المسألة الثانية: تغير الاجتهاد

١٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٣٩

  1. يجوز للمجتهد أن يكون له قولان في وقتين مختلفين، وذلك بأن يكون له اجتهاد وفيه رأي معين، ثم يجتهد في نفس المسألة فيصل إلى اجتهاد آخر ورأي جديد مخالف للأول، وهذا جائز باتفاق.

    ج ٢ ص ٣٣٩
  2. وأسباب تغير الاجتهاد كثيرة، أهمها:

    [١ - وجود دليل جديد]

  3. إن الاجتهاد يتبع الدليل، فإذا وجد المجتهد دليلًا أقوى من دليل الاجتهاد الأول، أو أصح منه، أو أقرب دلالة، فيجب عليه الأخذ بالأقوى والأصح؛ لأنه أقرب إلى الحق والصواب.

  4. [٢ - تغير الزمان]

  5. إذا كان الحكم السابق مبنيًّا على العرف، أو مصلحة الناس، ثم تغير العرف أو تغيرت مصلحة الناس، وجب تغير الحكم الشرعي، وهو المقرر في قاعدة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" وذلك لتحقيق المصلحة، ودفع المفسدة، وأمثلة ذلك كثيرة، كالإفتاء بجواز أخذ الأجرة أو الراتب على تعليم القرآن، والقيام بالشعائر الدينية كالإمامة والخطابة؛ لتغير العرف بسبب انقطاع المكافآت والعطايا التي كانت تدفع من بيت المال للمشتغلين بهذه الوظائف، والحكم بتضمين الصنّاع لأموال الناس التي تهلك في أيديهم محافظة على الأموال من الضياع، وتحقيقًا لمصلحة المجتمع، والقول بجواز التسعير دفعًا للضرر العام وتحقيقًا لمصلحة الناس، وإفتاء الصاحبين بضرورة تزكية الشاهد المسلم خلافًا لأبي حنيفة؛ لتغير حال الناس، وقالا: هذا اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان، ومثله إفتاء الفقهاء المتأخرين بعدم جواز القضاء بعلم القاضي لتغير الزمان والحفاظ على حقوق الناس.

  6. [٣ - مراعاة الضرورة وتطور الزمان]

    ج ٢ ص ٣٤٠
  7. وذلك كالحكم بطهارة سؤر سباع الطير كالصقر والنَّسْر مراعاة للضرورة؛ لعدم إمكان الأعراب وسكان الصحارى من الاحتراز منها، وصحة بيع العقار اليوم بذكر صحيفته العقارية (السجل العقاري = الطابو) حسب التنظيمات الحاضرة.

  8. [٤ - اختلاف البلدان]

  9. قد يكون لبعض البلاد أعراف خاصة، وتنظيمات معينة، ومعاملات خاصة، واهتمامات متميزة، وهي مما يجب مراعاته عند الاجتهاد ومعرفة الأحكام التي تناسب هذا البلد دون غيره.

  10. ومن هنا ظهر بعض الاختلاف في الأحكام بين أهل مكة وأهل المدينة؛ لأن مكة تعتمد على التجارة، ولا تعرف الزراعة وما يتعلق بها، وأهل المدينة يعتمدون على الزراعة، وتقل فيهم التجارة.

  11. ولهذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة كان المجتهد يُغير اجتهاده إذا انتقل من بلد إلى آخر، كما حصل مع الإمام الشافعي عندما غيّر اجتهاده في مسائل عديدة عندما انتقل من الحجاز إلى العراق، ثم استقر في مصر، وكتب مذهبه الجديد، وخالف فيه بعض اجتهاداته التي عرفت بالمذهب القديم (١) .

    1. (١)الفروق (١/ ١٧١)، رسائل ابن عابدين (٢/ ١٢٥)، أعلام الموقعين (٣/ ١٤) وما بعدها، الموافقات (٢/ ٣٠٦)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٠٩)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١١١٣، ١١١٦). البحر المحيط (٦/ ١١٨).
  12. ومن هنا أيضًا تتغير الفتوى للأسباب السابقة، أو لبعضها، مما يجب مراعاته، وسوف نراه في الفصل الثالث في الفتوى.

  13. ويختلف الأمر في أثر تغيير الاجتهاد من المجتهد نفسه إذا عمل بالرأي الأول، أو أفتى به غيره وعمل به، أو قضى به القاضي، كما سنرى في المسألة التالية: نقض الاجتهاد.