تقليد المجتهد الميت
٥ فقرات، ج ٢ ص ٣٥٧
- ج ٢ ص ٣٥٧
اختلف العلماء في اشتراط حياة المجتهد الذي يجوز تقليده، على أربعة أقوال:
أحدها: المنع مطلقًا؛ لأن الميت ليس من أهل الاجتهاد، كالفسق بعد العدالة، أو لأن الحياة هي الأصل فزالت، وزال وصفها بالاجتهاد، أو لاحتمال عدوله عن اجتهاده لو كان حيًّا وجدَّد اجتهاده.
-
الثاني: الجواز بشرط فقد الحي، فليس للعامي تقليد الميت إن وجد مجتهدًا حيًّا؛ لأن الحي أفضل من الميت، وأعرف بالوقائع والقضايا والفتاوى، فإن لم يوجد المجتهد الحي جاز تقليد الميت.
-
الثالث: التفصيل: وهو جواز تقليد الميت إذا كان دليله نقليًّا، وكان الناقل لرأي الميت مجتهدًا وأهلًا للمناظرة، فإن كان رأي المجتهد الميت قياسيًا، فلا يجوز؛ لاحتمال تغير القياس والاجتهاد فيه.
-
الرابع: الجواز مطلقًا، وهو الصحيح ورأي جمهور العلماء، وفيه قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "المذاهب لا تموت بموت أربابها، ولا بفقد أصحابها" ، واعتبره بعضهم إجماعًا، وذلك قياسًا على الشهادة التي يؤديها الشاهد عند الحاكم، ثم يموت، فإن شهادته لا تبطل، وقياسًا على حكم الحاكم فإنه لا
ج ٢ ص ٣٥٨يموت بموته، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ من بَعْدي: أبي بكرٍ وعُمَرَ" (١) ، وهذا الأمر عام للاقتداء بهم أثناء حياتهم، وبعد مماتهم، وقال عليه الصلاة والسلام: "عَلَيكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ من بَعْدي: عَضُّوا عليها بالنَّواجذ" (٢) ، واحتج الأصوليون على ذلك بانعقاد الإجماع على جواز العمل بفتاوى الموتى، وأضاف بعضهم: أن ذلك للضرورة، فلو لم نجوِّز تقليد المجتهد الميت، لأدى ذلك إلى إفساد أحوال الناس، ولذلك قالوا: موت المجتهد لا يُميت قوله، فكأنه أحد الأحياء فيقلد (٣) .
- (١)هذا الحديث أخرجه الترمذي (١٠/ ١٤٧، ١٤٩) وابن ماجه (١/ ٣٧) وأحمد (٥/ ٣٨٢) وابن حبان (ص ٥٣٩) والحاكم (٣/ ٧٥) وانظر: تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٣٦، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٢٩٩.
- (٢)هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢/ ٥٠٦) والترمذي (٧/ ٤٣٩) وابن ماجه (١/ ١٥) والدارمي (١/ ٤٤) والحاكم (١/ ٩٥) وابن حبان (ص ٥٦) وانظر: تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٣٨، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٢٩٩.
- (٣)انظر هذه الأقوال وأدلتها مفصلة في: البرهان (٢/ ١٣٥٢)، الإحكام لابن حزم (٢/ ٨٣٨)، فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧)، المحصول (٣/ ٩٧)، المسودة ص ٥٢١، ٥٢٢، أعلام الموقعين (٤/ ٢٧٤)، البحر المحيط (٦/ ٢٩٧، ٣٢٧)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥١٣)، تيسير التحرير (٤/ ٢٥٠)، نهاية السول (٣/ ٢٥٧)، جمع الجوامع والبناني (٢/ ٣٩٦)، المجموع (١/ ٩٠)، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩١، إرشاد الفحول ص ٢٦٩، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١١٥٩).
-
وهذا القول هو الراجح، فيجوز تقليد المجتهد الميت إذا ثبت النقل عنه، وكان دليله معروفًا، إلا إذا كان مبنيًّا على العرف والمصلحة فتجوز مخالفته.