الحالة الأولى: التعارض بين نصين

٢١ فقرة، ج ٢ ص ٤١١

  1. إذا وقع التعارض بين نصين شرعيين، فيسلك المجتهد الترتيب الآتي في المراحل الأربع، مبتدئًا بالنسخ، ثم بأحد طرق الترجيح، فإن لم يمكن فالجمع بينهما، فإن تعذر فالتساقط، وذلك حسب المنهج التالي:

    ج ٢ ص ٤١٢[١ - النسخ]

    ج ٢ ص ٤١١
  2. إذا ورد نصّان متعارضان، بحث المجتهد أولًا عن تاريخ النصين، فإذا علم تقدم أحدهما وتأخر الثاني، حكم بأن المتأخر ينسخ المتقدم، مع التذكير بشرط التعارض، وهو أن يكون النصّان متساويين في القوة كآيتين، أو آية وسنة متواترة (أو مشهورة عند الحنفية) ، أو خبرين من أخبار الآحاد.

  3. مثاله: الآيتان السابقتان في عدة الوفاة وعدة الحامل، ففي الأولى قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: ٢٣٤] ، فتدل بعمومها "أزواجًا" أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت حاملًا، أو غير حامل، وفي الثانية قال تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] ، وتدل أيضًا أن المرأة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل، سواء كانت متوفى عنها زوجها، أو مطلقة، فحصل التعارض بين الآيتين في الحامل المتوفى عنها زوجها.

  4. وثبت عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه أن الآية الثانية متأخرة عن الأولى (١) ، فتكون ناسخة في القدر الذي حصل فيه التعارض، فتصبح عدة المتوفى عنها زوجها منتهية بوضع الحمل (٢) .

    1. (١)قال ابن مسعود رضي اللَّه عنه: "من شاء باهلته أن سورة النساء الصغرى (الطلاق) نزلت بعد سورة النساء الكبرى (البقرة) "، وفي رواية: "من شاء لاعنته لأنزلت سورة النساء الصغرى بعد الأربعة أشهر وعشرًا" (صحيح البخاري ٤/ ١٦٤٦، ١٨٦٥، ٥/ ٢٠٣٦، سنن أبي داود ١/ ٥٣٩، وانظر: نصب الراية ٣/ ٢٥٦).
    2. (٢)اتفق الفقهاء في المذاهب الأربعة على عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، ولكن الحنفية اعتمدوا على النسخ، وقال الجمهور: بأن الآية الثانية خصصت الأولى، وبقي الاختلاف اصطلاحيًّا.
  5. [٢ - الترجيح]

  6. إذا تعارض النصان، ولم يعلم المجتهد تاريخهما، رجح أحدهما على الآخر، إن أمكن، بأحد طرق الترجيح التي ستأتي، كترجيح المحكم على

    ج ٢ ص ٤١٣المفسر، وترجيح العبارة على الإشارة، وترجيح الحظر على الإباحة، وترجيح أحد خبري الآحاد بضبط الراوي أو عدالته، أو فقهه، أو نحو ذلك كما سيأتي.

  7. واستدل الحنفية في تقديم الترجيح على الجمع بين النصين بأن الراجح ملحق بالمتيقن، فيعمل به، وأن العمل بالراجح واجب، وتركه خلاف المعقول والإجماع، وأن ترجيح أحد الدليلين على الآخر يمنع المعارضة أصلًا؛ لأن الترجيح مبني على التعارض، والتعارض مبني على التماثل، وعند الترجيح فلا تماثل، ولا تعارض، وإنما يعمل بالأقوى ويترك الأضعف؛ لأنه في حكم العدم بالنسبة إلى القوى، فكأنه فقد شرط التعارض أصلًا (١) .

    1. (١)فواتح الرحموت (٢/ ١٨٩)، التلويح على التوضيح (٣/ ٣٩) ط الخشاب، وسائل الإثبات (٢/ ٨٠٦).
  8. واعترض عليهم بأن العمل بالراجح الحقيقي واجب عقلًا، ولا يصح تركه، أما التعارض الظاهري فلا ترجيح، وإنما يعتبر الدليلان معًا، وأن التعارض من حيث الظاهر فقط، وقد تحقق التعارض بين الأقوى والأضعف ظاهرًا، فإذا زال التعارض الظاهري، بقي معنا دليلان صحيحان، فيجب العمل بهما معًا، ولا يجوز العمل بأحدهما، وإهمال الآخر.

  9. وبناء على قول الحنفية قدّم أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى حديث: "استنزهوا من البول" (٢) ، على ما ورد من شرب العُرَنيّين أبوال الإبل (٣) ، لمرجح التحريم والحظر على الإباحة، ولأن دفع الضرر أولى من جلب المنفعة.

    1. (٢)هذا الحديث رواه الدارقطني عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
    2. (٣)هذا الحديث رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه.
  10. [٣ - الجمع والتوفيق]

  11. إذا تعذر الترجيح بين النصين، لجأ المجتهد إلى الجمع، أي: للتوفيق بين النصين؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمالهما، أو إعمال أحدهما وإهمال الآخر.

  12. وطرق الجمع عند الحنفية كثيرة بحسب طبيعة النصين، كالجمع بين العامين بالتنويع، والجمع بين النصين المطلقين بالتقييد، والجمع بين

    ج ٢ ص ٤١٤الخاصين بالتبعيض، والجمع بين العام والخاص بالتخصيص، وهو ما سبق بيانه في مباحث الدلالات.

  13. مثال الجمع بين العامين بالتنويع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أخبركم بخير الشُهداء؟ هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها" (١) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خيرُ أمتي القرن الذي بُعثت فيه، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم يَخلفُ قومٌ يَشْهدون قبل أن يُسْتشهدوا" (٢) ، فالحديث الأول يجيز قبول الشهادة قبل الطلب والسؤال، سواء في حقوق اللَّه، أو في حقوق العباد، ويثني على ذلك بالفضل الكبير، والحديث الثاني لا يجيزها أصلًا قبل الطلب؛ لأنها وردت في مَعرض الذَّم والقدح، مما يدل على استنكارها ورفضها، ويجمع بين الحديثين بحمل الأول على نوع من الحقوق، وهي حقوق اللَّه تعالى فقط، وتكون الشهادة حِسْبَة، ويحمل الحديث الثاني على نوع آخر، وهي حقوق العباد.

    1. (١)هذا الحديث رواه مسلم (١٢/ ٧ رقم ١٧١٩) وأبو داود (٢/ ١١٦) والترمذي (٦/ ٥٨٠) ومالك (٢/ ٧٢٠) نشر فؤاد عبد الباقي، طبع الحلبي، القاهرة.
    2. (٢)هذا الحديث أخرجه البخاري (٢/ ٩٣٨ رقم ٢٥٠٨) ومسلم (١٦/ ٨٤، ٨٨ رقم ٢٥٣٥) وأبو داود (٢/ ٥١٨) والترمذي (٦/ ٥٨٧) والنسائي (٧/ ١٧) والبيهقي (١٠/ ١٦٠) وابن حبان (موارد الظمآن ص ٥٦٣).
  14. ومثال الجمع بين النصين المطلقين بالتقييد أن يقول شخص: أعط فقيرًا، ويقول مرة أخرى: لا تعطِ خالدًا، فيقيد الأمر بالمتعفف، والنهي بالمتسول.

  15. ومثال الجمع بين الخاصين بالتبعيض أن يقول شخص: أعطِ خالدًا، ويقول مرة أخرى: لا تعطِ خالدًا، فيحمل الأمر على إعطائه حال الاستقامة، والنهي على منع الإعطاء حال الانحراف.

  16. ومثال الجمع بين العام والخاص بالتخصيص قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] ، فإنه نص عام على وجوب العدة على كل مطلقة، سواء وقع الطلاق قبل الدخول بها أو بعده، ولكنه خصص بالمطلقات قبل الدخول بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: ٤٩] ،

    ج ٢ ص ٤١٥ويبقى العام معمولًا به فيما وراء الخاص.

  17. وإن كان أحد النصين مطلقًا، والآخر مقيدًا، حُمل المطلق على المقيد، كما سبق في بابه، مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: ٣] . مع قوله تعالى: {إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: ١٤٥] ، فاللفظ المطلق "الدم" محمول على المقيد "دمًا مسفوحًا" ، ويكون الدم المحرم هو الدم المسفوح فقط.

  18. [٤ - تساقط الدليلين]

  19. إذا تعارض الدليلان، وتعذر النسخ والترجيح والجمع، فيحكم بتساقط الدليلين لتعارضهما، ثم يلجأ المجتهد إلى الاستدلال بما دونهما في الرتبة، فإذا تعارضت آيتان ترك الاستدلال بهما إلى السنة، وإذا تعارض حديثان عدل عنهما إلى الاستدلال بقول الصحابي عند من يحتج به، أو إلى القياس والاستحسان؛ لتعذر العمل بالأعلى بسبب تعارضه مع غيره، ولأن العمل بأحد المتعارضين ترجيح من غير مرجح، فكأن الواقعة لم يرد فيها نص، فإن لم يوجد دليل أدنى وجب العمل بالأصل العام في ذلك الشيء، كأنه لم يرد فيه دليل أصلًا على الحكم.

  20. مثال العمل بالأدنى: ما ورد في السنة من حديثين متعارضين في صلاة الكسوف، أحدهما رواه النعمان بن بشير رضي اللَّه عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى صلاةَ الكسُوف كما تصلُّون، رَكْعة وسجدتين" (١) ، والثاني روته عائشة رضي اللَّه عنها أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "صلّى الكسوف ركعتين بأربعةِ ركوعات، وأربعِ سجدات" (٢) ، فالتعارض في كيفية صلاة الكسوف في كل ركعة بركوعين مع قيامين أو بركوع واحد مع قيام واحد كبقية الصلوات، ولا مرجح عند الحنفية لأحد الحديثين على الآخر، فتركوا العمل بهما، وأخذوا بالقياس، وهو قياس صلاة الكسوف على بقية الصلوات.

    1. (١)هذا الحديث رواه النسائي (٣/ ١١٧) وأخذ الحنفية بذلك (نصب الراية ٢/ ٢٢٧).
    2. (٢)هذا الحديث أخرجه البخاري (١/ ٣٥٦ رقم ١٠٠٢) ومسلم (٦/ ٢٠٥ رقم ٩٠٣) وأبو داود (١/ ٢٧٠) والنسائي (٣/ ١٠٨).
  21. ومثال العمل بالأصل ما ورد في الآثار في حكم سؤر الحمار، فعن ابن عمر أنه نجس، وعن ابن عباس أنه طاهر، ولا مرجح لقول أحدهما، فترك الحنفية العمل بالأثرين، وعملوا بمقتضى الأصل في الماء، وهو أنه طاهر.

    ج ٢ ص ٤١٦