الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد

فقرتان، ج ٢ ص ١٦

  1. اختلف علماء الأصول في جواز إطلاق اللفظ الواحد على مدلوله الحقيقي ومدلوله المجازي في وقت واحد، واعتبار كل معنى منهما مُتَعَلَّقًا للحكم.

    ج ٢ ص ١٦
  2. فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك بشرط أن لا يكون المعنيان متضادين، ويكون إطلاقه عليهما معًا مجازًا، بدليل أن المتكلم قد يقصد الأمرين معًا، مثل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: ١١] ، فإنه حقيقة في ولد الصلب، ومجاز في ولد الابن، والآية تشمل الأمرين، ومثل قوله تعالى في أسباب الوضوء: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: ٤٣] ، فيراد منه اللمس باليد، واللمس بالجماع، فيحمل عليهما، ويجب الوضوء منهما، لأن اللمس حقيقة في لمس اليد، ومجاز في

    ج ٢ ص ١٧الجماع، ومثل لفظ "نكح" في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: ٢٢] ، يصح أن يراد منه العقد، والجماع؛ لأنه لا تدافع بينهما، باعتبار أن النكاح حقيقة في الأول، مجاز في الآخر عند الشافعية، وعكسه عند الحنفية، ومثله قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) } [الحج: ٧٧] ، فإنه حقيقة في الوجوب، ومجاز في الندب، والآية تشمل الأمرين، ومنه قولهم: "القلم أحد اللسانين" ويراد من اللسان الجارحة المخصوصة، وهو حقيقة، والآلة التي يكتب بها، وهو مجاز، واستعمل اللفظ الواحد في الأمرين (١) .

    وقال الحنفية وبعض العلماء كالباقلاني: يمنع إطلاق اللفظ على المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في وقت واحد، بحيث يعتبر كل منهما مقصودًا في الحكم، للتعارض بين الأمرين، فهما متناقضان، لأن الحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وضع له بمجرد إطلاقه، والمجاز استعمال اللفظ فيما لم يوضع له، ويحتاج إلى قرينة تدل عليه، فلا يكون مطلقًا ومقيدًا ودالًّا على الأمرين في حالة واحدة، ولذلك قال الحنفية: إذا أوصى لأولاده، وله أولاد، فيشمل الأولاد من الصلب حصرًا؛ لأنه الحقيقة، ولا يشمل أولاد الأولاد؛ لأنه مجاز إلا إذا لم يكن له أولاد، فتصرف الوصية لأولاد الأولاد حملًا للفظ على الاستعمال حتى لا يهمل (٢) .

    1. (١)فواتح الرحموت (١/ ٢١٦)، الفصول (١/ ٤٦، ٤٧، ٤٨)، جمع الجوامع مع البناني (١/ ٢٩٨)، العضد على ابن الحاجب (٢/ ١١٣)، المسودة ص ١٦٦، العدة (٢/ ٧٠٢)، شرح الكوكب المنير (٣/ ١٩٥) وما بعدها، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٠٥)، أصول الأحكام ص ٣٠٤.
    2. (٢)كشف الأسرار (٢/ ٤٥)، فواتح الرحموت (١/ ٢١٦)، شرح الكوكب المنير (٣/ ١٩٥) أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٠٥)، أصول الأحكام ص ٣٠٥.