أولا: أن يكون قادرا على فهم دليل التكليف
١٨ فقرة، ج ١ ص ٤٨٦
- ج ١ ص ٤٨٦
أولًا: أن يكون قادرًا على فهم دليل التكليف (١) : بأن يفهم بنفسه خطاب الشارع في القرآن والسنة، أو بواسطة غيره بالسؤال والتعلم، لأن طاعة اللَّه تعالى وامتثال أوامره، والابتعاد عن نواهيه، يتوقف على فهم الخطاب، أما العاجز الذي لا يملك قدرة لتفهم الخطاب فلا يمكنه أن ينفذ ما كُلِّفَ به، وأن يمتثل الأحكام وأن يتجه قصده إليها، فلا يقال لمن لا يفهم: افهم، ولا يقال لمن لا يسمع: اسمع، ولا لمن لا يبصر: أبصر (٢) .
- (١)مختصر ابن الحاجب: ص ٤٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٣٨، إرشاد الفحول: ص ١١، فواتح الرحموت: ١ ص ١٤٣، أصول السرخسي: ٢ ص ٣٤٠، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٤٣، أصول الفقه، الخضري: ص ٩٦، وانظر المراجع السابقة، وقال ابن اللحام: "قاعدة: شرط التكليف العقل وفهم الخطاب"، (القواعد والفوائد الأصولية: ص ١٥)، وانظر: شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٩٨.
- (٢)شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٩٩، العقيدة النظامية، للجويني: ص ٤٢.
-
والقدرة على فهم الخطاب تتحقق بوجود العقل من جهة، وبكون النصوص التي يكلف بها العاقل في متناول عقله لفهمها من جهة أخرى، لأن العقل أداة فهم النصوص وإدراكها، قال الآمدي: اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلًا، فاهمًا، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال (٣) .
- (٣)الإحكام، له: ١ ص ١٣٨.
-
وبما أن العقل خفي لا يدرك بالحس، وأنه يتفاوت من شخص إلى آخر، وأنه يتطور وينمو ويتدرج من العدم إلى الكمال في الشخص الواحد، لذا ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس،
ج ١ ص ٤٨٧ويدل على تحقق المستوى العقلي المطلوب للقدرة على فهم الخطاب، وهو البلوغ، إقامةً للسبب الظاهر مقام حكمه (١) .
قال ابن عبد الشكور: العقل شرط التكليف، وذلك متفاوت في الشدة والضعف، ولا يناط التكليف بكل قدر من العقول، بل رحمة اللَّه اقتضت أن يناط بقدر مُعْتَدٍّ به فأنيط بالبلوغ عاقلًا، لأنه مظنة كمال العقل، فالتكليف دائر عليه وجودًا وعدمًا، لا على كمال العقل ونقصانه، كالسفر أنيط به الحكم لكونه مظنة المشقة، والمشقة أمر غير مضبوط، فالحكم دائر عليه وجودًا وعدمًا، وجدت المشقة أم لا (٢) .
- (١)الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٣٩، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٤٨، تسهيل الوصول: ص ٢٩٧، فواتح الرحموت: ١ ص ١٥٤، التوضيح على التنقيح: ٣ ص ١٥٠، أصول الفقه، خلاف: ص ١٥٤، مباحث الحكم: ص ٢٢٧.
- (٢)فواتح الرحموت: ١ ص ١٥٤.
-
والبلوغ يكون بتحقق العلامات الطبيعية على جسم الشاب والفتاة، كالاحتلام والحيض، لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: ٥٩] ، ولقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} [النور: ٥٨] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (٣) ، فقد علقت الآيتان والحديث الأحكام على بلوغ الحلم والاحتلام، مما يدل على أن التكليف يرتبط بالاحتلام، وهذا عند الشاب، ويقابله الحيض
ج ١ ص ٤٨٨عند الفتاة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار" (١) ، أي لا تقبل صلاة المرأة البالغة التي وصلت إلى سن الحيض إلا بستر الشعر، فعلق الحكم على بلوغها سن المحيض.
- (٣)رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، قال الشوكاني: في طرقه مقال، لكنه باعتبار كثرة طرقه من قسم الحسن، وباعتبار تلقي الأمة له بالفعل لكونهم بين عامل به ومؤول له صار دليلًا قطعيًّا، ويؤيده حديث: "من اخضر مئزره فاقتلوه" وأحاديث النهي عن قتل الصبيان حتى يبلغوا، إرشاد الفحول: ص ١١، سنن أبي داود: ٢ ص ٢٢٨، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي: ٤ ص ٦٨٥، سنن ابن ماجه: ١ ص ٦٥٨، المستدرك: ٤ ص ٣٨٩.
- (١)رواه أبو داود والحاكم عن عائشة.
-
فإن لم تظهر علامات البلوغ الطبيعية بالاحتلام أو الحيض فيقدر البلوغ بالسن، والتقدير بالسن مختلف فيه، فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، والصاحبان من الحنفية، والمتأخرون في المذهب، إلى أن سن البلوغ خمس عشرة سنة للصبي والفتاة، بينما قدره الإمام أبو حنيفة بسبع عشرة سنة للأنثى وثماني عشرة سنة للصبي (٢) .
- (٢)انظر مباحث الحكم: ص ٢٦٢ والمراجع التي أشار إليها في الهامش.
-
فمتى بلغ الإنسان الحلم فقد تحقق شرط التكليف، وتمكن العبد من معرفة خطاب الشارع، وإدراك معناه، وتوجيه القدرة والإرادة إلى تنفيذه والالتزام به.
-
أما إذا بلغ الإنسان الحلم مجنونًا، فيكون الجنون مؤشرًا حقيقيًّا لفقدان العقل الذي يتعلق به التكليف، وبالتالي فلا يكلف المجنون.
-
وكذلك الصبي قبل البلوغ لا يكلف بالخطاب، وإن توفر فيه العقل بعد التمييز، ولكنه دون المستوى المطلوب لإدراك الخطاب (٣) .
- (٣)وروي عن الإمام أحمد روايات أخرى، منها أن المراهق مكلف بالصلاة، ومنها أن ابن عشر مكلف بها، ومنها أن المميز مكلف بالصوم. (انظر: شرح الكوكب المنير: ١ ص ٥٠٠، القواعد والفوائد الأصولية: ص ١٦، ١٧).
-
وكذا الغافل والنائم والسكران لا يكلفون في حالة الغفلة والنوم والسكر، لأنه ليس في استطاعتهم الفهم والإدراك (٤) ، والدليل على
ج ١ ص ٤٨٩ذلك الحديث السابق "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (١) .
- (٤)يبحث علماء الأصول هنا في مسألة كلامية هي تكليف المعدوم، ثم يفرعون عليها = = مسألة تكليف الغافل والسكران والنائم وغير ذلك، وقد عزفنا عن ذكرها لضعف صلتها بعلم الأصول، ولعدم ترتب الآثار عليها، وقلة فائدتها، انظر: فواتح الرحموت: ١ ص ١٥٥، المستصفى: ١ ص ٨٣، حاشية البناني على جمع الجوامع: ١ ص ٦٨، منهاج الأصول: ص ١٤، إرشاد الفحول: ص ١١، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٣٩، نهاية السول: ١ ص ١٧٠، أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ١٦٦، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ١٦١، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٥١٣.
- (١)رواه أصحاب السنن والحاكم وأحمد عن أبي سعيد بلفظ "من نام عن وتره".
- ويتفرع عن هذا الشرط ثلاثة أمور:
-
١ - إن المراد من فهم الخطاب التصور وإمكان الفهم، وليس التصديق بالخطاب والاقتناع به، فمن أمكنه فهم الخطاب، وتصور الدليل، فهو مكلف من اللَّه تعالى، سواء كان مصدقًا ومعتقدًا به أم لا، وبالتالي فإن الكفار مخاطبون بالأحكام الشرعية كلها على الرغم من عدم تصديقهم لها، لتوفر إمكان الفهم والتصور للخطاب، وهذا يتفق مع مذهب الجمهور الذي قدمناه عن تكليف الكفار بفروع الشريعة (٢) .
- (٢)تيسير التحرير: ٢ ص ٢٤٣، إرشاد الفحول: ص ١١، تسهيل الوصول: ص ٢٩٧، أصول الفقه، الخضري: ص ٩٦، أصول الفقه، البرديسي: ص ١٢٨، القواعد والفوائد الأصولية: ص ٥٧ - ٥٨، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٥٠٠.
-
٢ - إن الصبي والمجنون والسكران غير مكلفين -كما سبق- فكيف تجب عليهم الزكاة والنفقة والضمان؟ وكيف يوجه الخطاب إلى السكران في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: ٤٣] .
-
والجواب أن الزكاة والنفقة والضمان على الصبي والمجنون ليس
ج ١ ص ٤٩٠تكليفًا لهما، وإنما هو تكليف على الولي بأداء حق الفقراء والمساكين، الذي تعلق بالمال بسبب النصاب، وكذلك دفع النفقة المستحقة للأقارب في ماله، وإعطاء الضمان المتعلق بسبب إتلافه، فالخطاب ليس متعلق بفعل الصبي والمجنون بل بمالهما وذمتهما، وهذا الخطاب ليس حكمًا تكليفيًّا، وإنما هو حكم وضعي، فالأحكام ترتبت على أسبابها (١) .
- (١)وكذا لا تكليف على الناسي حال نسيانه، (انظر: المستصفى: ١ ص ٨٤، فواتح الرحموت: ١ ص ١٤٣، تسهيل الوصول: ص ٢٩٨، التوضيح: ٣ ص ١٥٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٥٨، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٣٩، إرشاد الفحول: ص ١١، أصول الفقه، خلاف: ص ١٥٥، مباحث الحكم: ص ٢٢٤، أصول الفقه، أبر زهرة: ص ٣١٦، القواعد والفوائد الأصولية: ص ٣٠).
-
وأن أمر الصبي بالصلاة وهو ابن سبع سنين، هو خطاب لوليه إرشادًا له في التربية والتوجيه.
-
وأن خطاب السكران ليس خطابًا له حال سكره بأن لا يقرب الصلاة، وإنما هو خطاب للمسلم حال الصحو أن لا يشرب الخمر إذا اقترب وقت الصلاة، حتى لا يقرب الصلاة وهو سكران، وقدره المفسرون بقولهم: "إذا أردتم الصلاة فلا تسكروا" (٢) ، وكان هذا الحكم قبل التحريم النهائي لشرب الخمر.
- (٢)مختصر ابن الحاجب: ص ٤٧، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٤٠، إرشاد الفحول: ص ١١، المستصفى: ١ ص ٨٤، فواتح الرحموت: ١ ص ١٤٤، تسهيل الوصول: ص ٢٩٨.
-
ونخلص من هذا أن الغافل والسكران والنائم وغيرهم لا يتعلق بفعلهم الحكم التكليفي، وهو ما فيه طلب أو تخيير، وأن الحكم الوضعي لا يشترط فيه العلم والخطاب، ولا يشترط فيه البلوغ والعقل.
-
٣ - إن خطاب اللَّه تعالى نزل باللغة العربية، فخاطب البشر جميعًا مع
ج ١ ص ٤٩١اختلاف الأجناس والأقوام واللغات، وأكثر الناس في أفريقيا وأمريكا وأوربا وأهل الهند والباكستان والصين وأندونيسيا وإيران وتركيا ... لا يعرفون اللغة ولا يفهمون أدلة التكليف الشرعية، فكيف نعتبرهم مخاطبين بالتكاليف؟
-
إن غير العرب لا يصح تكليفهم شرعًا إلا بعد تعلمهم اللغة العربية، أو بعد ترجمة أدلة التكليف إلى لغاتهم (١) ، أو بعد قيام طائفة من العرب المسلمين بتعلم اللغات الأخرى، ونشر أحكام الشريعة وأدلتها بين أصحاب اللغات، أو أن يرسل كل قوم طائفة منهم يتعلمون أحكام الشريعة وينذرون قومهم بها، وقد تمت هذه الوسائل كلها في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فطلب من زيد بن ثابت أن يتعلم اللغة العبرية، وأرسل الرسل إلى الحكام والملوك في دولة الروم والفرس والحبشة، وأعلن أن يبلغ الشاهد الغائب (٢) ، وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: ١٠٤] ، وقال تعالى {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) } [التوبة: ١٢٢] .
- (١)اتفق جمهور العلماء قديمًا وحديثًا على استحالة ترجمة القرآن الكريم المنزل من اللَّه تعالى، المعجز بلفظه ومعناه، وذهبوا إلى إمكان وجواز ترجمة معاني القرآن الكريم وتفسيره، وحصل جدل وخلاف في هذا الموضوع قديمًا، ثم عاد أدراجه في مطلع القرن العشرين لاتصال الغرب بالمسلمين، وانظر: تفسير القرطبي: ١٦/ ٩٣.
- (٢)أصول الفقه، خلاف: ص ١٥٥، مباحث الحكم: ص ٢٢٥، أصول الفقه، الخضري: ص ٩٨، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ١٦٩ وما بعدها، الموافقات: ٢ ص ٤٥، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر: ٢ ص ٥٣٨.