طرق البيان
١٦ فقرة، ج ٢ ص ١٢٥
- ج ٢ ص ١٢٥
إن طرق البيان متعددة، ويأتي المبيِّن بأساليب كثيرة أهمها:
ج ٢ ص ١٢٦[١ - القول]
-
يحصل البيان بالقول باتفاق العلماء، والقول إما أن يكون من اللَّه تعالى، أو من رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإما من العلماء والمجتهدين كما سيأتي في الاجتهاد والقياس.
-
فالقول من اللَّه تعالى، كقوله عزَّ وجلَّ: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة: ٦٩] ، فإنه مبيِّن لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: ٦٧] ، وذلك على القول المشهور أن المراد بالبقرة بقرةٌ معينة، فبين اللَّه تعالى أوصافها.
-
والقول من الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقوله عليه الصلاة والسلام: "فيما سقت السماء أو كان عَثَريا العُشْر، وما سُقي بالنَّضْح نصفُ العُشْر" (١) فهذا مبيِّن لقوله سبحانه: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: ١٤١] ، والأمثلة على ذلك كثيرة في السنّة البيانية للقرآن الكريم، فالسُّنة تبين مجمل القرآن، وهذا كثير في الصلاة والصوم والحج والبيع، وغالب الأحكام التي فصلتها السنة (٢) .
- (١)هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وأحمد والدارمي عن ابن عمر وجابر رضي اللَّه عنهم. والعَثَري: الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر، والنضح: إخراج الماء بالجهد والعمل.
- (٢)شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٤١)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٨)، إرشاد الفحول ص ١٦٧، الفصول في الأصول (٢/ ٦٠). ويجوز التدرج بالبيان، فيقال: اقتلوا المشركين، ثم يقال: إذا انسلخ الأشهر الحرم، ثم يقال: الحربيين، ثم يقال: إذا كانوا رجالًا، فهذا تخصيص بعد تخصيص، وهو واقع في القرآن والسنة، ولا مانع منه عقلًا، انظر: المستصفى (١/ ٣٨١)، الإحكام للآمدي (٣/ ٤٩)، نهاية السول (٢/ ١٦١)، شرح العضد (٢/ ١٦٧)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٥٤)، وهذا يقع كثيرًا في القوانين والأنظمة الوضعية، فيصدر تشريع عام، ثم يخصص، ثم يخصص.
-
ومن البيان بالقول التنبيه على المعاني والعلل التي تبين الأحكام، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في بيع الرطب بالتمر: "أينقصُ الرطبُ إذا جفَّ" (٣) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر
ج ٢ ص ١٢٧رضي اللَّه عنه في قِبلة الصائم: "أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنت صائم" (١) ، مما استدل به الشرع عقليًّا لبيان العلة، أو مأخذ الحكم، أو فائدة ما (٢) .
- (٣)هذا الحديث رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه عنه.
- (١)هذا الحديث أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم والبيهقي عن عمر وجابر رضي اللَّه عنهما.
- (٢)المحصول (٣/ ٢٦٧)، نهاية السول (٢/ ١٥١)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٤٧)، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٩، إرشاد الفحول ص ١٦٧، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٣٠).
-
[٢ - الفعل]
-
المراد به فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحصل بيان الحكم بالفعل عند معظم العلماء، ودليله أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بيَّن الصلاة والحج بالفعل، ثم قال: "صَلُّوا كما رأيتُموني أصلي" (٣) ، وقال: "خُذُوا عني مناسِككم" (٤) ، فدلَّ هذا القول على أن فعله بيان لقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} ، الفعل مشاهَد، والمشاهدة أدلُّ، فهو أولى من القول بالبيان، لحديث: "ليْسَ الخبرُ كالمعاينة" (٥) .
- (٣)هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن الحوَيْرث رضي اللَّه عنه.
- (٤)هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي من حديث جابر رضي اللَّه عنه.
- (٥)هذا الحديث أخرجه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما مرفوعًا، وابن حبان والطبراني.
-
والفعل يشمل الأداء العملي، ويشمل الكتابة، والإشارة، ومثال الكتابة الكتب التي كتبها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ككتابه لعمرو بن حزم لأهل اليمن في الفرائض والسنن والدِّيات (٦) ، وكتابه لأبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه في مقادير الزكاة (٧) ، ومثال الإشارة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" وأشار بأصابعه العشرة، وقبض الإبهام في الثالثة، يعني تسعة
ج ٢ ص ١٢٨وعشرين (١) ، والأمثلة كثيرة من السنة الفعلية (٢) .
- (٦)هذا الحديث أخرجه مالك، وأبو داود في "المراسيل" والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي وأحمد وابن خزيمة، قال الحاكم: إسناده صحيح وهو من قواعد الإسلام، وقال أحمد: كتاب عمرو صحيح.
- (٧)هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن أنس عن أبي بكر رضي اللَّه عنهما. =
- (١)هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي اللَّه عنه، وأخرجه النسائي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه عنه مرفوعًا.
- (٢)المحصول (٣/ ٢٦٢، ٢٦٤)، البرهان (١/ ١٦٤)، الإحكام لابن حزم (١/ ٧٢، ٧٤)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٦٢)، اللمع للشيرازي ص ٢٩، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٨ وما بعدها، العدة (١/ ١١٤، ١٢٤)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٢)، مختصر الطوفي ص ١١٩، إرشاد الفحول ص ١٧٢، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٨ - ٣٣٥).
-
[٣ - الإقرار على الفعل]
-
يحصل البيان بإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل أحد الصحابة، أو بعض الصحابة؛ لأن الإقرار دليل ومستقل، فيصح أن يكون بيانًا لغيره، كسائر الأدلة (٣) ، وسبقت أمثلته في السنة التقديرية.
- (٣)المستصفى (١/ ٣٦٧)، الإحكام لابن حزم (١/ ٧٢)، اللمع ص ٢٩، المسودة ص ٥٧٣، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٤٥)، مختصر الطوفي ص ١١٩، العدة (١/ ١٢٧).
-
والقاعدة التي تشمل الحالات الثلاث السابقة هي "كل مُقَيَّد من جهة الشرع فهو بيان" سواء كان تقييد المطلق ورد في القرآن الكريم أو في السنة بأنواعها، حتى لو كان تركًا، كأن يترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلًا أمر به، أو سبق له فعله، فيكون تركه مُبيِّنًا لعدم وجوبه، كتركه الإشهاد في البيوع (٤) مع قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: ٢٨٢] ، فدل أن الإشهاد في البيع غير واجب، وتركه لصلاة التراويح بعد أن صلاها في رمضان، خشية أن تفرض عليه (٥) ، فدل على عدم وجوب صلاة التراويح، أو كان سكوتًا بعد السؤال عن حكم الواقعة، فيدل على أم الحكم حتى ينزل البيان من السماء، كسؤال زوجة سعد بن الربيع عن ميراث ابنتيها بعد قتل أبيهما سعد
ج ٢ ص ١٢٩وأخذ العم المال، فقال لها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "اذهبي حتى يقضي اللَّه فيك" ثم نزلت آية الميراث (١) ، وله أمثلة أخرى، أو كان تنبيهًا للعلة ومأخذ الحكم (٢) ، كما سبق، قبل قليل.
- (٤)وذلك في قصة شراء النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرس من الأعرابي الذي أنكر البيع بعد ذلك، ثم شهد بذلك خزيمة رضي اللَّه عنه، وقال فيه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ شهد له خزيمة فهو حسبه" أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والبيهقي.
- (٥)أخرج ذلك البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك عن عائشة رضي اللَّه عنها.
- (١)أخرج ذلك أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن جابر رضي اللَّه عنه، وقال الترمذي: حديث صحيح.
- (٢)شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٤٥) وما بعدها، مختصر الطوفي ص ١١٩، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٩، المحصول (٣/ ٢٦٧، ٢٦٨)، نهاية السول (٢/ ١٥١)، المسودة ص ٥٧٣.
-
[٤ - إجماع الصحابة]
-
قد يكون البيان باتفاق العلماء بإجماع الصحابة لإيضاح مدلول الكتاب أو السنة، كإجماع الصحابة على أن التقاء الختانين، ولو بدون إنزال، موجِبٌ للغسل، فإنه بيان لقوله تعالى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: ٦] .
-
[٥ - الاجتهاد]
-
وهو بيان العلماء بالاجتهاد عن طريق القول أو الفعل أو التقرير لبيان المعنى إما من طريق قياس فرع على أصل، أو من طريق أمارة تدل عليه، وهذا يشمل مختلف، مناهج الاجتهاد في القياس والاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع وغيرها (٣) .
- (٣)الرسالة ص ٢٦، البحر المحيط للزركشي (٣/ ٤٨٠)، إرشاد الفحول ص ١٦٧، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٢٩، ٣٣٠).
-
والفرق بين البيان بالقول والفعل والبيان بالاجتهاد أن البيان بالقول أو الفعل صادر من المشرّع نفسه، والبيان بالاجتهاد صادر من العلماء والمجتهدين، وهذا له مثيل اليوم في القانون، إما بصدور تفسيره وبيانه من الجهة التي أصدرت القانون، أو الجهة المخولة رسميًّا بالبيان والتفسير كمجلس الدولة، ومحكمة النقض، وإما من القضاة والشرّاح والمحامين.