٤ - المحكم

٢٣ فقرة، ج ٢ ص ٩٢

  1. المحْكم في اللغة مأخوذ من أحكم بمعنى أتقن، يقال: بناء محكم: أي: مأمون الانقضاض.

    ج ٢ ص ٩٢
  2. والمحْكم في اصطلاح أصوليي الحنفية: هو اللفظ الذي دلّ بصيغته على معناه دلالة واضحة قطعية، فهو مقصود أصالة، وسيق الكلام لأجله، ولا يحتمل تأويلًا إن كان خاصًّا، ولا يحتمل تخصيصًا إن كان عامًّا، ولا يحتمل نسخًا، فهو في غاية الوضوح في إفادة المعنى (١) .

    1. (١)أصول السرخسي (١/ ١٦٥)، كشف الأسرار (١/ ٥١)، علم أصول الفقه ص ١٦٨، تفسير النصوص (١/ ١٧١)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٣)، أصول الأحكام ص ٢٤٠، ويرى بعض العلماء أن المحْكم يقابل المتشابه، وفيه ثمانية آراء في تفسيره وتعريفه، انظر: الحاوي للماوردي (٢٠/ ١٢٥).
  3. أمثلة: المحكم واقع في النصوص الشرعية التي تتضمن الأحكام الأساسية في الدِّين، مثل أصول الإيمان، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت: ٦٢] ، ومثل أمهات الفضائل وقواعد الأخلاق التي يقرها العقل السليم، ولا تختلف باختلاف الأحوال كالعدل والصدق والوفاء بالعهد وبر الوالدين، وصلة الرحم، ويكون ضدّهما من الرذائل كالظلم والكذب ونقض العهد وعقوق الوالدين، وقطع الرحم.

  4. كما يشمل المحْكم الأحكام الجزئية التي وقع التصريح بتأييدها ودوامها، كقوله تعالى في تحريم نكاح زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعده: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: ٥٣] ، وقوله تعالى في القاذف: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: ٤] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في تحريم نكاح المتعة: "إنِّي كنْتُ أذِنْتُ لكم في الاستمتاعِ من النساء، وإن اللَّه حرَّم ذلك إلى يوم القيامة، فمنْ كان عنده منهن شيء فليخلِ سبيلَه، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (٢) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد: "الجهادُ ماضٍ منذُ بعثَني اللَّه

    ج ٢ ص ٩٣إلى أن يقاتلَ آخرُ أمتى الدَّجَّال، لا يبطلُه جَوْرُ جائر، ولا عَدْل عادل، والإيمان بالأقدار" (١) .

    1. (٢)هذا الحديث أخرجه مسلم وأحمد عن سبرة الجهي مرفوعًا.
    2. (١)هذا الحديث أخرجه أبو داود عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه مرفوعًا.
  5. أنواع المحكم: ويكون المحكم في القوانين في الألفاظ التي تتضمن المعاني والأحكام الواضحة في العدالة، وجلية التطابق مع قواعد القانون وأصوله، ولا تختلف باختلاف الأحوال (٢) .

    1. (٢)أصول الأحكام ص ٢٤١.
  6. [أنواع المحكم]

  7. المحكم نوعان:
  8. ١ - المحكم لذاته: وهو ما كان إحكامه من ذات النص، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت: ٦٢] ، والأمثلة السابقة، فقد جاء الإحكام من ذات النص.

  9. ٢ - المحكم لغيره: وهو ما صار محكمًا بسبب من خارج النص، وهو كل النصوص التي انقطع احتمال نسخها بسبب انقطاع الوحي بوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذه الحالة فإن الإحكام يشمل أنواع الواضح الأربعة: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحْكم (٣) .

    1. (٣)كشف الأسرار (١/ ٥١)، تفسير النصوص (١/ ١٧٤)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٣).
  10. [حكم المحكم]

  11. إن حكم المحكم هو وجوب العمل به قطعًا دون تردد؛ لأنه لا يحتمل غير معناه، ولا يشمل النسخ والإبطال مطلقًا، ولذلك كانت دلالته على الحكم أقوى أنواع الواضح: الظاهر والنَّص والمفَسَّر (٤) .

    1. (٤)علم أصول الفقه ص ١٦٨، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٤)، أصول الأحكام ص ٢٤٠.
  12. [التعارض والترجيح بين أنواع الواضح]

    ج ٢ ص ٩٤
  13. سبق أن قلنا: إن الواضح على مراتب ودرجات، ويظهر أثر ذلك عند التعارض وتقديم الأكثر وضوحًا؛ لأنه الأقوى، فيقدم المُحْكم، ثم المفسَّر، ثم النص، ثم الظاهر، وهذه أمثلة لذلك.

  14. [١ - تعارض الظاهر والنص]

  15. بيَّن اللَّه تعالى المُحَرَّمات من النساء، ثم قال بعدها: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] ، وهذا ظاهر فيم حل ما زاد عن الأربع، وقال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: ٣] وهذا نص على اقتصار الحل على أربع زوجات، وتحريم الزيادة على ذلك؛ لأن النص سيق أصالة لإفادة هذا الحكم، فحصل التعارض، فيرجح النص؛ لأنه أقوى وأكثر وضوحًا، وفيه جمع بين الآيتين بحمل الظاهر في الأولى على احتماله الآخر الموافق للنص، وهذا هو المقرر شرعًا أنه لا يجوز للمسلم أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات (١) .

    1. (١)كشف الأسرار (١/ ٤٩)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٤)، علم أصول الفقه ص ١٦٨. وانظر أمثلة أخرى مع أحكام المذاهب فيها في: تفسير النصوص (١/ ١٧٩) وما بعدها.
  16. ٢ - تعارض النَّص مع المفسر:
  17. وذلك بين روايتين لحديث واحد، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المُسْتَحاضَةُ تتوضَّأُ عِنْدَ كلِّ صَلاة" (٢) ، فهذا نص في إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، ولو في وقت واحد، ولكن ذلك يحتمل التأويل، وهو أن يكون المراد من قوله: "لكل صلاة" وقت كل صلاة؛ لأن اللام تستعار للوقت، للظهر أي لوقته، وجاءت الرواية الثانية بقوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت حُبَيْش رضي اللَّه عنها: "توضئي لوقتِ كلِّ صلاةٍ" (٣) فيدل على طلب الوضوء لوقت كل

    ج ٢ ص ٩٥صلاة، ولو لأكثر من صلاة فيه، وهو مفسّر لا يحتمل التأويل، فتعارضت الروايتان، فترجح الثانية لأنها مفسّر، فهي أقوى وأوضح من النصّ (١) .

    1. (٢)هذه الرواية أخرجها أبو داود والترمذي، وقال: حسن، وابن ماجه.
    2. (٣)هذه الرواية ذكرها صاحب كتاب الهداية في الفقه، فتح القدير (١/ ١٢٥)، وقال الزيلعي: غريب جدًّا (نصب الراية ١/ ٢٠٤).
    3. (١)هذا المثال على افتراض صحة الرواية الثانية، وأنها في قوة الأولى، ولكن العلماء أكدوا صحة الأولى، وشككوا جدًّا في الثانية، ولذلك اعتمد الحنفية في دليل الحكم على جهة النظر وليس عليها، انظر تفصيل ذلك مع أمثلة أخرى في تفسير النصوص (١/ ١٨٧) وما بعدها، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٥)، علم أصول الفقه ص ١٦٩.
  18. ٣ - تعارض المفَسّر مع المُحْكم:
  19. قال تعالى في قبول الشهادة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] ، فهذا نص مُفَسَّر يدل على قبول شهادة العدول، ومنهم المقذوف إذا تاب؛ لأنه عَدْل بعد التوبة، ولكنه يحتمل النسخ، وقال تعالى في المحدود في القذف: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: ٤] ، وهذا يدل على عدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب، واقترن بلفظ "أبدًا" مما يدل على عدم احتمال النسخ، فهو محكم، فيترجح الحكم الثاني المحْكم على الحكم الأول، وهو المفسر، فلا تقبل شهادة المحدود في القذف، وإن تاب، عند الحنفية (٢) .

    1. (٢)علم أصول الفقه ص ١٦٩، تفسير النصوص (٦/ ١٩٣) وما بعدها، أصول الفقه، الزحيلي (١/ ٣٢٥).
  20. ٤ - تعارض النَّص مع المُحْكم:
  21. قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] ، فهذا نص في إباحة ما عدا المحرمات المذكورة قبله، وذلك يشمل زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: ٥٣] ، فهذا نص مُحْكم لا يحتمل التأويل والتبديل والنسخ لكلمة "أبدًا" ، ويفيد تحريم الزواج بإحدى زوجاته - صلى الله عليه وسلم - من بعده أبدًا، فحصل التعارض، فيقدم المحْكم؛ لأنه أقوى وأوضح من النص (٣) .

    1. (٣)المستصفى (١/ ٣٨٤)، البرهان (١/ ٤١٦)، حاشية البناني (٢/ ٥٣)، شرح تنقيح الفصول ص ٣٧، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٥٩)، اللمع ص ٢٧، شرح العضد (٢/ ١٦٨)، الإحكام، الآمدي (٣/ ٥٢)، روضة الناظر ص ٢٧، إرشاد الفحول = = ص ١٧٥، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٦)، تفسير النصوص (١/ ١٩٨، ٢٠٣، ٢١٣).
  22. ٥ - تعارض الظاهر مع المُحْكم:
  23. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: ٥٣] ، فهذا لفظ محكم يفيد تحريم الزواج من زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعده، وقال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: ٣] ، فهو ظاهر في إباحة جميع النساء، فتعارض الحكمان، فيقدم المحكم؛ لأنه أقوى وأوضح من الظاهر (١) .

    1. (١)أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٦).