المسألة الأولى في أقسام المبين
٨ فقرات، ج ٣ ص ١٧٣
- ج ٣ ص ١٧٣
القسم الثاني في المبين وفيه مسائل المسألة الأولى في أقسام المبين الخطاب الذي يكفي نفسه في إفادة معناه إما أن يكون لأمر يرجع إلى وضع اللغة أو لا يكون كذلك والأول كقوله تعالى أن الله بكل شئ عليم أما الثاني فإما أن يكون بيانه على سبيل التعليل أولا على سبيل التعليل
-
اما التعليل فضربان أحدهما أن يكون الحكم بالمسكوت عنه أولى من الحكم بالمنطوق به كما في قوله تعالى فلا تقل لهما أف
ج ٣ ص ١٧٤وثانيهما كما في قوله ص إنها من الطوافين عليكم والطوافات وأما الذي لا يكون تعليلا فضربان أحدهما أن الأمر بالشئ أمر بما لا يتم إلا به وثانيهما أن يظهر في العقل تعذر إجراء الخطاب على ظاهره ويكون هناك أمر يكون حمل الخطاب عليه أولى من حمله على غيره كما في قوله تعالى واسأل القرية فهذه أقسام المبين والله أعلم
ج ٣ ص ١٧٥المسألة الثانية في أقسام البيانات أعلم أن بيان المجمل إما أن يقع بالقول أو بالفعل أو بالترك أما بالقول فظاهر وأما بالفعل فإما أن يكون الدال على البيان شيئا يحصل بالمواضعة أو شيئا تتبعه المواضعة أو شيئا يتبع المواضعة فالأول هو الكتاب وعقد الأصابع
-
فأما الكتابة فقد يقع بها البيان من الله تعالى بما كتب في اللوح المحفوظ ومن الرسول ص بما كتب إلى عماله وأما عقد الأصابع فقد بين به الرسول ص إذ قال الشهر هكذا وهكذا وحبس في الثالثة أصبعه
- ج ٣ ص ١٧٧
وأما القسم الثاني وهو الذي تتبعه المواضعة فهو الإشارة لأن المواضعة مفتقرة إليها وهي غير مفتقرة إلى المواضعة وإلا لافتقرت إلى إشارة أخرى ولزم التسلسل وهو محال وقد بين الرسول ص بالإشارة وذلك حين أشار إلى الحرير بيده وقال هذا حرام على ذكور أمت حل لإناثها وأما القسم الثالث وهو الذي يكون تابعا للمواضعة فهو كما اذا قال
ج ٣ ص ١٧٨الرسول ص هذا الفعل بيان لهذه الآية أو يقول صلوا كما رأيتموني أصلي واعلم أنه لا يعلم كون الفعل بيانا للمجمل إلا بأحد أمور ثلاثة أحدها أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده وثانيها أن يعلم بالدليل اللفظي وهو أن يقول هذا الفعل بيان لهذا المجمل أو يقول أقوالا يلزم من مجموعها ذلك
-
وثالثها بالدليل العقلي وهو أن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به ثم يفعل فعلا يصلح أن يكون بيانا له ولا يفعل شيئا آخر فيعلم أن ذلك الفعل بيان للمجمل وإلا فقد أخر البيان عن وقت الحاجة وأنه لا يجوز
ج ٣ ص ١٧٩وأما الترك فاعلم أن الفعل يبين الصفة ولا يدل على وجوبها وترك الفعل يبين نفي وجوبه وذلك على أربعة أضرب أحدها أن يقول من الركعة الثانية إلى الثالثة ويمضي على صلاته فيعلم أن هذا التشهد ليس بشرط في صحة الصلاة وإلا لم تصح مع عدم شرط الصحة ويدل على أنه ليس بواجب أنه ص لا يجوز أن يتعمد ترك الواجب وثانيها أن يسكت عن بيان حكم الحادثة فيعلم أنه ليس فيه حكم شرعي وثالثها أن يكون ظاهر الخطاب متناولا له ولأمته على سواء فإذا ترك الفعل دل على أنه كان مخصوصا من الخطاب ولم يلزمه ما لزم أمته ورابعها أن يتركه بعد فعله إياه فيعلم أنه قد نسخ عنه ثم ينظر فإن كان حكم الأمة حكمه نسخ عنهم أيضا وإلا كان حكمهم بخلاف حكمه والله أعلم
ج ٣ ص ١٨٠المسألة الثالثة الحق أن الفعل قد يكون بيانا خلافا لقوم لنا أن الخصم إما أن يقول إنه لا يصح وقوع البيان بالفعل أو يقول إنه يصح عقلا لكن لا يجوفي الحكمة والأول ضربان أحدهما أن يقال إن الفعل لا يؤثر في وقوع اليقين أصلا والآخر أن يقال إنه لا يؤثر في ذلك إلا مع غيره هو أن يقول الرسول ص هذا الفعل بيان لهذا الكلام والأول باطل لأن فعل الرسول ص للصلاة والحج فلا أدل عليهما من صفته لهما فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا بين الرسول ص الحج والصلاة وقال خذوا عني مناسككم وقال صلوا كما رأيتموني أصلي
ج ٣ ص ١٨١وبين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء بفعلهم وأما الثاني وهو أن لا يقع البيان بالفعل وحده عند قيام الدليل على أن ذلك الفعل بيان لذلك المجمل فهذا مما لا خلاف فيه إلا أن المبين هو الفعل لأنه هو المتضمن لصفة الفعل وإنما القول لتعليق الفعل الواقع بيانا على المجمل وأما القسم الثاني وهو أنه غير جائز في الحكمة فهو لا يستقيم على أصلنا لأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ثم إن سلمنا هذا الأصل لكنه يمتنع أن يعلم الله تعالى من
-
المكلف أن بيان المجمل بهذا الطريق أصلح له
ج ٣ ص ١٨٢احتج المخالف بأن الفعل يطول فيلزم تأخير البيان والجواب أن القول قد يكون أطول لأن وصف أفعال الصلاة وتروكها منه على الاستقصاء أطول من الإتيان بركعة واحدة فجوابكم جوابنا والله أعلم المسألة الرابعة في أن القول هل يقدم على الفعل في كونه بيانا القول والفعل إذا وردا فإما أن يكونا متطابقين أو متنافيين فإكانا متطابقين وعلم تقدم أحدهما على الآخر فالأول بيان والثاني تأكيد لأن الأول قد حصل التعريف به فلا حاجة إلى الثاني وإن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر حكم على الجملة بأن الأول منهما بيان والثاني تأكيد وإن كانا متنافيين كقوله ص من قرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافا واحدا مع ما روي عنه ص أنه قرن فطاف طوافين وسعى
- ج ٣ ص ١٨٤
والفعل لا يدل حتى يعرف ذلك إما بالضرورة أو بالاستدلال بدليل قولي أو عقلي فإذا لم يعقل ذلك لم يثبت كون الفعل بيانا والله أعلم المسألة الخامسة في: البيان كالمبين
-
هذا الباب يشتمل على شيئين أحدهما هل البيان كالمبين في القوة والآخر هل هو كالمبين في الحكم أما الأول فقال الكرخي المبين إذا كان لفظا معلوما وجب كون بيانه مثله وإلا لم يقبل والحق أنه يجوز أن يكون البيان والمبين معلومين وأن يكونا مظنونين أن يكون المبين معلوما وبيانه مظنونا كما جاز تخصيص القرآن بخبر الواحد والقياس وأما الآخر فهو أنه هل إذا كان المبين واجبا كان بيانه واجبا كذلك قال به قوم فإن أرادوا به أن المبين إذا كان واجبا فبيانه بيان لصفة شئ واجب فصحيح وإن أرادوا به أنه يدل على الوجوب كما يدل المبين فغير صحيح
ج ٣ ص ١٨٥لأن البيان إنما يتضمن صفة المبين وليس يتضمن لفظا يفيد الوجوب إلا ترى أن صورة الصلاة ندبا واجبا صورة واحدة وإن أرادوا أنه إذا كان المبين واجبا كان بيانه واجبا على الرسول ص واذا لم يكن الفعل المبين واجبا لم يكن بيانه واجبا على الرسول ص فباطل لأن بيان المجمل واجب سواء تضمن فعلا واجبا أو لم يتضمن وإلا كان تكليفا بمالا يطاق والله أعلم