هل المندوب مأمور به

١٢ فقرة، ج ١ ص ٣٣٨

  1. بما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة هامة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟

    ج ١ ص ٣٣٨
  2. اتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين:

    القول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية والمحققين من الحنفية (١) ، واستدلوا على ذلك بما يلي:

    ١ - إن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر اللَّه تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به.

    1. (١)المستصفى: ١ ص ٧٥، فواتح الرحموت: ١ ص ١١١، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١١٢ تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٢ وما بعدها، المسودة في أصول الفقه: ص ١١ وما بعدها ١٥، أصول السرخسي: ١ ص ١٤، البرهان، للجويني: ١ ص ٢٤٩.
  3. واعترض ابن عبد الشكور على الدليل فقال: الطاعة تكون في الأمر وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به (٢) .

    1. (٢)البرهان: ١ ص ٢٤٩، فواتح الرحموت: ١ ص ١١٢.
  4. ٢ - إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين أمر إيجاب وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به.

  5. واعترض على الاستدلال بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة (٣) .

    1. (٣)فواتح الرحموت: ١ ص ١١٢.
  6. ٣ - المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به.

    ج ١ ص ٣٣٩
  7. القول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

    ١ - لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة لكان تركه معصية، والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب فاعله، ولا يذم -كما سبق في حكمه- فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط (١) .

    1. (١)فواتح الرحموت: ١ ص ١١١، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٤، مباحث الحكم: ص ٩٤، أصول السرخسي: ١ ص ١٤ وما بعدها.
  8. ويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه، لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، واللَّه تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم، ويقتضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا (٢) .

    1. (٢)المستصفى: ١ ص ٧٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١١٣.
  9. ٢ - قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٣) ، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو أمر به لكان واجبًا.

    1. (٣)رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد ومالك.
  10. واعترض عليه بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: إن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به حقيقة (١) .

    1. (١)المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٢.
    ج ١ ص ٣٤٠
  11. ٣ - الأمر حقيقة في لفظ "افعل" ، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب (٢) .

    1. (٢)فواتح الرحموت: ١ ص ١١١، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٣.
  12. وأرى أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا تترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية.