ثانيا: مذهب المعتزلة
١٠ فقرات، ج ١ ص ٤٥٥
- ج ١ ص ٤٥٥
يرى المعتزلة أن العقل نفسه يعرف حكم اللَّه تعالى في أفعال المكلفين قبل البعثة، بدون واسطة الرسل والأنبياء والكتب، لأن كل فعل من أفعال العباد فيه من الصفات، وله من الآثار ما يجعله نافعًا أو ضارًّا، فالفعل حسن بذاته أو قبيح بذاته، وإن العقل بناء على صفات الفعل وآثاره يستطيع أن يحكم بأنه حسن أو قبيح.
-
واستدلوا على ذلك بأن بعض الأفعال والأقوال لا يسع العاقل إلا أن يفعلها، ويحكم بمدح فاعلها، فهي حسنة بذاتها كالصدق والإيمان، وأن بعض الأفعال والأقوال لا يسيغ العقل فعلها، لما تجلب من المضار واستنكار الناس وذمهم، كالكذب والضرر والكفر، فلا تحتاج لإقامة الدليل عليها، فالعلم بحسنها أو قبحها ضروري، فالعدل حسن
ج ١ ص ٤٥٦ولو كان ضارًّا، والظلم قبيح ولو كان نافعًا، في نظر العاقل سواء كان متدينًا أو غير متدين، وأن الرسول في الآية {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] هو العقل.
-
وأساس هذا المذهب أن الحسن والقبح أمران عقليان، وليسا شرعيين، وأن الحسن من الأفعال: ما رآه العقل حسنًا لما فيه من نفع، والقبيح من الأفعال ما رآه العقل قبيحًا لما فيه من ضرر، لأن العقل إذا لم يعلم حسن الأفعال وقبحها قبل الشرع، لاستحال عليه أن يعلم ذلك بعد الشرع، وكان مكلفًا بما لا يستطيع وهو محال (١) .
- (١)الإحكام، الآمدي: ١ ص ٧٧، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٦٨، أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١٥٠، ١٥٢، فواتح الرحموت: ١ ص ٢٦، أصول الفقه، خلاف: ص ١١٠، الوسيط في أصول الفقه: ص ١٢٢.
- وينتج عن هذا المذهب ما يلي:
-
١ - أن من لم تبلغهم دعوة الرسل والشرائع مكلفون من اللَّه تعالى بفعل ما يهديهم عقلهم إلى حسنه، ويثابون من اللَّه تعالى على فعله، وأنهم مكلفون بترك ما يهديهم عقلهم إلى قبحه، ويعاقبون من اللَّه تعالى على فعله، لأن العاقل يقر بأن كل فعل فيه خواص وله آثار تجعله حسنًا أو قبيحًا، فيمكن إدراك تلك الأحكام قبل أن ترد الشرائع فيها، وهل ينكر عاقل أن الشكر على النعمة والصدق والوفاء والأمانة والإيمان كلها حسنة وأن ضدها قبيح، وبالتالي فيجب شكر المنعم عليها والثناء له؟ ويكون الشكر اعتقادًا بالقلب أو تحدثًا باللسان أو سلوكًا بالخضوع والاستسلام، ومن ترك الشكر والثناء فهو آثم (٢) .
- (٢)المراجع السابقة، تسهيل الوصول: ص ٢٧٣، أصول الفقه، البرديسي: ص ١٦١، فواتح الرحموت: ١ ص ٤٧.
-
ونلاحظ أن استدلال المعتزلة يعتمد على إطلاق الحسن بمعنى
ج ١ ص ٤٥٧الكمال، وهذا أمر متفق عليه مع الأشاعرة، ولكن الخلاف في إطلاق الحسن بمعنى ترتب المدح والثواب عليه.
-
٢ - أن حكم اللَّه تعالى على الأفعال يكون بحسب ما تدركه العقول من النفع أو الضرر، فيطلب اللَّه تعالى من المكلفين فعل ما فيه النفع بحسب ما يدركه العقل، ويطلب ترك ما فيه ضررهم حسب ما يدركه العقل، ولا يمكن أن يأمر بأمر قبيح ذاتيًّا، ولا ينهى عن شيء حسن ذاتيًّا، لاعتقاد المعتزلة وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وأن الشرائع مؤكدة لحكم العقل فيما يعلمه.
-
ومبدأ المعتزلة أن ما رآه العقل حسنًا فهو حسن، ومطلوب شرعًا فعله، ويثاب من اللَّه فاعله، وما رآه العقل قبيحًا فهو قبيح، ومطلوب شرعًا تركه، ويعاقب من اللَّه فاعله، فالشرع تابع للعقل، ويقولون: إن الشرع مؤكد وكاشف لحكم العقل فيما أدركه من حسن الأشياء وقبحها.
-
واستدلوا على ذلك بأن اللَّه تعالى ما شرع حكمًا إلا بناء على ما فيه من نفع أو دفع ضرر، وأن الأحكام الشرعية جاءت لتحقيق مصالح الناس، فكل ما طلب الشارع فعله فقد طلبه لما فيه من نفع ولما يحقق من مصلحة، وكل ما نهى الشارع عنه فقد حرمه، لما فيه من ضرر ولما يترتب على فعله من مفسدة (١) .
- (١)تسهيل الوصول: ص ٢٧١، فواتح الرحموت: ١ ص ٢٦، ٢٧، المستصفى: ١ ص ٦١، إرشاد الفحول: ص ٧.
-
وعلى الرغم من فساد مذهب المعتزلة في بناء الأحكام على الحسن والقبح العقليين، أو بحسب المصالح والمفاسد أو المنافع والمضار، فقد يقال: إن أساس هذا المذهب هو المسوغ لتشريع الأحكام الوضعية
ج ١ ص ٤٥٨قديمًا وحديثًا في القوانين التي تخلت عن شرع اللَّه وحكمه، وتركت الأحكام الإلهية، ووضعت لنفسها أحكامًا تعتمد على العقل، وتستند على المصالح والمفاسد، وتتنكب صراط اللَّه المستقيم، وطريقه القويم، نسأل اللَّه تعالى أن يردنا إلى ديننا ردًّا جميلًا، وأن يهدي المسلمين للعمل بشريعته، إنه نعم المولى ونعم النصير.