١ - النصوص القطعية في الثبوت والدلالة

٦ فقرات، ج ٢ ص ٣١١

  1. إن النصوص الشرعية تعني ما ثبت في القرآن الكريم والسنة الشريفة، ولكن هذه النصوص بعضها قطعي الثبوت، وهو القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وبعضها ظني الثبوت، وهو الأحاديث المشهورة، وأحاديث الآحاد، وكل من القسمين إما أن يكون قطعي الدلالة، أي: له معنى واحد محدد متبادر إلى الذهن، وليس فيه احتمال آخر أصلًا غير المعنى السابق،

    ج ٢ ص ٣١٢وإما أن يكون ظني الدلالة، أي: يدل على معنى ويحتمل معنى آخر، أو يدل على معنيين فأكثر.

    ج ٢ ص ٣١١
  2. فإذا كان النص الشرعي قطعي الثبوت وقطعي الدلالة فلا مجال فيه للاجتهاد، ولا يصح فيه الاجتهاد، وتنطبق عليه القاعدة السابقة بشكل كامل وصحيح "لا اجتهاد في مورد النص" ، أو "لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نصّ قطعي" .

  3. وهذا ما أراده الغزالي رحمه اللَّه تعالى في تحديد المجتهد فيه، فقال: "هو كلُّ حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي" (١) .

    1. (١)المستصفى (٢/ ٣٥٤)، ونقل الشوكاني عن الفخر الرازي مثل ذلك، فقال: "المجتهد فيه هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع" إرشاد الفحول ص ٢٥٢، وانظر: علم أصول الفقه ص ٢١٦.
  4. وهذه الأحكام التي تثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة تشمل المسائل الأساسية في الدِّين، سواء كانت في مسائل الاعتقاد والتوحيد والإيمان، أو في العبادات، وسائر الأحكام العملية الأخرى، فالحكم فيها واحد قطعًا ويقينًا، حتى لا يكون الخلاف فيها مفضيًا للنزاع والخلاف وتفريق الصف، وانقسام الأمة.

  5. وهذه النصوص الذي تعني معنى واحدًا فقط، لا تقبل التأويل بصرفها عن ذلك المعنى، ولا تقبل النسخ لانتهاء مدته بانقطاع الوحي، كما سبق، ويطلق عليها علماء الأصول: المُحْكَم الذي يتحدد البحث فيه بتفسير معناه، وفهمه، بحسب مقتضى اللغة والشرع لبيان دلالته، أو معرفة علته للقياس عليه، أو استنباط مقاصده للاهتداء بها في حالات أخرى.

  6. ومن أمثلة ذلك وجوب الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وتحديد عقوباتها المقدرة لها بنصوص القرآن والسنَّة المتواترة القولية والفعلية، وكذا الكفارات المقدرة، والأعداد الواردة في الكفارات والحدود، مثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: ٤] ، فهذان النَّصان لا يحتملان

    ج ٢ ص ٣١٣الاجتهاد؛ لأنهما قطعيا الثبوت، من ناحية كونهما نصًّا قرآنيًّا ثابتًا بالتواتر، كما أنهما قطعيا الدلالة؛ لأن لفظ "مئة" ولفظ "ثمانين" من الألفاظ الخاصة التي تدل على معناها دلالة قطعية، ولا تحتمل معنى آخر.