٢ - إشارة النص

١٢ فقرة، ج ٢ ص ١٤٠

  1. هي: المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه، ولا يقصد من سياقه أصالة ولا تبعًا، ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر من ألفاظه، فالدلالة بالإشارة ثبتت من اللفظ أو النص لغة، ولكنها بطريق الالتزام للمعنى المتبادر من جهة، وأنها لم يُسق الكلام لأجلها من جهة ثانية، وهذا التلازم أو الاستدلال بالإشارة قد يكون ظاهرًا ويفهم بأدنى تامل، وقد يكون خفيًّا يحتاج إلى دقة ونظر وتأمل، ولذلك يختلف فيه العلماء لإدراكه وفهمه، ويحتاج إلى أهل الاختصاص أو الاجتهاد ممن يكون عالمًا باللسان العربي وأسرار اللغة، ولا عبرة بالاستدلال بالإشارة ما لم يكن صاحبها من أهل الاختصاص (٣) .

    1. (٣)أصول السرخسي (١/ ٢٣٧)، كشف الأسرار (١/ ٦٨)، تيسير التحرير (١/ ٩١)، فواتح الرحموت (١/ ٤١٣)، إرشاد الفحول ص ١٧٨، علم أصول الفقه ص ١٤٥، تفسير النصوص (١/ ٤٧٨)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥٠)، أصول الأحكام ص ٢٥٤، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص ١٢٩.
    ج ٢ ص ١٤٠
  2. مثاله: قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٣] ، فالآية تدل بعبارتها على وجوب نفقة الوالدات المرضعات وكسوتهن على الأب دون الأم، وهذا

    ج ٢ ص ١٤١هو المتبادر من الألفاظ، والمقصود من السياق، ويلزم منه أي يفهم من إشارته أن الأب لا يشاركه أحد في الإنفاق على أولاده؛ لأن الولد له لا لغيره، وتدل العبارة بالإشارة، أي يلزم منها، أن نسب الولد إلى أبيه لا يشاركه فيه أحد؛ لأن اللَّه تعالى أضاف الولد إليه بحرف اللام التي هي للاختصاص، والمقصود الاختصاص بالنسب، وهذا مفهوم من إشارة النص (١) .

    1. (١)علم أصول الفقه ص ١٤٦، تفسير النصوص (١/ ٤٨٢)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥١)، أصول الأحكام ص ٢٥٥، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص ١٣١، وسيرد مثل ذلك تمامًا عند المتكلمين (الجمهور) انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٧٦)، والمراجع المشار إليها في هامشها.
  3. ومثاله: قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ثم قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] ، فالنص القرآني يدل بالعبارة على إباحة الأكل والشرب والجماع في جميع الليل إلى طلوع الفجر، ويفهم منه بالإشارة أن من أصبح جنبًا بعد الفجر فصومه صحيح؛ لأن اللَّه تعالى أباح الجماع إلى قبيل طلوع الفجر، فيلزم منه أن يطلع الفجر وهو جنب، وهذا المعنى غير مقصود بالسياق، لكنه لازم للمعنى السابق (٢) .

    1. (٢)تفسير النصوص (١/ ٤٨١)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥١)، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص ١٣٠.
  4. ومثاله: قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} ثم قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: ٧ - ٨] ، فالآية دلت بالعبارة على استحقاق الفقراء المهاجرين نصيبًا من الفيء الذي يأخذه المسلمون من العدو بلا قتال؛ لأن ذلك يفهم من العبارة، وسيقت الآية لبيان هذا الحكم، ويدل اللفظ {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} بالإشارة إلى أن المهاجرين من مكة قد زالت عنهم ملكية أموالهم التي خلّفوها بمكلة، لاستيلاء المشركين عليها؛ لأن اللَّه تعالى سمَّاهم فقراء، والفقير: هو من لا يملك المال، لا من غاب عن المال، ويعتبر

    ج ٢ ص ١٤٢الشخص غنيًّا لملكه المال سواء قَربت يده منه أو بعدت (١) .

    1. (١)علم أصول ص ١٤٦، تفسير النصوص (١/ ٤٧٩)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥٢)، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص ١٢٩.
  5. والأمثلة القانونية كثيرة في قانون العقوبات، وقانون الأحوال الشخصية، والقانون المدني، وغيره (٢) .

    1. (٢)علم أصول الفقه ص ١٤٧، تفسير النصوص (١/ ٥١٣)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥٥).
  6. العبارة والإشارة:
  7. إن دلالة كل من العبارة والإشارة على المعنى قطعية، ويثبت الحكم بكل منهما قطعًا إلا إذا وجد احتمال ناشئ عن دليل، فتكون الدلالة ظنية.

  8. ولكن الثابت بالعبارة يدل عليه النص صراحة، وسيق الكلام لأجله، فالحكم فيها مقصود أولًا وبالذات، والثابت بالإشارة هو ما يلزم من حكم العبارة، أي: بالدلالة الالتزامية، والحكم لم يسق الكلام لأجله، ولما كانت هذه الدلالة الالتزامية تحتاج إلى تأمل وبحث لذلك يقع فيها الاختلاف بين العلماء.

  9. ويترتب على النتيجة الأخيرة أنه إذا وقع تعارض بين دلالة العبارة ودلالة الإشارة، قُدِّم الحكم الثابت بالعبارة؛ لأنه أقوى، ومقصودٌ بذاته، من الحكم الثابت بالإشارة (٣) .

    1. (٣)تفسير النصوص (١/ ٤٩٤)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥٢، ٣٥٨).
  10. ومن أمثلة التعارض ما دلت عليه كل من الآيتين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [البقرة: ١٧٨] ، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) } [النساء: ٩٣] ، فالآية الأولى دلت بعبارة النص على وجوب القصاص من القاتل المعتدي عمدًا، والآية الثانية دلت بإشارة النص على عده القصاص من القاتل المعتدي؛ لأنها جعلت جزاءه الخلود في جهنم، والغضب عليه من اللَّه تعالى، والعذاب

    ج ٢ ص ١٤٣العظيم المعَدَّ له، اقتصرت الآية على ذلك في مقام البيان لعقوبته، وأن ذلك يفيد الحصر، فيلزم منه أنه لا عقوبة على القاتل العامد في الدنيا.

  11. واتفق العلماء على أن الحكم الثابت بالعبارة من الآية الأولى، وهو القصاص من القاتل عمدًا، مقدّم على الحكم الثابت بالإشارة من الآية الثانية، ويعاقب القاتل عمدًا عدوانًا في الدنيا بالقصاص منه.

  12. ومن أمثلة التعارض بين العبارة والإشارة ما دلت عليه آية الرضاعة في قوله سبحانه: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٣] ، فهذه الآية دلت بالإشارة أن الأب مقدم في استحقاقه النفقة من مال ابنه على من سواه ممن لهم حق النفقة من الأقارب بما في ذلك الأم في حالة قدرة الابن على نفقة واحد فقط، في قدم الأب على الأم، لكن ثبت أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: مَنْ أحقُّ الناس بحُسْن صَحابتي يا رسولَ اللَّه؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أمُّك" وكررها ثلاثًا، ثم قال: "أبوك" (١) ، فهذا النص يدل بالعبارة على تقديم الأم على الأب بالنفقة، والثابت بعبارة النص أقوى، ويقدم على الثابت بإشارة النص، فتكون الأم أولى من الأب في النفقة (٢) .

    1. (١)هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من طريق أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
    2. (٢)تفسير النصوص (١/ ٥٠١)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥٨).