المسألة الثالثة: نقض الاجتهاد
١٠ فقرات، ج ٢ ص ٣٤١
- ج ٢ ص ٣٤١
نقض الاجتهاد هو هدمه وإلغاؤه وإبطال العمل به، ويأخذ إحدى الصور الثلاث، بحسب موقعه، إما في العمل به والتطبيق في الحياة، وإما في الإفتاء، وإما في القضاء، سواء كان النقض من نفس المجتهد الأول، أو من غيره.
-
والمبدأ العام في نقض الاجتهاد واحد في الصور الثلاث، وقد يختلف الأمر في الأثر المترتب على النقض من صورة إلى أخرى.
-
والمبدأ العام في نقض الاجتهاد له شقان:
[الشق الأول: وجوب نقض الاجتهاد]
-
إذا كان الاجتهاد مخالفًا لنص صريح في القرآن الكريم، أو السنة الشريفة، ولو كانت سنة آحاد صريحة، أو مخالفًا لإجماع، فإنه ينقض باتفاق العلماء والأئمة والمذاهب، سواء من نفس المجتهد أو من غيره؛ لأن هذا الاجتهاد -أصلًا- باطل؛ لمخالفة النص والإجماع، فيلغى ولا يجوز العمل به في الحياة العملية، ولا يجوز الإفتاء به، ولا القضاء به، وإن عمل به، فيجب الرد، وإذا صدر فيه حكم قضائي، نقض، وإذا أفتى به شخص، يجب الرجوع عنه وإبلاغ من أفتاه ليرجع.
-
وأضاف الحنفية والمالكية والشافعية بأن الاجتهاد ينقض إذا خالف قياسًا جليًّا، وهو ما تكون العلة فيه صريحة في الأصل، أو تكون في الفرع أشد منها في الأصل كالضرب والتأفيف، أو تكون العلة مساوية تمامًا، ولا فرق نهائيًّا بين الأصل والفرع كالمرأة قياسًا على الرجل في الكفارة وغيرها، وخالف في ذلك الحنابلة وقالوا: لا ينقض الاجتهاد بمخالفة القياس مطلقًا، ولو كان جليًّا على الصحيح عندهم (١) .
- (١)قال ابن النجار الحنبلي رحمه اللَّه تعالى: "ولا ينقض بمخالفة قياس، ولو جليًّا على الصحيح من المذهب، وقطع به الأكثر" شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٠٥)، وانظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٢٠٣)، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٠. وصرح الغزالي وابن السبكي والآمدي والقرافي وغيرهم بنقض الحكم بمخالفته القياس الجلي، انظر المراجع التالية. =
- ج ٢ ص ٣٤٢
وزاد الإمام مالك بنقض الاجتهاد إذا خالف القواعد الشرعية، وزاد بعض المتأخرين بنقض الاجتهاد وإلغائه إذا خالف المذاهب الأربعة؛ لأن ذلك بمثابة الإجماع، أو المعلوم من الدين بالضرورة، وقال ابن حجر: أو كان اجتهادًا لا دليل عليه قطعًا (١) .
- (١)المستصفى (٢/ ٣٨٢)، جمع الجوامع والبناني عليه (٢/ ٣٩١)، الإحكام للآمدي (٤/ ٢٠٣)، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٢، ٤٤٢، أدب القضاء لابن أبي الدم ص ١٦٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١١٣، درر الحكام (١/ ٣٤)، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١١٥، المنثور للزركشي (١/ ٩٣)، الفروع (٦/ ٤٥٦)، المغني (١٠/ ٥٠)، روضة الطالبين للنووي (١١/ ١٥٠)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٠٦)، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٠، القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي ص ٣٥١ - ٣٥٧، ٤٤٣، الفروق للقرافي (٢/ ١٠٣).
-
وإن كان الاجتهاد معتمدًا على نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي فإنه لا ينقض بالاتفاق؛ لأنه يعتمد على دليل لا يجوز خلافه ولا الاجتهاد ضده.
-
[الشق الثاني: عدم نقض الاجتهاد]
-
إذا كان الاجتهاد مبنيًّا على الرأي، خارج الحالات السابقة في الشق الأول، فإنه لا ينقض باجتهاد آخر، وهذا ما نصت عليه القاعدة الفقهية الأصولية "الاجتهاد لا ينقض بمثله" وبعبارة أخرى "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد" .
-
ومجال هذا الاجتهاد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع، ولا إجماع، أو في المسائل المستجدة، فإن الاجتهاد فيها لا ينقض باجتهاد مثله بالاتفاق؛ لأنه لو نقض الأول بالثاني لجاز أن ينقض الثاني بثالث؛ لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير، وذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار؛ ولأن الاجتهاد الأول ظني، ويعتمد على دليل ظني، والثاني ظني ويعتمد على دليل ظني، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، ونقض هذا الاجتهاد يؤدي إلى نقض النقض، ويتسلسل الأمر فتضطرب الأحكام ولا يوثق بها (٢) .
- (٢)فروع: يحرم على المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم أن يقلد غيره بالاتفاق؛ لأنه يعتقد أن اجتهاده خطأ، ولا يجوز له الأخذ بالخطأ أو الباطل، وكذلك قبل أن يجتهد عند الجماهير؟ لا = = به يجب عليه أن يجتهد، وقال الأئمة الأربعة: إذا حكم الحاكم بخلاف اجتهاده، فهو باطل، ولو قلّد غيره في الحكم، ومن قضى برأي يخالف رأيه ناسيًا له نفذ، ولا إثم عليه عند أبي حنيفة وأحمد، وقال المالكية والشافعية وأبو يوسف: لا ينفذ، ويرجع عنه وينقضه، وللحي تقليد مجتهد ميت كالحي عند الجمهور، انظر هذه الأقوال بتفصيل مع أدلتها ومراجعها في (شرح الكوكب المنير ٤/ ٥٠٦، ٥٠٧، ٥١٣، ٥١٥).