من هو الحاكم

١٥ فقرة، ج ١ ص ٤٤٧

  1. يطلق لفظ الحاكم على معنيين:
  2. المعنى الأول: أن الحاكم هو واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها.

  3. المعنى الثاني: أن الحاكم هو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها (١) .

    1. (١)أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١٤٧، أصول الفقه لغير الحنفية: ص ٦٢.
  4. وبناء على ذلك فالحاكم بالمعنى الأول هو اللَّه تبارك وتعالى، الخالق البارئ المصور، المشرع للأحكام، المنشئ لها، وهو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية لجميع المكلفين، فلا شرع في الإسلام إلا من اللَّه تعالى، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية، ولا حكم إلا ما حكم به، هذا باتفاق المسلمين قاطبة، لم يخالف بذلك أحد منهم يؤمن باللَّه ربّا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن دستورًا، وبالإسلام دينًا.

  5. فمصدر الأحكام كلها حقيقة هو اللَّه عزَّ وجلَّ، سواء أظهر هذا

    ج ١ ص ٤٤٨الحكم بالنص الذي أوحى به إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، أم فيما يتوصل إليه المجتهد بالقياس والدلائل والأمارات التي شرعها اللَّه لاستنباط أحكامه، وليست السنة والإجماع والقياس وبقية المصادر إلا مبيِّنة وكاشفة عن حكم اللَّه تعالى، ولا تعتبر حجة ولا دليلًا إلا لثبوت حجيتها من قبل اللَّه تعالى، فهي سبل ومناهج لمعرفة حكم اللَّه الواحد الأحد (١) .

    1. (١)أصول الفقه، خلاف: ص ١٠٨.
  6. فاللَّه هو المشرع للأحكام، وهو الموجب لها باتفاق، ولذا وضع علماء الأصول القاعدة المشهورة "لا حكم إلا للَّه" (٢) ، واتفقوا على تعريف الحكم -كما سبق- بأنه خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فالحاكم هو اللَّه تعالى الذي يصدر عنه الخطاب، وترجع إليه الأحكام.

    1. (٢)الإحكام، الآمدي: ١ ص ٧٦، فواتح الرحموت: ١ ص ٢٥، تيسير التحرير: ٢ ص ١٥٠، إرشاد الفحول: ص ٧، نهاية السول: ١ ص ١٤٥، حاشية العطار على جمع الجوامع: ١ ص ٧٨.
  7. واستدل العلماء على ذلك بأدلة كثيرة أهمها:
  8. قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) } [الأنعام: ٥٧] ، فالآية الكريمة حصرت الحاكمية باللَّه تعالى، واستعمل القرآن الكريم أداة الحصر لتأكيد هذا المعنى.

    قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: ٤٩] ، فالآية الكريمة بيَّنت أن الحكم الواجب على المؤمنين هو ما أنزله اللَّه تعالى، وليس ما تميل إليه الأهواء والنفوس والعقول البشرية.

  9. ٣ - قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) } [المائدة: ٤٤] ، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) } [المائدة: ٤٥] ، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

    ج ١ ص ٤٤٩فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) } [المائدة: ٤٧] ، فالآيات الثلاث نددت بالحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى، واعتبرت ذلك كفرًا أو ظلمًا أو فسوقًا.

  10. ٤ - بين القرآن وجوب الرجوع إلى أحكام اللَّه تعالى في القرآن والسنة عند التنازع وعلق الإيمان عليه، فقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: ٥٩] .

  11. ٥ - نفى القرآن الكريم الإيمان عن الناس حتى يحتكموا إلى أحكام الله تعالى، ويرضوا بذلك وتستسلم نفوسهم لها، فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) } [النساء: ٦٥] .

  12. أما المعنى الثاني للحاكم وهو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها فميز العلماء بين حالتين:

    الحالة الأولى: بعد البعثة وبلوغ الدعوة: اتفق العلماء على أن الذي يدرك الأحكام الشرعية ويظهرها هو التشريع السماوي المنزل، والحاكم هو الشرع الذي جاء به الرسول، فما أحله اللَّه فهو حلال، وما حرمه اللَّه فهو حرام، وما أمر به الشرع فهو حسن وفيه مصلحة، وما نهى عنه الشرع فهو قبيح وفيه مفسدة، وهكذا، وإن ما ورد بالشرع يلتزم به المسلم، ولا يخرج عنه قيد أنملة، ويسلم بكل ما جاء فيه دون اعتراض، ومن أنكر آية في كتاب اللَّه تعالى أو حكمًا ثبت قطعًا عن اللَّه تعالى فقد خرج عن الإسلام، وكفر باللَّه، والعياذ باللَّه (١) .

    1. (١)إرشاد الفحول: ص ٧.
  13. الحالة الثانية: قبل البعثة، اختلف علماء المسلمين في تحديد الحاكم بالمعنى الثاني قبل البعثة، واختلفوا على دور العقل في ذلك على قولين (٢) .

    1. (٢)منهاج الوصول: ص ١٢، فواتح الرحموت: ١ ص ٢٥، حاشية العطار: ١ ص ٧٩، = = أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١٤٧.
  14. القول الأول: عدم وجود ما يكشف عن حكم اللَّه، وعدم وجود حكم شرعي قبل البعثة، وأن العقل لا يدرك الأحكام بنفسه بدون واسطة الرسل والكتب السماوية، فالحاكم هو اللَّه تعالى، والكاشف هو الشرع، ولم يرد شرع، وهو قول أهل السنة والجماعة.

    ج ١ ص ٤٥٠
  15. القول الثاني: أن الحاكم حقيقة هو اللَّه تعالى، ولكن العقل يدرك أحكام اللَّه تعالى ويكشف عنها ويعرفها ويظهرها، قبل ورود الشرع، وهو قول المعتزلة، كما أن العقل يعرف أحكام اللَّه تعالى بعد البعثة فيما لم يرد فيه نص (١) .

    1. (١)يطلق كثير من علماء الأصول عبارة أن الحاكم عندنا هو اللَّه تعالى، وعند المعتزلة هو العقل، وهذا الإطلاق فيه تجاوز وتسامح وعدم دقة، لأنه لم يقل أحد من المسلمين: إن الحاكم هو العقل، وإنما قال المعتزلة: إن العقل يعرف الأحكام ويدركها قبل نزول الشرع، ولذا نبه بعض العلماء عليه، (انظر فواتح الرحموت: ١ ص ٢٥، تيسير التحرير: ٢ ص ١٥١، نهاية السول: ١ ص ١٤٦، جمع الجوامع وحاشية العطار: ١ ص ٧٩، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٣٠٣).