شروط المحكوم فيه

٢٤ فقرة، ج ١ ص ٤٦٦

  1. يشترط علماء الأصول بالفعل المحكوم فيه لصحة التكليف به أربعة شروط، وهي:

    أولًا - أن يكون الفعل معلومًا للمكلف علمًا تامًّا حتى يتجه قصده للقيام به ويستطيع فعله، فالمكلف لا يطالب بالصلاة والزكاة والحج والجهاد والإنفاق وترك الخمر والزنا والسرقة وفحش القول إلا بعد أن يعلم حكم اللَّه فيها بالإيجاب أو التحريم، أما قبل العلم فلا يتعلق الخطاب بفعله، ولا يطالب بالفعل أو بالترك، ولا يستحق الثواب ولا العقاب (٢) .

    1. (٢)مباحث الحكم: ص ١٩٨، المستصفى: ١ ص ٨٦، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ١٤٠، أصول الفقه، خلاف: ص ١٤٧، القواعد والفوائد الأصولية: ص ٥٧ - ٥٨، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٩٠.
    ج ١ ص ٤٦٦
  2. وإنَّ علم المكلف بالفعل لا يكفي، بل لا بد أن يكون العلم تامًّا به،

    ج ١ ص ٤٦٧فيعلم أركان الفعل وشروطه وكيفية القيام به، وعلى هذا فإن النص المجمل في القرآن الكريم لا يكفي في تكليف المكلف به إلا بعد بيانه من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أمر بفعل الصلاة على المكلف، ومع ذلك لا يكلف بالصلاة، لأنه لم يعرف أركانها وشروطها وكيفية أدائها، فجاء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن كل ذلك وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ، وهكذا بقية التكاليف بالصوم والزكاة والحج والجهاد والدعوة والبيع والربا، وكل فعل تعلق به خطاب مجمل من الشارع لا يصح التكليف به إلا بعد بيانه في القرآن الكريم بنص آخر أو بالسنة المبينة، كما سبق في مبحث السنة.

  3. ثانيًا - أن يعلم المكلف مصدر التكليف بالفعل، بأنه من اللَّه تعالى، لكي يكون التنفيذ طاعة وامتثالًا لأمر اللَّه تعالى، ولكي يتجه قصد المكلف لموافقة طلب اللَّه تعالى في التزام أحكامه بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب، ولهذا السبب لا يقبل المسلم حكمًا إلا إذا عرف دليله الشرعي، فيبدأ الفقهاء في كل بحث بذكر الدليل الشرعي أو الأصل الشرعي، لإقامة الحجة على المكلفين بتنفيذ الفعل والتقيد به (١) .

    1. (١)أصول الفقه، خلاف: ص ١٤٨، الوسيط في أصول الفقه: ص ١٤٠، مباحث الحكم: ص ١٩٨، أصول الفقه، الخضري: ص ٨٢، المستصفى: ١ ص ٨٦، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٩١.
  4. والمراد بعلم المكلف بالفعل وبمصدر التكليف إمكان علمه به، بأن تتوفر فيه القدرة والعقل والتمكن من العلم إذا قصده واتجه إليه، بأن يكون بالغًا عاقلًا قادرًا على معرفة الأحكام بنفسه أو بسؤال أهل العلم عنها عند قيامه في دار الإسلام التي يتوفر فيها العلم والعلماء، وعندئذ يتحقق الشرط بالعلم بما كلف به، فيتعلق التكليف به، ويجب عليه تنفيذه والالتزام بآثاره، فإن قصر فلا يقبل منه الاعتذار بجهلها، ولهذا

    ج ١ ص ٤٦٨قال الفقهاء: "لا يقبل في دار الإسلام عذر الجهل بالحكم الشرعي" .

  5. ولا يشترط علمه بالحكم فعلًا، لأنه لو اشترط ذلك لما استقام التكليف، ولفتح باب الاعتذار بجهل الأحكام، وادعى كل شخص عدم علمه به.

  6. أما إذا لم يتوفر العقل والقدرة على العلم كالصبي والمجنون ومن أسلم حديثًا ودخل دار الإسلام، فلا يكون مأمورًا، لأنه لا يتمكن من النظر والبحث والعلم بالحكم (١) .

    1. (١)المراجع السابقة، أصول الفقه، البرديسي: ص ١١٧، وانظر شرط المحكوم عليه في المبحث الآتي.
  7. ثالثًا - أن يكون الفعل المكلف به ممكنًا، بأن يكون في قدرة المكلف أن يفعله أو أن يتركه.

  8. ويتفرع عن هذا الشرط ثلاثة أمور، وهي:
  9. ١ - أنه لا يصح شرعًا التكليف بالمستحيل، سواء كان مستحيلًا لذاته أو مستحيلًا لغيره.

  10. والمستحيل لذاته هو ما لا يتصور العقل وجوده، كالجمع بين الضدين، كأن يكون الفعل واجبًا ومحرمًا في نفس الوقت على شخص واحد، والجمع بين النقيضين كالنوم واليقظة، فلا يصح التكليف بالمستحيل لذاته عند الجمهور، لأن المستحيل لذاته لا يمكن تصوره، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، وطلب الفعل والتكليف فيه فرع عن تصور وقوعه، والمستحيل لا يمكن تصوره (٢) .

    1. (٢)تسهيل الوصول: ص ٢٤٧، مختصر ابن الحاجب: ص ٤٣، إرشاد الفحول: ص ٩، نهاية السول: ١ ص ١٨٥، حاشية البناني: ١ ص ٢٠٦، فواتح الرحموت: ١ ص ١٢٣، المستصفى: ١ ص ١٨٦، أصول الفقه، خلاف: ص ١٤٩، أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١٧٨، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٣٠٣، مباحث الحكم: = = ص ١٩٠، الوسيط في أصول الفقه: ص ١٤١، أصول الفقه، الخضري: ص ٨٣، الموافقات: ٢ ص ٧٦، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٨٤، ٤٨٥، شرح تنقيح الفصول: ص ١٤٣.
  11. أما المستحيل لغيره، وهو ما يتصور العقل وجوده، ولكن لم تجر العادة بوقوعه، كالمشي من المريض المقعد، والطيران من الإنسان بدون أداة، والمشي على الماء، وهكذا، فلا يصح التكليف بالمستحيل لغيره عند الجمهور أيضًا، وهو قول الماتريدية ومعهم أبو حامد الإسفراييني والغزالي وابن دقيق العيد من الشافعية.

    ج ١ ص ٤٦٩
  12. والدليل على عدم صحة التكليف بالمستحيل قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦] ، وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا} [الطلاق: ٧] ، ولأن التكليف بالمستحيل الذي لا سبيل إلى فعله عبث، والمشرع الحكيم منزه عن العبث (١) .

    1. (١)المراجع السابقة.
  13. وذهب جمهور الأشاعرة إلى جواز التكليف بالمستحيل لذاته والمستحيل لغيره (٢) ، لوقوعه في الشرع في تكليف العاصي بالإيمان مع استحالة إيمانه لعلم اللَّه تعالى بعدم إيمانه، وتكليف أبي جهل بالإيمان وتصديق الرسول، ومن جملة ما جاء به الرسول أن أبا جهل لا يُصدِّقه، واحتجوا بسؤال رفع التكليف في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: ٢٨٦] ، على جواز التكليف بالمستحيل لغيره، لأن سؤال رفعه يدل على جواز وقوعه، ولأن التكليف بالمستحيل يفيد في اختبار المكلفين بالأخذ في الأسباب والمقدمات التي كلفوا بها لاكتساب الأجر والثواب، وإن لم يترتب عليها حكم ولا ثمرة (٣) .

    1. (٢)انظر الإرشاد للجويني ص: ٢٢٦.
    2. (٣)المراجع السابقة، حاشية العطار: ١ ص ٢٦٩، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢٤، منهاج الوصول: ص ١٥، وانظر صفحة ٢٣٢ هامش ٤ من هذا الكتاب، شرح = = الكوكب المنير: ١ ص ٤٨٥ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول: ص ١٤٣.
  14. وهذا الاختلاف نظري في الجواز وعدمه، لا يترتب عليه أثر عملي، لاتفاق العلماء على عدم وقوعه في الأحكام التشريعية، وأن الواقع العملي أن الشارع لم يكلف المكلف إلا بما هو في مقدوره أن يفعله، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} ، قال الشوكاني: على أن الخلاف في مجرد الجواز لا يترتب عليه فائدة أصلًا (١) .

    1. (١)إرشاد الفحول: ص ٩، وانظر الموافقات: ٢ ص ٧٦، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٨٩.
    ج ١ ص ٤٧٠
  15. ٢ - لا يصح شرعًا تكليف المكلف بأن يفعل غيره فعلًا أو يكف غيره عن فعل، لأن هذا التكليف ليس ممكنًا، ولا يدخل في مقدوره (٢) ، فلا يكلف شخص بأن يجاهد أخوه، أو أن يصلي أبوه، أو أن يكف صديقه عن الفواحش، ولذا فلا يسأل الإنسان عن فعل غيره، ولا يعاقب مكانه، لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) } [المدثر: ٣٨] ، وقوله تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] ، فالإنسان مسؤول عن نفسه فقط، ولا يكون مسؤولًا عن غيره نهائيًّا إلا بما أنيط به بنفسه من رعاية وتربية ونصح ووعظ وإرشاد للزوجة والأولاد والطلاب والناس من حوله.

    1. (٢)الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢٤، المستصفى: ١ ص ٨٦.
  16. وكل ما يكلف به الإنسان تجاه غيره هو أن يقدم له النصيحة، وأن يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، وهذا في مقدوره، وكل مسلم مسؤول عنه، لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: ١١٠] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (٣) .

    1. (٣)رواه مسلم وأصحاب السنن وأحمد.
  17. ويتفرع عن هذا الموضوع النيابة عن الغير، فيجوز النيابة عن الغير في المعاملات باتفاق، ولا تقبل النيابة في الإيمان وأصول العقيدة باتفاق، أما في التكاليف البدنية ففيه تفصيل، فالصلاة لا تصح فيها النيابة باتفاق، لأنها وجبت ابتلاء وامتحانًا من اللَّه تعالى لاستسلام النفس إلى خالقها، وكسر النفس الأمارة بالسوء، وأما الصوم فقال بعض الشافعية وأحمد بجواز النيابة فيه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (١) ، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي بعدم جواز النيابة في الصوم لقول ابن عباس: "لا يصلِّ أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد" ، وبما قالته السيدة عائشة: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم" ، أما الحج فقال الجمهور بجواز النيابة عنه، وقال الإمام مالك بعدم جوازه (٢) .

    1. (١)رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد، صحيح البخاري: ٢/ ٦٩٠، صحيح مسلم ٨/ ٢٣.
    2. (٢)انظر الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٣٧، مباحث الحكم: ص ١٩٣، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٣١٠. ورجح النووي قول أحمد لصحة الحديث فيه (مسند أحمد ٥/ ٣٤٩، المجموع: ٦/ ٤٢٥، ٤٢٨).
    ج ١ ص ٤٧١
  18. ٣ - لا يصح شرعًا التكليف بالأمور الفطرية التي لا كسب للإنسان فيها ولا اختيار، وهي أمور وجدانية وجبلية تستولي على النفس من حيث لا تشعر، ولا قدرة للإنسان على جلبها ولا على دفعها، كالانفعال عند الغضب، والحمرة عند الخجل، والخوف عند الظلام، والحزن والفزع والطول والقصر والسواد والبياض، والشهية عند رؤية الطعام والشراب، والحب والكره، وغير ذلك من الغرائز التي خلقها اللَّه تعالى في الإنسان، ولا تخضع لإرادة المكلف، وبالتالي فهي خارجة عن قدرته وإمكانيته، فلا يكلف بها، لأنها تكليف بما لا يطاق (٣) .

    1. (٣)الموافقات: ٢ ص ٧٩، ٨١، أصول الفقه، خلاف: ص ١٥٠، الوسيط في الفقه: = = ص ١٤٦.
  19. وكل نص يدل ظاهره على التكليف بأحد هذه الأمور فلا يقصد منه ظاهره، ويكون التكليف فيه واردًا على سببه أو نتيجته وثمرته (١) ، مثل قوله تعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) } [آل عمران: ١٠٢] ، فالظاهر أن الآية تنهى الإنسان عن الموت إلا وهو مسلم، والموت ليس بيد الإنسان، فتصرف الآية عن ظاهرها، ويكون التكليف في الآية حقيقة هو الأمر بالدخول في الإسلام، واتخاذ الأسباب والطرق التي تُثبت الإيمان، وتقوي العقيدة، ليبقى الإنسان مسلمًا حتى الموت.

    1. (١)يقول الشاطبي: "إذا ظهر من الشارع في بادئ الرأي القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة المكلف فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه". (الموافقات: ٢ ص ٧٦).
    ج ١ ص ٤٧٢
  20. ومثل قوله تعالى {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: ٢٣] ، فالآية تنهى عن الحزن عند المصيبة، وتنهى عن الفرح للرزق، والحزن والفرح أمران نفسيان جبليان ذاتيان لا يقدر عليهما المكلف، فيكون التكليف بالتخفيف من شدة الحزن، وعدم البطر والزهو بالرزق والنعمة، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تغضب" (٢) ، فالظاهر التكليف بالكف عن الغضب، وهو أمر طبيعي عند وجود سببه، والحقيقة أن التكليف بالامتناع عن الدخول في أسباب الغضب، وعما يعقب الغضب من الانتقام والخروج عن الحالة الطبيعية للإنسان العادي (٣) ، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (٤) ، وهو ميل القلب والمحبة لبعض نسائه أكثر

    ج ١ ص ٤٧٣من بعض، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم - عندما مات ابنه إبراهيم وذرفت دموعه - صلى الله عليه وسلم -، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتبكي يا رسول اللَّه، وقد نَهَيْتَ عن البكاء؟ فقال: "إنما نهيتُ عن النياحة، وأن يندب الميت بما ليس فيه، وإنما هذه رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحم، ثم قال: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنَّا عليك يا إبراهيم لمحزونون (١) " ، والمطلوب شرعًا أن يخفف الإنسان من هذه الأمور الفطرية، وأن يهذبها وأن يوجهها نحو الفضيلة والخير، مثل حب المال، وحب البقاء، والطمع ... وغير ذلك من الغرائز والعواطف والميول التي تنزع بالإنسان نحو الشر والرذيلة وما يسيء إليه.

    1. (٢)رواه البخاري والترمذي وأحمد والحاكم عن أبي هريرة.
    2. (٣)انظر تفصيل ذلك في الموافقات: ٢ ص ٧٩، ٩٤، ٩٦، أصول الفقه، شعبان: ص ٢٦٣، أصول الفقه، خلاف: ص ١٥٠، الوسيط في أصول الفقه: ص ١٤٦.
    3. (٤)رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.
    4. (١)رواه ابن سعد.
  21. رابعًا -حصول الشرط الشرعي، وهو الذي لا يصح عمل المكلف إلا به، كالطهارة بالنسبة للصلاة، والإيمان بالنسبة للعبادات.

  22. واختلف العلماء في صحة تكليف الإنسان بفعل قبل حصول الشرط، ويتجلى هذا الشرط في مسألة أصولية مشهورة، وهي تكليف الكفار بفروع الشريعة بعد الاتفاق على تكليفهم بالإيمان وأصول الدين، وإنَّ تركهم له يوجب تخليدهم في النار، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) } [البينة: ٦] ، وفيما وراء ذلك قال الجمهور بعدم اشتراط الشرط الشرعي للتكليف، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأن آيات التكليف عامة تخاطب الناس جميعًا، فيدخل فيها المؤمن والكافر، وأن الآيات التي تتحدث عن عقاب الآخرة تصرح بمسؤولية الكافر وعقوبته على ترك الصلاة والزكاة مثلًا، وأن العقل لا يمنع ذلك.

    وقال أكثر الحنفية: يشترط حصول الشرط الشرعي أولًا لصحة

    ج ١ ص ٤٧٤التكليف، فإن فقد الشرط فلا يكلف العبد بها، وإن الكفار غير مكلفين بفروع الشريعة (١) .

    1. (١)وهناك قول ثالث يفصل في الموضوع، فيقول: الكفار مخاطبون ومكلفون بالنواهي دون الأوامر، وسبق بيان ذلك في مطلب الشرط.
  23. والأدلة من النصوص وغيرها ترجح قول الجمهور، ولذا قال الشوكاني: والحق ما ذهب إليه الجمهور (٢) .

    1. (٢)إرشاد الفحول: ص ١٠، ويترتب على قول الجمهور أحكام كثيرة في الحياة الدنيا مثل تنفيذ طلاق الكافر وظهاره وإلزامه بالكفارات وتطبيق الأحكام المترتبة عليه حال ردته، (انظر الوسيط في أصول الفقه: ص ١٥٨، التمهيد للإسنوي: ص ٢٨) وقارن أصول الفقه، الخضري: ص ٩٤.
  24. وقد سبق بيان ذلك في مطلب الشرط، فلا حاجة لتكراره، ومن أراد التفصيل في الأدلة والمزيد في البيان فليرجع إلى كتب الأصول المعتمدة (٣) .

    1. (٣)مختصر ابن الحاجب: ص ٤٥، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٥٨، منهاج الوصول: ص ١٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٣٣، أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١٨٤، المستصفى: ١ ص ٩١، فواتح الرحموت: ١ ص ١٢٨، حاشية العطار على جمع الجوامع: ١ ص ٢٧٤، وحاشية البناني: ١ ص ٢١١، نهاية السول: ١ ص ١٩٤، تيسير التحرير: ٢ ص ١٤٨، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٣٠٩، وانظر: مطلب الشرط من هذا الكتاب، وانظر: إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، الونشريسي ص ٢٨٣.