١ - الكتاب
٣ فقرات، ج ٢ ص ٢٦٠
- ج ٢ ص ٢٦٠
يعرف النسخ والناسخ بالكتاب بأحد الوجوه التالية؛ لأنه إذا تقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر، فيكون المتقدم منسوخًا، والمتأخر ناسخًا، والمراد من التقدم التقدم في التنزيل، لا في التلاوة، فإن العدة بأربعة أشهر سابقة في التلاوة على العدة بالحول، مع أنها ناسخة لها، كما سبق بيانه، وهذا له وجهان:
أ- مقتضى اللفظ الصريح الذي يدل على النسخ، كقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الأنفال: ٦٦] ؛ فإنه يقتضي نسخ ما جاء في الآية قبلها {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: ٦٥] ، فالأولى تقتضي صراحة نسخ ثبات الواحد للعشرة، وقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} [البقرة: ١٨٧] ، فإنه يقتضي صراحة نسخ الإمساك بعد الفطر، وقوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}
- ج ٢ ص ٢٦١
ب- التنبيه في القرآن، بأن يذكر لفظًا يتضمن التنبيه على النسخ، كما في نسخ الإمساك للزناة في البيوت، الذي جاء ضمنًا في حد الزنا، قال تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} وقال تعالى بعد ذلك مباشرة: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: ١٥] ، ثم نزل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] ، وبيَّن ذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: "خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" (١) ، أي: بالحدّ في آية النور (٢) .
- (١)هذا الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه مرفوعًا (نيل الأوطار ٧/ ٩٢).
- (٢)يرى الحنفية أن آيات اللعان [النور: ٦ - ١٠] نسخت حد القذف جزئيًّا عن الزوج [النور: ٥ - ٤]، انظر: الفصول (٢/ ٢٧٤)، ويرى الجمهور أن ذلك تخصيص لا نسخ.
-
د- الاستدلال، وذلك بأن تكون إحدى الآيتين مكية، والأخرى مدنية، فيكون المنزل في المدينة ناسخًا للمنزل بمكة، وكذلك ما ذكرناه مما كان متقدمًا في التنزيل فيكون منسوخًا بما ثبت تأخره بدليل صحيح.