ثانيا: المخصصات غير المستقلة عند الجمهور
٢٠ فقرة، ج ٢ ص ٦٨
- ج ٢ ص ٦٩
المخصص غير المستقل هو ما لا يستقل بنفسه، بل يكون جزءًا من النص المشتمل على العام،، يسمى مخصصًا متصلًا، وهو خمسة أنواع، وهي:
[١ - الاستثناء المتصل]
-
الاستثناء هو إخراج شيء من الكلام، ولولا الاستثناء لدخل ذلك الشيء فيه لغة، ويكون بإلا وهي الغالب، أو بإحدى أخواتها، وهي: غير، وسوى، وحاشا، وعدا، ولا يكون، ولا سيما، وغيرها.
-
ويشترط في الاستثناء أن يكون متصلًا حسب العادة، وأن يصدر الاستثناء والمستثنى منه من تكلم واحد، وألا يستغرق الاستثناء المستثنى منه، والاستثناء كثير في النصوص، ويقع به التخصيص عند الجمهور.
-
مثاله: قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: ١٥٦] ، فلفظ {مَنْ كَفَرَ} يشمل الكفر الخفي في القلب، والكفر الظاهر الذي يصدر من اللسان، فجاء الاستثناء مخصصًا العام، وقصد الكفر الحرام بأنه الصادر عن رضا واختيار من القلب، وأخرج ما يقع باللسان نتيجة الإكراه.
-
ومثاله من السنة: قوله - صلى الله عليه وسلم - عن حرم مكة المكرمة: "إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة ... ولا يقطع شجره إلا الإذخر" (١) ، فيحرم قطع شجر الحرم، ثم خصص بما عدا الإذخر، فيجوز قطعه.
- (١)هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
-
[٢ - الشرط]
-
سبق تعريف الشرط، وأنه: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وسبق بيان أنواع الشرط: الشرعي، والعقلي، والعادي، واللغوي، والمقصود في التخصيص الشرط اللغوي فقط، فإن جاء
ج ٢ ص ٧٠بعد العام خصصه في حالة توفر الشرط دون سواه، وهو كثير في النصوص، ويقع به التخصيص.
-
مثاله: قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: ١٢] ، فإن استحقاق الزوج نصف تركة الزوجة مخصص بعدم وجود الولد للزوجة بالشرط، ولولا الشرط لاستحق الزوج النصف في جميع الأحوال.
-
[٣ - الصفة]
-
والمراد منها الصفة المعنوية عامة، فتشمل النعت النحوي، والمضاف، وكل تعليق بلفظ آخر ليس شرطًا ولا عددًا ولا غاية، ويشمل الظرف، والجار والمجرور، إلا إذا خرج الوصف مخرج الغالب فيطرح مفهومه، وكذا إذا جاء الوصف لمدح أو ذم أو ترحم، أو توكيد، أو تفصيل، فلا يعتبر مخصصًا، والصفة المعنوية كثيرة جدًّا في النصوص، ويقع التخصيص بها، فتقصر اللفظ العام على بعض أفراده، وهو الذي تتحقق فيه الصفة، ويخرج من العام ما لم يتصف بالصفة.
-
مثاله: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: ٢٥] ، فالنص أباح الزواج من الإماء المؤمنات في حال العجز عن مهر الحرائر، ولا يصح الزواج بالإماء غير المؤمنات.
-
ومثاله من السنة: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "في الغنم السائمة زكاة" أو قوله: "في سائمة الغنم زكاة" (١) ، فالصفة خصصت العام "الغنم" وأوجبت الزكاة في السائمة دون غيرها.
- (١)هذا الحديث سبق بيانه ص ٤٤ هامش.
-
[٤ - الغاية]
-
وهي أن يأتي بعد اللفظ العام حرف من أحرف الغاية، كاللام، وإلى، وحتى، فتفيد تخصيص الحكم بما قبلها فقط؛ لأنها غاية للحكم ونهاية له، ولا يشمل الحكم ما بعدها؛ لأنه يناقض المعنى، وهي كثيرة في النصوص،
ج ٢ ص ٧١ويقع بها التخصيص.
-
مثالها: قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: ٢٩] ، فالغاية قصرت وجوب القتال على حالة عدم إعطاء الجزية، وأخرجت من أعطى الجزية عن وجوب قتاله.
-
ومثالها: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: ٦] ، فالغاية {إِلَى الْمَرَافِقِ} قصرت وجوب الغسل في الوضوء إلى المرفق فقط.
-
[٥ - بدل البعض]
-
وهو ما يأتي بعد الكلام فيخصص العام ويقصره على بعض أفراده الذين يشملهم البدل، ويخرج ما عداهم.
-
مثاله: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] ، فالبدل {مَنِ اسْتَطَاعَ} قصر العام {النَّاسِ} على المستطيع، وخرج العاجز عن حكم العام، فلا يجب عليه الحج.
-
وكقول القائل: أكرم العرب قريشٌ، فمن كان من غير قريش فلا يدخل في الحكم (١) .
- (١)المستصفى (٢/ ١٦٣)، نهاية السول (٢/ ١١٣)، الإحكام للآمدي (٢/ ٢٨٨)، تيسير التحرير (١/ ٢٨٣)، كشف الأسرار (١/ ١٢١)، المحصول (٣/ ٣٨)، العضد على ابن الحاجب (٢/ ١٣٢)، شرح تنقيح الفصول ص ٢٣٧، ٢٥٦، التلويح على التوضيح (٢/ ٢٨٤)، المعتمد (١/ ٢٦٠)، العدة (٢/ ٦٥٩، ٦٧٣)، الروضة (٢/ ٢٥٢)، مختصر البعلي ص ١١٧، إرشاد الفحول ص ١٥٣، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٢٦٢)، أصول الأحكام ص ٢٨٢، فواتح الرحموت (١/ ٣١٦) وما بعدها، (٣٤٤).