ثالثا: مذهب الماتريدية
٨ فقرات، ج ١ ص ٤٥٨
- ج ١ ص ٤٥٨
وهذا مذهب وسط بين المذهبين السابقين، ويرى -كالمعتزلة- أن أفعال المكلفين فيها خواص ولها آثار تقتضي حسنها أو قبحها، فالأشياء لها حسن ذاتي وقبح ذاتي، وأن العقل بناء على هذه الآثار والخواص يحكم بأن هذا الفعل حسن، وأن هذا الفعل قبيح، وما رآه العقل السليم حسنًا فهو حسن، وما رآه العقل السليم قبيحًا فهو قبيح، وأن اللَّه تعالى لا يأمر بما هو قبيح في ذاته، ولا ينهى عما هو حسن لذاته (٢) .
- (٢)فواتح الرحموت: ١ ص ٢٦، ٢٩، ٣٠، تيسير التحرير: ٢ ص ١٥٢، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٦٩.
-
ومبدأ الماتريدية أن الحسن والقبح عقليان لا شرعيان، لأن أمهات الفضائل يدرك العقل حسنها، لما فيها من نفع، وأمهات الرذائل يدرك العقل قبحها، لما فيها من ضرر، ولو لم يرد بها شرع، واستدلوا أيضًا أن الحسن والقبح لو كانا شرعيين، ولا يعرفان إلا بالشرع لكانت الصلاة والزنا مثلًا متساويين قبل بعثة الرسل، فجعل أحدهما واجبًا والآخر حرامًا ليس أولى من العكس (٣) .
- (٣)فواتح الرحموت: ١ ص ٢٩.
- ج ١ ص ٤٥٩
ولكنهم قالوا: إن هذا الحسن والقبح العقليين لا يقتضي طلب الحسن أو ترك القبيح في الدنيا، ولا يقتضي الثواب أو العقاب في الآخرة، لأن الثواب والعقاب على الأفعال من وضع الشارع، ومتوقف على الشرع والرسل (١) .
- (١)وهو رأي ابن تيمية القائل: "الحسن القبح ثابتان، الإيجاب والتحريم بالخطاب، التعذيب متوقف على الإرسال"، (انظر: شرح الكوكب المنير: ١ ص ٣٠٢).
- وينتج عن هذا المذهب ما يلي:
-
١ - إن أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة لا يطالب بفعل الحسن ولا يطالب بترك القبيح، ولا ثواب لفعل الحسن، ولا عقاب على تركه، كما لا ذم على فعل القبيح، ولا ثواب على تركه، فالثواب والعقاب لا يكون بمجرد العقل، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) } [الإسراء: ١٥] ، ولذلك اشترط الحنفية في تعلق التكليف أن تبلغ الدعوة المكلف، وأن إدراك الحسن والقبح للأفعال لا يقدر عليه كل الأفراد، ولا يعقل أن يعاقب إنسان على ترك فعل لم يدرك حسنه، ولم يرشده إليه داع موثوق (٢) .
- (٢)فواتح الرحموت: ١ ص ٢٥، تيسير التحرير: ٢ ص ١٦٢، ١٦٥، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٦٩.
-
وهذا مما يتفق فيه الماتريدية مع الأشاعرة، وأن الثواب والعقاب والمدح والذم أمور شرعية، وتتوقف على البعثة وبلوغ الدعوة.
-
واستثنى الماتريدية أمرًا واحدًا وهو وجوب الإيمان والاعتقاد بوحدانية اللَّه تعالى، وأن أهل الفترة إذا لم يعتقدوا ذلك بموجب عقولهم فإنهم يعذبون ويحاسبون على شركهم وكفرهم، لأن الإيمان حسن لنفسه حسنًا لا يقبل السقوط بحال من الأحوال، وهذا رأي أكثر الحنفية بوجوب الإيمان وتحريم الكفر على كل عاقل، سواء بلغته
ج ١ ص ٤٦٠الدعوة أم لا، لأن العقل يستقل في إدراك بعض أحكام اللَّه تعالى، وأهمها الإيمان به، وروي عن أبي حنيفة رحمه اللَّه أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، لما يرى من دلائل وحدانيته (١) .
- (١)فواتح الرحموت: ١ ص ٢٨، ٤٨، تيسير التحرير: ٢ ص ١٥١، ونقل ابن عبد الشكور قول بعض الحنفية الآخر وهو أن الكافر الذي لم تبلغه الدعوة غير مكلف بالإيمان، ولا يؤاخذ في الآخرة بخلاف المعتزلة والإمامية.
-
٢ - إن الحكم العقلي بحسن الفعل أو قبحه لا يلزم منه أن تكون أحكام اللَّه تعالى في أفعال المكلفين حسب ما تدركه العقول فيها من حسن أو قبح، لأن الفعل قد يخطئ وحكم اللَّه لا يخطئ، ولأن بعض الأفعال قد تشتبه فيها العقول، ولذا فلا تلازم بين أحكام اللَّه تعالى وما تدركه العقول، وبالتالي فلا يعرف حكم اللَّه تعالى إلا بواسطة الرسل والكتب السماوية (٢) .
- (٢)فواتح الرحموت: ١ ص ٢٥، تيسير التحرير: ١ ص ١٥٣، وقارن ما نقله الشيخ محمد أبو زهرة عن الحنفية في كتاب أصول الفقه: ص ٦٩.