٤ - دلالة الاقتضاء
٨ فقرات، ج ٢ ص ١٤٥
- ج ٢ ص ١٤٥
هي دلالة الكلام على مسكوت عنه ويتوقف صدق الكلام أو صحته شرعًا على تقديره، فالمعنى من النص لا يستقيم إلا بتقديره الاقتضاء؛ لأن صحة الكلام واستقامة معناه يقتضي التقدير فيه، وكذلك صدق الكلام ومطابقته للواقع يقتضي التقدير فيه بما هو خارج عنه، فالدلالة على المعنى المقدر
ج ٢ ص ١٤٦يسمى اقتضاء؛ لأن استقامة الكلام تقتضيه وتستدعيه، والباعث على التقدير والزيادة هو المقتضي، والشيء المقدَّر المزيد هو المقتضَى، والدلالة هو الاقتضاء، وما ثبت بالتقدير والزيادة هو حكم المقتضَى (١) .
- (١)أصول السرخسي (١/ ٢٤٨)، كشف الأسرار (١/ ٧٥)، تيسير التحرير (١/ ٩٢)، فواتح الرحموت (١/ ٤١٣)، شرح العضد (٢/ ١٧٢)، إرشاد الفحول ص ١٧٨، علم أصول الفقه ص ١٥٠، تفسير النصوص (١/ ٥٤٧)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥٥)، أصول الأحكام ص ٢٥٨، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص ١٣٦.
-
مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عن أمّتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكرِهُوا عليه" (٢) ، فالحديث يدل بلفظه وعبارته على رفع الفعل الذي يقع من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خطأ أو نسيانًا أو إكراهًا بعد وقوعه، وهذا يتنافى مع الواقع؛ لأن هذه الأمور موجودة في هذه الأمة، والفعل بعد وقوعه لا يُرفع، فهو محال، مما يقتضي تقدير شيء محذوف من الكلام حتى يكون صحيحًا، وهو الإثم أو الحكم، وتكون دلالة النص بالاقتضاء رفع إثم الخطأ والنسيان والإكراه، أو رفع حكمه وعدم ترتب أثره عليه، وبهذا التقدير يتفق الكلام مع الواقع، فالإثم محذوف، واقتضى تقديره لصحة معنى النص، فهو ثابت بدلالة الاقتضاء.
- (٢)هذا الحديث أخرجه ابن ماجه والدارقطني والحاكم وغيرهم.
-
ومثله حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٣) أي: ثوابها، وحديث: "لا صيام لمن لم يُبَيِّتِ الصِّيام من الليل" (٤) أي: لا صحة للصيام.
- (٣)هذا الحديث سيأتي تخريجه وعزوه ص ١٦٦.
- (٤)هذا الحديث سبق بيانه ص ٩٩، ١٢٥.
-
ومثله قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: ٢٣] ، أي: زواجهن، وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: ٣] ، أي: أكلها والانتفاع بها؛ لأن الذات لا يتعلق بها التحريم، وإنما يتعلق التحريم بفعل المكلف، فيقدر المقتضَى في كل نص بما يناسبه، ويكون التقدير ثابتًا بطريق الاقتضاء.
-
وقد يتوقف التقدير لصحة الكلام على العقل، كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ
ج ٢ ص ١٤٧الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: ٨٢] ، فالكلام لا يصح من الناحية العقلية؛ لأن القرية لا تُسأل، ولا تتكلم، فاقتضى التقدير: واسأل أهل القرية (١) .
- (١)المراجع السابقة في الهامش ١ الصفحة السابقة، وسيرد مثل ذلك تمامًا عند المتكلمين (الجمهور)، انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٤٧٤) وما بعدها، والمراجع المشار إليها في هامشها.
- حكم الدلالات الأربع وترتيبها:
-
إن الدلالات الأربع السابقة عند الحنفية تدل على الحكم الشرعي على وجه القطع واليقين، إلا إذا وجد ما يصرفها إلى الظن كالتخصيص أو التأويل؛ لأن الحكم الثابت بها يثبت بنفس اللفظ، أو العلة المفهومة منه لغة، أو مما تقتضيه ضرورة صدق الكلام وصحة معناه.
-
وإن هذه الدلالات مرتبة بحسب قوتها، فعبارة النص هي الأقوى، ثم الإشارة، ثم الدلالة، ثم الاقتضاء، وإذا وقع تعارض بينها يرجح الأقوى فالأقوى (٢) ، كما مرت بعض الأمثلة.
- (٢)علم أصول الفقه ص ١٥٢، تفسير النصوص (١/ ٥٨١)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٥٧).