المبحث الثاني منهج المتكلمين (الجمهور) في طرق دلالة اللفظ على المعنى
٧ فقرات، ج ٢ ص ١٤٨
- ج ٢ ص ١٤٨
التزم علماء الأصول من المتكلمين (الجمهور) منهجًا خاصًّا في تقسيم دلالة اللفظ، أو دلالة الخطاب الوارد في القرآن والسنة على الحكم الشرعي، ويعتمد هذا المنهج على ارتباط الدلالة بصريح اللفظ ومحل النطق، أو عدم ارتباطه به وعدم النطق.
- وتنقسم دلالة اللفظ إلى قسمين:
-
١ - المنطوق: وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي: إن دلالة المنطوق هي دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام، ونطق به، سواء كان ذلك بالمطابقة، أو التضمن، أو الالتزام، وتسمى الدلالة اللفظية، وتشمل دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء عند الحنفية، وأمثلة دلالة المنطوق كثيرة جدًّا، وهي معظِم أحكام الشرع المأخوذة مباشرة من القرآن والسنة، كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: ٢٧٥] ، فالآية تدل بمنطوقها على جواز البيع وتحريم الربا، وقوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: ٢٣] ، فالآية تدل بمنطوقها على النهي عن التأفف وتحريمه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنكح المرأة على عمّتها" (١) يدل على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها في النكاح.
- (١)هذا الحديث رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة ومالك وأحمد.
-
٢ - المفهوم: هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي إن اللفظ دل على حكم شيء لم يذكر في الكلام، ولم ينطق به، بأن يثبت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه، ويسمى الدلالة المعنوية أو الدلالة الالتزامية، وتدل على الحكم من باب دلالة الالتزام، وهو نوعان: مفهوم موافقة، وهو دلالة النص عند الحنفية، ويسمى كما سنرى فحوى الخطاب، ومفهوم مخالفة،
ج ٢ ص ١٤٩وهو ما انفرد به الجمهور، ووقع فيه خلافهم مع الحنفية، وسنفرده بالدراسة.
-
وأمثلة مفهوم الموافقة كثيرة، وسبق مثلها عند الحنفية، مثل دلالة قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: ٢٣] ، على تحريم الضرب وغيره للوالدين، ومثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) } [النساء: ١٠] ، فالآية تدل بمنطوقها على تحريم أكل أموال اليتامى، وتدل بمفهوم الموافقة على تحريم الإتلاف والإحراق؛ لأن ذلك مساوٍ للأكل في الاعتداء على مال اليتيم (١) .
- (١)المستصفى (٢/ ١٨٦)، الإحكام للآمدي (٣/ ٦٤)، جمع الجوامع والمحلي والبناني عليه (١/ ٢٣٥)، شرح العضد (٢/ ١٧١)، تيسير التحرير (١/ ٩٢) وما بعدها، فواتح الرحموت (١/ ٤١٣)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٧٣)، مناهج العقول (١/ ٣٠٩، ٣١١)، إرشاد الفحول ص ١٧٨، تفسير النصوص (١/ ٥٩١) وما بعدها، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٦٠)، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص ١٣٨، أصول الأحكام ص ٢٦١.
-
فالدلالات عند المتكلمين ستة، وهي أربعة في المنطوق (دلالة المنطوق الصريح، دلالة الاقتضاء، دلالة الإيماء، دلالة الإشارة) واثنتان في المفهوم (مفهوم الموافقة، مفهوم المخالفة) .
-
فيضيف الجمهور المتكلمون دلالة الإيماء، ودلالة مفهوم المخالفة، والأول عبارة عن تفصيل وتوسع، والثاني إضافة وزيادة، ولذلك فإن منهج المتكلمين ومنهج الحنفية متفقان في الأعم الأغلب، والأمثلة واحدة، والاختلاف في الاصطلاح والتسمية، والنتائج في الأحكام واحدة، ويبقى الاختلاف فعلًا في مفهوم المخالفة الذي سنخصص له المبحث الثالث.