المطلب الخامس في العزيمة والرخصة
٦٦ فقرة، ج ١ ص ٤٢٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٤٢٩
هذا هو القسم الخامس للحكم الوضعي الذي اختلف العلماء في اعتباره داخلًا في الحكم الوضعي أو غير داخل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الفعل المحكوم فيه، وهو رأي بعض العلماء كابن الحاجب والرازي، وقالوا: إن الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة (١) .
- (١)مختصر ابن الحاجب: ص ٤٣، مباحث الحكم: ص ١٢٠، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٨٢.
-
القول الثاني: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي، وهو رأي بعض العلماء، كصدر الشريعة وابن السبكي والإسنوي وابن عبد الشكور، ونظروا إلى الرخصة والعزيمة كصفة للأحكام التكليفية، فالواجب أو المندوب أو المكروه أو الحرام أو المباح إما أن يكون عزيمة ومطلوبًا، وإما أن يكون رخصة ومخيرًا فيه، ولذا كانت العزيمة والرخصة تابعة للحكم التكليفي (٢) .
- (٢)كشف الأسرار: ٢ ص ٦١٨، جمع الجوامع مع حاشية البناني: ١ ص ١١٩، منهاج الوصول: ص ٧، فواتح الرحموت: ١ ص ١١٦، القواعد والفوائد الأصولية: ص ١١٤، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٨٢.
- ج ١ ص ٤٣٠
القول الثالث: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي، وهو رأي الغزالي والآمدي والشاطبي وصاحب شرح مسلم الثبوت، وذلك أن الأصل في جميع الأحكام أن تكون عزيمة، ولا تنتقل من العزيمة إلى الرخصة إلا لسبب، وهو الضرورة في إباحة المحظور، أو طروء العذر كسبب للتخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس كسبب صحيح في بعض عقود المعاملات بينهم، فارتبطت العزيمة بفقدان السبب الشرعي المبيح، وارتبطت الرخصة بوجود السبب المبيح لها فالرخصة في الحقيقة عبارة عن وضع الشارع وصفًا من الأوصاف سببًا في التخفيف، والعزيمة عبارة عن اعتبار مجاري العادات سببًا للجري على الأحكام الأصلية، فكانت الرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وهذا القول أخذ به كثير من العلماء، ورأينا ترجيحه والسير على منواله (١) .
- (١)الإحكام، الآمدي: ١ ص ٩١، فواتح الرحموت: ١ ص ١١٦، الموافقات: ١ ص ١٢٢، المستصفى: ١ ص ٩٨، تسهيل الوصول: ص ٢٥٥، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٨٢، الوسيط في أصول الفقه: ص ١٠٥.
-
أولًا: العزيمة
[تعريف العزيمة]
-
العزم لغة: هو القصد المؤكد، قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: ١٥٩] ، وقال تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: ١١٥] أي حزمًا وتصميمًا. وعزم على الشيء جد واجتهد في أمره، وعزم على الشيء عقد ضميره على فعله، وعزائم اللَّه فرائضه (٢) .
- (٢)المصباح المنير: ٢ ص ٥٥٨، القاموس المحيط: ٤ ص ١٤٩.
-
وفي الاصطلاح: هي ما شرعه اللَّه لعامة عباده من الأحكام ابتداء (٣) .
- (٣)الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢٢، جمع الجوامع وحاشية البناني: ١ ص ١٢٤، كشف = = الأسرار: ٢ ص ٦١٨، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٧١، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٨، أصول الفقه، خلاف: ص ١٣٨، أصول الفقه لغير الحنفية: ص ٩١، أصول السرخسي: ١ ص ١١٧، مباحث الحكم: ص ١١٥، أصول الفقه، الخضري: ص ٧١، تسهيل الوصول: ص ٢٥٠، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٧٦.
- ج ١ ص ٤٣١
"ما شرعه اللَّه" : أي الأحكام التي شرعها اللَّه تعالى، ولفظ "عامة عباده" قيد يخرج الأحكام الخاصة ببعض المكلفين، وأن العزيمة عامة لجميع العباد ولجميع الأحوال، وتخرج الخصوصية، ولفظ "ابتداء" أي لم تسبق في شريعتنا بأحكام أخرى، وأن العباد مكلفون بها من أول الأمر.
-
وعرف البيضاوي العزيمة بأنها "الحكم الثابت لا على خلاف الدليل القائم لعذر" ، وهذا التعريف للمقابلة مع تعريف الرخصة الآتي بعد قليل، فكل حكم لم يخالف الدليل أصلًا كالأكل والشرب، أو خالف الدليل ولكن ليس بسبب العذر بل بسبب الاختبار مثلًا كالتكاليف، أو خالف الدليل لمانع كإفطار الحائض وترك الصلاة، فهذه كلها عزائم.
-
ومن التعريفين السابقين نجد أنه لا واسطة بين العزيمة والرخصة، فكل حكم ثبت بالشرع فهو عزيمة، إلا إذا ورد ما يخالفه لعذر فهو رخصة، وسميت الأحكام الأصلية عزيمة لأنها مشروعة ابتداء حقًّا لصاحب الشرع الذي يستحق الطاعة وتنفيذ الأوامر (١) .
- (١)كشف الأسرار: ٢ ص ٦١٨، فواتح الرحموت: ١ ص ١١٦، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٩.
-
وذهب بعض الأصوليين في تعريف العزيمة إلى أنها "الحكم الثابت الذي خولف لعذر" ، فالعزيمة تقابل الرخصة، وأن الحكم لا يسمى عزيمة إلا إذا ثبت الترخيص فيه لعذر، وتكون الأحكام ثلاثة أقسام: الرخصة والعزيمة عند وجود العذر، والحكم الأصلي الذي لم يتطرأ
ج ١ ص ٤٣٢إليه هذا الترخيص ولم يحطه عذر، فهو حكم لا يوصف بأنه رخصة ولا عزيمة، وإنما هو حكم شرعي أصلي (١) .
- (١)أصول الفقه لغير الحنفية: ص ٩١.
-
ويرجح القول الأول في تقسيم الأحكام إلى قسمين: رخصة وعزيمة، وأن جميع الأحكام الشرعية التكليفية تعتبر عزائم للَّه تعالى، ويكلف العبد بتنفيذها والالتزام بها وتطبيقها، وبذل الجهد والمشقة في المحافظة عليها، واستحقاق الأجر والثواب من اللَّه على فعل الواجبات والمندوبات، واستحقاق الذم والعقاب على فعل المحرمات، فإن طرأ عذر رفع الإثم والحرج والذم والعقاب عن فاعل المحرم، وصار الحكم رخصة له من اللَّه تعالى، ولذا تنسب العزائم إلى اللَّه تعالى، فيقال: عزائم اللَّه تعالى، ويراد بها فرائضه التي أوجبها، وحدوده التي أقامها (٢) .
- (٢)التلويح على التوضيح: ٣ ص ٨٢، مباحث الحكم: ص ١١٥.
-
والعزيمة تشمل الأحكام الخمسة التكليفية عند الجمهور، فكل حكم منها هو عزيمة، لأنها من الأحكام التي شرعت ابتداء في الشريعة من غير نظر إلى الأعذار، وتبقى عزيمة ما لم يرد دليل مخالف لها لعذر، سواء كان الحكم الإيجاب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم.
-
وذهب بعض الأصوليين إلى قصر العزيمة على الواجب والمندوب والمباح والمكروه، وقصرها آخرون على الواجب والمندوب، وخصها بعضهم بالواجب والحرام فقط (٣) .
- (٣)تسهيل الوصول: ص ٢٥١، نهاية السول: ١ ص ٩١، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٧١، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٢٠ وما بعدها، أصول الفقه لغير الحنفية: ص ٩١، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٧٦.
- ج ١ ص ٤٣٣
[أنواع العزيمة]
- يدخل في العزيمة الأنواع الأربعة التالية:
-
١ - ما شرع ابتداء من أول الأمر لصالح المكلفين عامة، كالعبادات والمعاملات والجنايات وجميع الأحكام التي شرعها اللَّه تعالى لعباده لتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا النوع هو الغالب في الأحكام.
-
٢ - ما شرع من الأحكام لسبب طارئ اقتضى مشروعيته، كحرمة سب الأنداد والأوثان التي تعبد من دون اللَّه، بسبب ما ينشأ عنها من سب المشركين للَّه سبحانه وتعالى، فحرم اللَّه تعالى سب الأوثان والطواغيت لأنه ذريعة إلى سب اللَّه تعالى، قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ} [الأنعام: ١٠٨] ، ومثله منع استعمال لفظ "راعنا" لما يلتبس به من طعن وغمز ولمز من اليهود إلى رسول اللَّه، فقال تعالى: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: ٤٦] ، مع أن الأصل في معنى الكلمة الرعاية، ولكن اليهود والمنافقين كانوا يقصدون منها الرعونة لسب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أخزاهم اللَّه ولعنهم (١) .
- (١)تفسير ابن كثير: ١ ص ٥٠٧.
-
٣ - ما شرع من أحكام ناسخة لأحكام سابقة، ويصبح المنسوخ كأن لم يكن، والحكم الناسخ هو العزيمة، وهو الحكم الأصلي الذي يعتبر أنه شرع ابتداء لجميع المكلفين، مثل قوله تعالى في نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس، وتحويل الصلاة إلى الكعبة، قال تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٤٤] ، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
ج ١ ص ٤٣٤"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (١) .
- (١)رواه ابن ماجه عن ابن مسعود، ورواه مسلم عن بريدة، والحاكم عن أنس.
-
٤ - الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٢٤] ، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} ] البقرة: ٢٢٩]، فقد حرم اللَّه تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات اللَّه فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق، يدها وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة (٢) .
- (٢)مباحث الحكم: ص ١١٦.
-
ثانيًا: الرخصة
[تعريف الرخصة]
-
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضدّ الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (٣) .
- (٣)المصباح المنير: ١ ص ٣٠٤، القاموس المحيط: ٢ ص ٣٠٤.
-
وفي الاصطلاح عرفها البيضاوي بأنها: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر" (٤) .
- (٤)نهاية السول: ١ ص ٨٧، وانظر: المستصفى: ١ ص ٩٨، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٨، مختصر ابن الحاجب: ص ٤٣، تسهيل الوصول: ص ٢٥١، كشف الأسرار: = = ٢ ص ٦٧٠، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢٢، التلويح: ٣ ص ٨٢، أصول الفقه لغير الحنفية: ص ٨٧، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٧١، الموافقات: ١ ص ٢٠٥، أصول السرخسي: ١ ص ١١٧، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٧٨، الأشباه والنظائر، السيوطي: ص ٧٦، ٨٢.
- ج ١ ص ٤٣٥
١ - الحكم: أي الشرعي، وهو جنس يشمل الرخصة والعزيمة.
-
٢ - الثابت على خلاف الدليل: قيد أول، والثابت إشارة إلى أن الرخصة لا تكون إلا بدليل مع وجود العذر، والدليل هو الدليل الشرعي الصحيح، الذي سبق شرحه في أول الكتاب، سواء أكان هذا الدليل يفيد الإيجاب كصيام رمضان، أو التحريم كتحريم الميتة، أم الندب كترك الجماعة، أم الكراهة أم الإباحة، أي الدليل الذي يثبت به الحكم الأصلي، وهو العزيمة التي سبق بيانها، وتأتي الرخصة على خلاف هذه الأدلة، فيجوز الإفطار في رمضان للمسافر رخصة، ويجوز أكل الميتة للمضطر رخصة، ويجوز ترك الجماعة لمرض رخصة.
-
وهذه العبارة احتزاز عن الحكم الخاص الذي لا يخالف دليلًا شرعيًّا، لعدم ورود دليل أصلًا، كحل المنافع المباحة من أكل وشرب ولبس مما لم يرد على منعها دليل، فإباحتها لا تكون رخصة، وإنما تبقى مباحة بحسب الأصل، ويحترز أيضًا عن دليل المنع المنسوخ أو المرجوح، فالحكم الثابت على خلافهما لا يعتبر رخصة بل هو عزيمة (١) .
- (١)مثال الحكم المخالف لدليل منسوخ جواز فرار مسلم واحد إذا التقى بأكثر من كافرين اثنين، وحرمة قتل النفس توبة، وحرمة إحراق الغنائم، ومثال الدليل المرجوح النص العام الذي يخالفه دليل خاص، مثل عدم قتل المستأمن مع قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: ٣٦] فهذه الأحكام ليست رخصة بل عزيمة.
-
٣ - لعذر: قيد ثان، لإخراج ما يستباح لغير عذر، وهذا العذر أعم من الضرورة أو المشقة أو الحاجة، فيشمل الضرورة كأكل الميتة في
ج ١ ص ٤٣٦المخمصة، والمشقة كالإفطار في رمضان للمسافر، والحاجة كالسلم (١) .
- (١)قارن ما جاء في مباحث الحكم: ص ١١٧، فإنه يرى أن السلم والقراض والمساقاة ليست رخصة لأنها شرعت لعذر غير شاق، والرخصة تختص بالشاق، وتسمى رخصة مجازًا.
-
ولفظ العذر احتزاز أيضًا عن التكاليف الشرعية، فالأصل عدم التكليف، فإذا ورد التكليف فلا يعتبر ذلك رخصة؛ لأنه ثبت للابتلاء والاختبار، وليس لعذر، واحتراز أيضًا عن وجوب ترك الحائض للصلاة، وغيرهما من الأحكام التي تثبت لمانع وليس لعذر (٢) ، والفرق بينهما أن العذر يجتمع مع المشروع كالسفر والمرض مع الصوم، أما المانع فلا يجتمع معه، بل يمنع وجوده أصلًا، كما سبق في تعريف المانع (٣) .
- (٢)حاشية البناني على جمع الجوامع: ١ ص ١٢٤.
- (٣)عرف بعض الحنفية الرخصة بأنها ما تغيَّر من عسر إلى يسر لعذر، وهذا تعريف عام يشمل الرخصة الحقيقية والمجازية، فالناسخ لعذر رخصة عندهم، وهذا توسع في الرخصة، انظر تسهيل الوصول: ص ٢٥١، أصول الفقه لغير الحنفية: ص ٨٨.
-
وهذه الرخصة التي تثبت على خلاف الدليل لعذر تشمل الأحكام الشرعية الأربعة، وهي: الإيجاب والندب والكراهة والإباحة، وبتعبير آخر تشمل أفعال المكلف التي تتعلق بها الأحكام (٤) ، ونضرب مثالًا لكل منها:
١ - الواجب: مثل أكل الميتة للمضطر، فهو واجب عند جمهور الفقهاء (٥) .
- (٤)جمع الجوامع وحاشية البناني: ١ ص ١٢١، التوضيح: ٣ ص ٨٢، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٩، نهاية السول: ١ ص ٩٠، المستصفى: ١ ص ٩٩، المجموع: ٤ ص ٢٢٢، وقارن الموافقات: ١ ص ٢٠٩، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٧٩.
- (٥)قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بحسب الأحوال، = = انظر: تفسير ابن كثير: ٢ ص ١٤، المجموع: ٤/ ٢٢٢، الأشباه للسيوطي: ص ٨٢.
- ج ١ ص ٤٣٧
٢ - المندوب: مثل القصر للمسافر عند الجمهور خلافًا للحنفية، فإنهم يعتبرون القصر عزيمة وليس رخصة.
-
٣ - المباح: مثل رؤية الطبيب لعورة المرأة أو الرجل، فالنظر في الأصل محرم، ولكنه أبيح لرفع الحرج عن الناس، ومثل الإجارة والمساقاة والسلم، فإنها رخصة مجازية، لأنها عدول عن القياس لعذر، وهو الحاجة إليها، ومثل الجمع بين الصلاتين في غير مزدلفة وعرفة؛ فإنه رخصة عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين يمنعون الجمع إلا في مزدلفة وعرفة (١) .
- (١)مباحث الحكم: ص ١٢٣، نهاية السول: ١ ص ٩٠، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٨٠.
-
٤ - المكروه: مثل النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فالنطق بالكفر حرام، وعند الإكراه يجوز النطق بها، مع الكراهة، وإن صبر فأولى كما سنرى، ومثل قصر الصلاة لأقل من ثلاث مراحل عند الشافعية، ومثل الإفطار في رمضان، فإنه خلاف الأولى، لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: ١٨٤] .
-
ولا يخطر على البال أن يرخص اللَّه تعالى في أمر وتكون الرخصة حرامًا، فإن اللَّه تعالى لا يشرع الحرام (٢) ، ولأن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رُخَصُه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٣) ، وقال لعمار: "إن عادوا فَعُدْ" (٤) .
- (٢)كشف الأسرار: ٢ ص ٦١٩.
- (٣)رواه أحمد والبيهقي وابن حبان عن ابن عمر، وفي لفظ لأحمد: "من لم يقبل رخصة اللَّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة،، تفسير ابن كثير: ٢ ص ١٤، مسند أحمد: ٢ ص ٧١، ١٠٨، ورواه البزار بإسناد حسن، والطبراني وابن حبان وصححه (الترغيب والترهيب ٢/ ١٣٥).
- (٤)رواه البيهقي وغيره.
- ج ١ ص ٤٣٨
[إطلاقات الرخصة]
-
أطلق الأصوليون الرخصة مجازًا بثلاثة إطلاقات بالإضافة إلى معناها الحقيقي، وهي:
١ - ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا دون توقف على عذر، وهو ما يقال له إنه مشروع على خلاف القياس، كالسلم والإجارة والقرض والمساقاة والاستصناع، فالقياس يمنع ويحرم هذه العقود، وشرعت استحسانًا، ويطلق عليها العلماء أنها رخصة، لما تتضمن في مشروعيتها من تسهيل وترخيص وتيسير ورفع للحرج عن الناس (١) ، ولما جاء في الحديث: "نهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم" (٢) .
- (١)الموافقات: ١ ص ٢٠٦.
- (٢)قال القرطبي في شرح مسلم: إنه عثر عليه بهذا اللفظ، ويظهر أنه حديث مركب من حديثين (فتح القدير ٥/ ٣٢٤).
-
٢ - نسخ الأحكام التكليفية الغليظة التي شدد اللَّه بها على الأمم السابقة، كالقتل لصحة التوبة، والصلاة في مكان العبادة فقط، ودفع ربع المال زكاة، وقطع الثوب إذا أصابته نجاسة، وغير ذلك مما نسخ في شريعتنا (٣) ، ودل على النسخ قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: ٢٨٦] ، وقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: ١٥٧] .
- (٣)أصول الفقه، الخضري: ص ٧٢، أصول الفقه، خلاف: ص ١٣٩، مباحث الحكم: ص ١١٩، الموافقات: ١ ص ٢٠٧، أصول السرخسي: ١ ص ١٢٠.
-
٣ - الأحكام التي جاءت توسعة على العباد، كالتمتع بالمباحات، والاستفادة من الملذات، وأكل الطيبات، فإنها رخصة مجازًا، لما يظهر
ج ١ ص ٤٣٩فيها من معارضة قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) } [الذاريات: ٥٦] ، وقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: ١٣٢] .
-
فهذه الأنواع تسمى رخصة تجاوزًا أو تسامحًا، ولا تدخل في معنى الرخصة الذي اصطلح عليه علماء الأصول، وتضاف إلى النوعين اللذين نص عليهما علماء الحنفية، وقالوا: إنهما رخصة مجازًا، كما سنرى في الفقرة التالية، فجميع هذه الحالات لا تكون رخصة حقيقية (١) .
- (١)المراجع السابقة، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢٣.
-
[أنواع الرخصة]
-
الرخصة مبنية على أعذار العباد، ولما كانت أعذارهم مختلفة فلذلك اختلفت الرخص وتنوعت إلى أربعة أنواع، الأول والثاني متفق عليهما، والثالث والرابع نص عليهما الحنفية واعتبروهما رخصة مجازًا (٢) ، وهذه الأنواع هي:
١ - الرخصة في فعل المحظورات، وهي التي تجعل الفعل في حكم المباح، فتسقط المؤاخذة عنه، مع بقاء حكم الحرام فيه، مثل الترخص بكلمة الكفر عند الإكراه على النفس بالقتل أو على قطع عضو من الجسد، والامتناع عن النطق بكلمة الكفر عزيمة، فإن صبر حتى قتل كان مأجورًا، وإن نطق بها فلا يؤاخذ لوجود الإكراه مع ثبوت الإيمان والتصديق بالقلب، ومثله الترخيص للإفطار في رمضان للإكراه، والترخيص بإتلاف مال غيره، ومن اضطره الجوع الشديد والظمأ الشديد
ج ١ ص ٤٤٠إلى أكل الميتة أو شرب الخمر فيباح له أكلها وشربها.
- (٢)تسهيل الوصول: ص ٢٥٢، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٣٥، أصول السرخسي: ١ ص ١١٨، جمع الجوامع والبناني: ١ ص ١٢٢، التلويح: ٣ ص ٨٢، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٨، ٢٣٢، وقارن رأي الخضري في كتاب أصول الفقه: ص ٧٤، فإنه يرى أن هذا التقسيم خطأ.
-
وحكم هذا النوع -ما عدا الكفر مع الإكراه- ترجيح الأخذ بالرخصة على العزيمة لقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: ١٧٣] ، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: ١١٩] ، ولأن في الرخصة حفظًا للنفس ولاستيفاء حق اللَّه فيها، ولو أصر على العزيمة وامتنع عن شرب الخمر وأكل الميتة عند الاضطرار والإكراه حتى مات بسببهما أثم بإلقاء نفسه إلى التهلكة (١) .
- (١)تيسير التحرير: ٢ ص ٢٣٢، وقال الإمام أحمد في قول: إن العزيمة أفضل في الميتة، ويخير بين القتل وشرب الخمر، انظر المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٧١، ٧٢.