ٩٤، المستصفى: ١ ص ٦٨، التبصرة: ص ٧٠.
-
والواجب المخير نوعان، نوع يجوز الجمع فيه بين الأمور المخير بينها، كخصال الكفارة، ونوع لا يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها، مثل إذا تقدم إلى الخلافة عدة أشخاص فيجب على الأمة اختيار واحد منهم ليكون خليفة، ولا يجوز الجمع بينهم (٢) ، قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (٣) .
- (٢)تسهيل الوصول: ص ٢٥٩، نهاية السول: ١ ص ٩٦، فواتح الرحموت: ١ ص ٦٦.
- (٣)رواه مسلم في كتاب الإمارة ١٢ ص ٢٤٢.
-
وقد يتضيق الواجب المخير من عدة أفعال إلى فعلين مثلًا، أو يتعين بفعل واحد، فالحالف مثلًا مخير في كفارة اليمين بثلاثة أشياء، والآن مخير بين أمرين فقط، وهو الإطعام والكساء، بعد إلغاء نظام الرق عالميًّا، وكذلك فإن تخيير الحاكم في الأسرى تضيق بعد معاهدة جنيف في معاملة الأسرى بمنع القتل ومنع الاسترقاق.
-
[مقدمة الواجب]
-
ونختم الكلام على الواجب بمسألة أصولية هامة يطلق عليها الأصوليون اصطلاح مقدمة الواجب، أو يعبرون عنها بعبارة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" ، وقبل بيان هذه المسألة نقدم تمهيدًا لها في بيان أقسامها.
-
[أقسام مقدمة الواجب]
-
المقدمة إما أن تكون مقدمة وجوب وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب، أي شغل الذمة به، كدخول الوقت بالنسبة للصلاة، فهو
ج ١ ص ٣٢٩مقدمة لوجوب الواجب في ذمة المكلف، وكالاستطاعة لوجوب الحج، وحولان الحول لوجوب الزكاة.
-
وإما أن تكون مقدمة وجود وهي التي يتوقف عليها وجود الواجب بشكل صحيح، أي صحة تفريغ الذمة من الواجب، إما من جهة الشرع، كالوضوء بالنسبة للصلاة، فلا توجد الصلاة الصحيحة إلا بوجود الوضوء، والعدد بالنسبة لصلاة الجمعة، وإما من جهة العقل، كالسير وقطع المسافة للحج (١) .
- (١)أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١٨ وما بعدها، نهاية السول: ١ ص ١٢٧، مباحث الحكم، مدكور: ٨٩، المستصفى: ١ ص ٧١، البرهان، للجويني: ١ ص ٢٥٧.
-
كما تكون المقدمة إما سببًا للواجب، كالبلوغ ودخول الوقت للصلاة والصوم، والصيغة للعتق الواجب بنذر أو كفارة، والاعتداء والقتل للضمان والقصاص، وإما أن تكون شرطًا للواجب كالعقل للتكليف بالواجب، والقدرة للحج، والطهارة للصلاة (٢) .
- (٢)السبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، والشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وسوف ندرس كلًّا منهما بالتفصيل في الفصل الثاني من هذا الباب، وانظر الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: ١ ص ١٠٣، نهاية السول: ١ ص ١٢٣، تيسير التحرير: ٢ ص ١١٥.
- ثانيًا: حكم مقدمة الواجب:
-
اتفق العلماء على أن مقدمة الوجوب ليست واجبة على المكلف لأنها ليست في مقدوره، مثل دخول الوقت والاستطاعة وحولان الحول (٣) .
- (٣)مباحث الحكم: ص ٩٠، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦١، أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١١٩، المستصفى: ١ ص ٧١.
-
أما مقدمة الوجود فهي نوعان، نوع لا يقدر المكلف على فعله
ج ١ ص ٣٣٠فلا يجب عليه، كحضور العدد في صلاة الجمعة، ونوع يقدر المكلف على فعله، مثل صيام جزء من الليل حتى يكون صوم النهار الواجب صحيحًا، ومثل غسل جزء من الرأس، حتى يكون غسل الوجه الواجب في الوضوء صحيحًا، فهذا النوع واجب باتفاق العلماء (١) ، وهو المقصود من مقدمة الواجب، وقاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" .
- (١)أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١٢٠، المستصفى: ١ ص ٧١، فواتح الرحموت: ١ ص ٩٥، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦١، مختصر ابن الحاجب: ص ٣٨، تيسير التحرير: ٢ ص ٢١٦.
-
لكنهم اختلفوا في دليل الإيجاب، هل هو نفس دليل الواجب الأصلي، أم هو بدليل جديد؟ أي هل إيجاب الواجب يدل على إيجاب مقدمته أم لا يدل عليها، ولا بد من إيجاب جديد (٢) ، اختلفوا على عدة مذاهب نذكر اثنين منها:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن دليل الواجب يدل على وجوب المقدمة، سواء أكانت سببًا أم شرطًا، لأن التكليف بالواجب بدون التكليف بمقدمته يؤدي إلى التكليف بالمحال، وهو ممنوع، وأن السعي إلى تحصيل أسباب الواجب واجب، وأن السعي في تحصيل أسباب الحرام حرام، باتفاق، فكان دليل الواجب دليلًا للمقدمة.
- (٢)يعبر عن ذلك أمير بادشاه بقوله: أي ما يتوقف عليه الواجب وجوبه بسبب وجوب ذلك الواجب، تيسير التحرير، له: ٢ ص ٢١٦.
-
الثاني: وهو عكس الأول، وهو أن مقدمة الواجب لا تجب بإيجاب الواجب، وإنما تحتاج إلى إيجاب جديد، لأنه لو وجبت المقدمة بدليل الواجب الأول لوجب التصريح بها، مع أن المقدمة لا يصرح بها، أو لكانت واردة في ذهن المخاطب مع أنه كثيرًا ما يغفل عنها، فإثبات
ج ١ ص ٣٣١إيجاب المقدمة لشيء لا يقتضيه الخطاب فيكون باطلًا (١) .
- (١)مباحث الحكم: ص ٩١، المستصفى: ١ ص ٧٢، فواتح الرحموت: ١ ص ٩٥، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٠٤، مختصر ابن الحاجب: ١ ص ٣٩، نهاية السول: ١ ص ١٢٠.
-
وهناك آراء أخرى تفرق بين السبب والشرط، وبين الشرط الشرعي والشرط العقلي وغيره، وذلك أن عدم المشروط عند عدم الشرط إن كان منشؤه الشرع فهو شرط شرعي، كالطهارة بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العقل فهو شرط عقلي، مثل ترك ضد من أضداد المأمور به، كالأكل بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العادة فهو شرط عادي، كنصب السلم بالنسبة لصعود السطح، وغسل جزء من الرأس بالنسبة لغسل الوجه، فإن غسل الوجه لا ينفك عادة عن غسل جزء من الرأس (٢) .
- (٢)أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١١٨.
-
وتفصيل هذا الموضوع دقيق ولا طائل تحته، ولذا نكتفي بهذا الجزء منه، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة وعرة، والطرق ضيقة فليقنع بمثل هذا في المضيق (٣) .
- (٣)الإحكام، له: ١ ص ١٤.
-
فائدة: يقول القرافي رحمه اللَّه تعالى: "الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة" (٤) .
- (٤)شرح تنقيح الفصول: ص ٤٤٩.