٤ - المتشابه
١٣ فقرة، ج ٢ ص ١١٧
- ج ٢ ص ١١٧
وهو آخر أقسام المبهم عند الحنفية، وهو أشدها خفاءً وإبهامًا، ولشدة خفائه جعلوه في مقابل المحْكم، الذي هو أكثر الألفاظ وضوحًا.
-
والمتشابه في اللغة مأخوذ من: اشتبهت الأمورُ وتشابهت، أي: التبست لإشباه بعضها بعضًا، واشتبه الأمر: اختلط (٣) .
- (٣)المعجم الوسيط (١/ ٤٧١)، لسان العرب مادة: شبه.
-
والمتشابه في الاصطلاح: هو اللفظ الذي لا تدل صيغته على المراد منه،
ج ٢ ص ١١٨ولا توجد قرائن خارجية تبينه، واستأثر الشارع بعلمه فلم يفسره (١) .
- (١)يرى كثير من العلماء أن الراسخين في العلم يعلمون معنى المتشابه، لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِـ (٧)} [آل عمران: ٧]، فاللَّه يعلم المتشابه وكذلك الراسخون في العلم، والراجح الوقوف عند قوله: إلا اللَّه، ثم الاستئناف وابتداء كلام جديد: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ...} انظر تفصيل ذلك في كتب التفسير لهذه الآية، ومن كتب الأصول: المستصفى (١/ ٣٦٣)، الإحكام للآمدي (٣/ ١٠٠)، كشف الأسرار (١/ ٥٥) وما بعدها، أصول السرخسي (١/ ١٧٠)، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني (٢/ ٦١)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤١٥)، روضة الناظر ص ١٨١، إرشاد الفحول ص ١٦٩، علم أصول الفقه ص ١٧٥، تفسير النصوص (١/ ٣١٧)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٤٢)، أصول الأحكام ص ٢٤٩.
-
والمتشابه بهذا المعنى لا يوجد في آيات الأحكام أو أحاديث الأحكام، ولا يرد في نصوص القوانين؛ لأنه يتنافى مع التكليف المطلوب من المكلف، أو القاعدة القانونية المطلوب من الناس العمل بها، ولذلك فهو قليل الأثر في الجانب العملي، وقد يرد في مباحث علم الكلام وأصول الاعتقاد.
-
ومن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور، مثل: الَمَ، حمَ، عَسَقَ، صَ، قَ، نَ، فهذه الحروف لا تدل بنفسها على المعنى المراد منها، ولم يرد لها تفسير في كتاب أو سنة.
-
ومن المتشابه صفات اللَّه تعالى التي يوهم ظاهرها مشابهة اللَّه لخلقه مما يتنافى مع جلال اللَّه تعالى، لقوله عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١] فنفى التشابه، وأثبت السمع والبصر، ومثل ما جاء من نسبة العَيْن واليَد والوَجْه والمكان للَّه تعالى، كقوله عزَّ وجلَّ: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: ٣٩] ، {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: ١٠] ، {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) } [الرحمن: ٢٧] ، {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: ٧] ، وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) } [طه: ٥] ، ونسبة المجيء إلى اللَّه تعالى
ج ٢ ص ١١٩في قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) } [الفجر: ٢٢] ، والنزول الوارد في الحديث الصحيح في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ينزلُ ربُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلة إلى سماء الدُّنْيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخر، يقول: مَنْ يَدْعُوني فأستجيبَ له؟ مَنْ يسألُني فأعْطِيَه؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغفرَ له؟ " (١) وغير ذلك (٢) .
- (١)هذا الحديث أخرجه البخاري في (صحيحه ١/ ٣٨٤ رقم ١٠٩٤).
- (٢)أصول السرخسي (١/ ١٧٠)، كشف الأسرار (١/ ٥٦)، المستصفى (١/ ٣٦٣)، الإحكام للآمدي (٣/ ١٠١)، جمع الجوامع والمحلي والبناني عليه (٢/ ٦١)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤١٢) وما بعدها، إرشاد الفحول ص ١٦٩، علم أصول الفقه ص ١٧٥ - ١٧٦، تفسير النصوص (١/ ٣١٢ - ٣٢١)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٤٣)، أصول الأحكام ص ٢٤٩، الحاوي الكبير للماوردي (٢٠/ ١٢٥).
- حكم المتشابه:
-
اختلف المفسرون وعلماء الكلام والتوحيد في معرفة حكم المتشابه على طريقتين، وهما:
[١ - طريقة السلف]
-
وهي طريقة عامة أهل السنة والجماعة، وأيَّدها جماهير العلماء، وذلك بالامتناع عن تأويل الألفاظ المتشابهة، والاعتقاد بها كما جاءت، وترك الاشتغال بمحاولة معرفة معناها، والتسليم بما يريد الشارع، فاللَّه أعلم بمراده منها، ولا يترتب عليها حكم، وهذه الطريقة أسلم في الاعتقاد، وسدًّا لباب التأويل الذي لا يؤمن جانبه، وتختلف فيه الأنظار.
-
[٢ - طريقة الخلف]
-
وهي رأي بعض العلماء والفرق الكلامية، وذلك بتأويل المتشابه بما يوافق اللغة، ويصرفه عن ظاهره؛ لأن ظاهر هذه الآيات مستحيل على اللَّه؛ لأنه ليس كمثله شيء، فاللَّه لا يدَ له ولا عين ولا وجه ولا مكان، وكل ما يستحيل إرادته ظاهرًا فيجب أن يؤول ويصرف عن هذا الظاهر، ويراد به معنى يحتمله اللفظ ولو بطريق المجاز، وبذلك نُنَزّه الخالق عن التشبيه بخلقه، فاليدُ هي القدرة والقوة، والعين هي
ج ٢ ص ١٢٠الرعاية والعناية، والوجه هو ذات اللَّه تعالى، واستوى على العرش أي: استولى على وجه التمكن، وهكذا.
-
ومنشأ الخلاف: هو اختلافهم في قوله تعالى في المتشابه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: ٧] فالسلفُ جعلوا الوقف في الآية عند لفظ الجلالة: "إلا اللَّه" فلا يعلم تأويل المتشابه إلا اللَّه، ثم الراسخون في العلم يؤمنون به، ويفوضون علمه له، ولا يبحثون في تأويله، والخلف رأوا الوقف بعد قوله: {إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فالراسخون في العلم يعلمون تأويله بإرادة معنى يحتمله اللفظ، ويتفق مع تنزيه اللَّه تعالى عن مشابهة خلقه، وهذه الطريقة يسلكها المعلم والواعظ لتقريب المعاني للأذهان (١) .
- (١)المراجع السابقة.
-
ولا يترتب على هذا الاختلاف أثر عملي، لأنه غير موجود في الأحكام الشرعية، ولا صلة له بعلم أصول الفقه، وإنما تسرب له من علم الكلام، وإنما ذكره علماء الأصول تتميمًا لتقسيم المبْهم فيما يدرك معناه ويحتمل التأويل وفيما لا يدرك معناه ولا يحتمل التأويل لخفائه في ذاته (٢) .
- (٢)يرى الشيخ عبد الوهاب خلاف -رحمه اللَّه تعالى- عدم وجود المتشابه في القرآن وأن ما سبق بيانه هو المشْتَبه، أي: المحتمل الذي يجري فيه التأويل والاختلاف، وأنه مقابل المحْكم، وأن المشتبه لا يدل بنفسه على المراد منه، ولكن أحاطه الشارع بقرائن لبيانه؛ لأن اللَّه تعالى أنزل القرآن للتدبر والذكر، فلا يمكن أن يكون فيه ما لا سبيل إلى فهمه مطلقًا، فالأحرف في أوائل السور للدلالة على الأعجاز في القرآن المكون من حروف العرب، ويعجزون عن الإتيان بمثله، وبقية الآيات مجالها البحث والاجتهاد لإزالة الاحتمال وتعيين المراد، بينما نبه الأستاذ الدكتور حمد الكبيسي إلى وجوب التفريق بين المتشابه والمشتبه الوارد في الحديث: "وبينهما أمور مشتبهات" فالمشتبه ينكشف معناه بالتتبع، والمتشابه لا يعرفه إلا اللَّه تعالى في قول، أو يعرفه اللَّه تعالى والراسخون في العلم في قول آخر، وفي الموضوع كلام كثير للعلماء. انظر: علم أصول الفقه ص ١٧٦ - ١٧٧، أصول الأحكام ص ٢٥٠، تفسير النصوص (١/ ٣٢٢).