القسم الثالث في وقت البيان

٢٢ فقرة، ج ٣ ص ١٨٧

  1. في وقت البيان وفيه مسائل المسألة الأولى القائلون بأنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق اتفقوا على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن التكليف به مع عدم الطريق إلى العلم به تكليف بمالا يطاق والإشكالات التي ذكرناها في أن تكليف الساهي غير جائز قائمة ها هنا والجواب واحد المسألة الثانية اختلفوا في جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب الخطاب المحتاج إلى البيان ضربان

    ج ٣ ص ١٨٨أحدهما ما له ظاهر قد استعمل في خلافه والثاني لاظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة والأول أقسام أحدها تأخير بيان التخصيص وثانيها تأخير بيان النسخ وثالثها تأخير بيان الأسماء الشرعية ورابعها تأخير بيان اسم النكرة إذ أراد به شيئا معينا إذا عرفت ذلك فنقول مذهبنا أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة في كل هذه الأقسام

    ج ٣ ص ١٨٧
  2. وأما المعتزلة فأكثر من تقدم أبا الحسين رحمه الله اتفقوا على المنع من تأخير البيان في كل هذه الأقسام إلا في النسخ فإنهم جوزوا تأخير بيانه وأما أبو الحسين فإنه منع من تأخير البيان فيما له ظاهر قد استعمل في خلافه وزعم أن البيان الإجمالي كاف فيه وهو أن يقول عند الخطاب اعلموا أن هذا العموم مخصوص وأن هذا الحكم سينسخ بعد ذلك وأما البيان التفصيلي فإنه يجوز تأخيره وأما الذي لا يكون له ظاهر مثل الألفاظ المتواطئة والمشتركة فقد جوز فيه تأخير البيان إلى وقت الحاجة

    ج ٣ ص ١٨٩وهذا التفصيل ذكره كثير من فقهاء أصحابنا كأبي بكر القفال وأبي اسحاق المروزي وأبي بكر الدقاق واعلم أن الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين أحدهما أن يستدل في الجملة على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب وثانيهما أن يستدل على جواز ذلك في كل واحدة من الصور المذكورة أما المقام الآول فالدليل عليه قوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه وثم في اللغة للتراخي وهو المطلوب فإن قيل لا نسلم أن كلمة ثم للتراخي فقط بل قد تجئ بمعنى الواو كقوله تعالى ثم آتينا موسى الكتاب ثم كان من الذين

  3. آمنوا ثم الله شهيد سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن المراد بالبيان في هذه الآية البيان الذي

    ج ٣ ص ١٩٠اختلفنا فيه وهو بيان المجمل والعموم فلم لا يجوز أن يكون المراد به إظهاره بالتنزيل غاية ما في الباب أن يقال هذا مخالفة الظاهر لكن نقول يلزم من حفظ هذا الظاهر مخالفة ظاهر آخر وهو أن الضمير الذي في قوله ثم إن علينا بيانه راجع إلى جميع المذكور وهو القرآن ومعلوم أن جميعه لا يحتاج إلى البيان فليس حفظ أحد الظاهرين بأولى من الآخر وعليكم الترجيح سلمنا أن المراد من البيان ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون المراد به تأخير البيان التفصيلي وذلك عند أبي الحسين جائز سلمنا أن المراد مطلق البيان لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه هو أن يجمعه في اللوح المحفوظ ثم إنه بعد ذلك ينزله على الرسول ص ويبينه له وذلك متراخ عن الجمع سلمنا أن البيان مذكرتموه غير لكن الآية تدل على وجوب تأخير البيان وذلك ما لم يقل به أحد فما دلت عليه الآية لا تقولون به وما تقولون به

    ج ٣ ص ١٩١وهو الجواز لم تدل الآية عليه فبطل الاستدلال والجواب أما أن كلمة ثم للتراخي فذلك متواتر عند أهل اللغة والآيات التي تلوتموها المراد هناك التأخير في الحكم

  4. قوله لم لا يجوز أن يكون المراد من البيان إظهاره بالتنزيل قلنا لأن قوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أمر للنبي ص باتباع قرآنه وإنما يكون مأمورا بذلك بعد نزوله عليه فإنه قبل ذلك لا يكون عالما به فكيف يمكنه اتباع قرآنه فثبت أن المراد من قوله فإذا قرأناه هو الإنزال ثم إنه تعالى حكم بتأخير البيان عن ذلك وذلك يقتضي تأخير البيان عن وقت الإنزال وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون المراد من البيان هو الإنزال لاستحالة كون الشئ سابق على نفسه سلمنا أنه يمكن ما ذكروه ولكنه خلاف الظاهر قوله يلزم من مخالفة المحافظة على هذا الظاهر احتياج القرآن جميعه إلى البيان

    ج ٣ ص ١٩٢قلنا لا نسلم فإن لفظ القرآن يتناول كله وبعضه بدليل أنه لو حلف أن لا يقرأ القرآن ولا يمسه فقرأ آية أو لمس آية فإنه يحنث في يمينه سلمنا أن لفظ القرآن ليس حقيقة في البعض لكن إطلاق اسم الكل على البعض أسهل من إطلاق لفظ البيان على التنزيل لأن الكل مستلزم للجزء والبيان غير مستلزم للتنزيل قوله نحمله على البيان التفصيلي قلنا اللفظ مطلق فتقييده خلاف الظاهر قوله لم لا يجوزأن يكون المراد من الجمع جمعه في اللوح المحفوظ

  5. قلنا لما بينا أنه تعالى أخر البيان عن القراءة التي يجب على النبي عليه الصلاة والسلام متابعتها وذلك يستدعي تأخير البيان عن وقت الإنزال قوله هذا يقتضي وجوب تأخير البيان قلنا ونحن نقول به فإن قلت الضمير عائد إلى كل القرآن فيجب تأخير بيان الكل وذلك لم يقل به أحد

    ج ٣ ص ١٩٣قلت قد تقدم بيان أن الضمير غير عائد إلى الكل والله أعلم أما الذي يدل على كل واحدة من الصور التي ذكرناها فنقول الدليل على أنه يجوز تأخير البيان في النكرة أن الله تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة غير منكرة ثم أنه لم يبينها لهم حتى سألوا سؤالا بعد سؤال إنما قلنا إنه لم يرد بقرة منكرة لوجهين الأول أن قوله تعالى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي وما لونها وقول الله تعالى إنها بقرة لا فارض ولا بكر إنها بقرة صفراء إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ينصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة منكرة بذبح بقرة معينة الثاني أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما ان يقال إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أو لا أو صفات بقرة وجبت عليهم

  6. عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجبا عليهم قبل ذلك والأول هو المطلوب والثاني يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخرا وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك ولما

    ج ٣ ص ١٩٤أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم فإن قيل لا يجوز التمسك بهذه الآية لأن الوقت الذي أمروا فيه بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها فلو أخر الله البيان لكان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة وأنه لا يجوز فإذن ما تقتضيه الآية لا تقولون به وما تقولون به لا تقتضيه الآية نزلنا عن هذا المقام لكن لا نسم أن المأمور به كان ذبح بقرة موصوفة بل ذبح بقرة كيف كانت فلما سألوا تغيرت المصلحة ووجبت عليهم بقرة أخرى وأما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة ولم لا يجوز أن يقال إنها كنايات عن القصة والشأن وهذه طريقة مشهورة عند العرب سلمنا أن هذه الكنايات تقتضي كون البقرة المأمور بها موصوفة لكن ها هنا ما يدل على كونها منكرة وهو من ثلاثة أوجه الأول أن قوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أمر بذبح بقرة مطلقة وذلك يقتضي سقوط التكليف بذبح بقرة أي بقرة كانت وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفا جديدا

    ج ٣ ص ١٩٥الثاني

  7. لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه فلما عنفهم اللتعالى في قوله فذبحوها وما كادوا يفعلون علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولا وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولا ذبح بقرة منكرة الثالث ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت عنهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم

    ج ٣ ص ١٩٦سلمنا أن المأمور به ذبح بقر معينة موصوفة لكن لم لا يجوز أن يقال البيان التام قد تقدم لكنهم لم يتبينوا لبلادتهم فاستكشفوا طلبا للزيادة فحكى الله تعالى ذلك سلمنا أن البيان التام لم يتقدم فلم لا يجوز أن يقال إن موسى عليه السلام كان قد أعلمهم بأن البقرة ليست مطلقة بل معينة فطلبوا البيان التفصيلي فالحاصل أن البيان الإجمالي كان مقارنا والبيان التفصيلي كان متأخرا وهو جائز عند أبي الحسين رحمه الله والجواب قوله الآية تقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة قلنا لا نسلم لأن ذلك إنما يلزم لو كان الأمر مقتضيا للفور لكنا لا نقول به قوله الكنايات عائدة إلى القصة والشأن قلنا هذا باطل لوجوه

    ج ٣ ص ١٩٧أحدها أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لكان الذي يبقى بعد ذلك غير مقيد لأنه لا فائدة في قوله بقرة صفراء بل لا بد من إضمار شئ آخر وذلك خلاف الأصل أما إذا جعلنا الكنايات الذي عائد إلى المأمور به أولا لم يلزم هذا المحذور وثانيها أن الحكم برجوع الكنايات إلى القصة والشأن خلاف الأصل لأن الكناية يجب عودها إلى شئ جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فيبقى فيما عداه على الأصل وثالثها أن الضمير في قوله تعالى ما لونها وماهي لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله إنها بقرة صفراء عائدا إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال قوله إن قوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أمر بذبح بقرة مطلقة

    ج ٣ ص ١٩٨قلنا هب أن ظاهره يفيد الإطلاق ونحن نسلمه لكنا نقول المراد كاغير الظاهر مع أنه تعالى ما بينه فما قلتموه لا يضرنا قوله لو كان ذلك لطلب البيان لما استحقوا التعنيف بقوله وما كادوا يفعلون

  8. قلنا إن قوله تعالى وما كادوا يفعلون ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة أو أنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلون قوله نقل عن ابن عباس أنه قال شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم قلنا هذا من أخبار الآحاد ومع تقدير الصحة فلا يصلح معارضا لنص الكتاب قوله لم لا يجوز أن يقال كان البيان حاصلا لكنهم لم يتبينوا قلنا لوجهين الآول أنهم كانوا يلتمسون البيان ولكان البيان حاصلا لما التمسوه بل كانوا يطلبون التفهيم

    ج ٣ ص ١٩٩الثاني أن فقد التبيين عن حضور هذا البيان متعذر ها هنا لأن ذلك البيان ليس إلا وصف تلك البقر والعاقل العارف باللغة إذا سمع تلك الأوصاف استحال أن لا يعرفها قوله كانوا يطلبون البيان التفصيلي قلنا لو كان كذلك لذكره الله تعالى أزالة للتهمة أما الدليل على جواز تأخير بيان المخصص فالنقل أما النقل

  9. فهو أن الله تعالى لما أنزل قوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال ابن الزبعري قد عبدت الملائكة وعبد المسيح فهؤلاء حصب جهنم فتأخر بيان ذلك حتى أنزل الله تعالى قوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى فإن قيل لا نسلم أن قوله تعالى وما تعبدون من دون الله يندرج فيه الملائكة والمسيح وبيانه من وجهين الأول

    ج ٣ ص ٢٠٠أن كلمة ما لما لا يعقل فلا يدخلها المسيح والملائكة الثاني أن قوله تعالى إنكم وما تعبدون خطاب مع العرب وهم ما كانوا يعبدون المسيح والملائكة بل كانوا يعبدون الأوثان سلمنا ذلك لكن تخصيص العام بدليل العقل جائز وها هنادل العقل على خروج الملائكة والمسيح فإنه لا يجوز تعذيب المسيح بجرم الغير وهذا الدليل كان حاضرا في عقولهم ثم نقول المسألة علمية وهذا خبر واحد فلا يجوز إثباتها به سلمنا صحة الرواية لكن الرسول عليه السلام إنما سكت انتظارا لنزول الوحي عليه في تأكيد البيان العقلي واللفظي والجواب لا نسلم أن صيغة ما مختصة بغير العقلاء والدليل عليه وجوه أحدها

  10. قوله تعالى وما خلق الذكر والأنثى والسماء وما بناها ولا أنتم عابدون ما أعبد

    ج ٣ ص ٢٠١وثانيها اتفاق أهل اللغة على ورود ما بمعنى الذي وكلمة الذي متناولة للعقلاء فكلمة ما أيضا كذلك وثالثها أن ابن الزبعري كان من الفصحاء فلولا أن كلمة ما تتناول المسيح والملائكة وإلا لما أورده نقضا على الآية ورابعها أن الرسول ص لم يرد عليه ذلك بل سكت وتوقف إلى نزول الوحي ولو كان ذلك خطأ في اللغة لما سكت الرسول ص عن تخطئته وخامسها أنه يقال ما في ملكي فهو صدقة وما في بطن جاريتي فهو حر وهو يتناول الإنسان وسادسها اأنها لو كانت مختصة بغير من يعلم لما كان لقوله تعالى من دون الله فائدة لأنه إنما يحتاج إلى الاحتراز حيث يصلح الاندراج قوله الخطاب كان مع العرب وهم ما كانوا يعبدون الملائكة والمسيح

    ج ٣ ص ٢٠٢قلنا الرواية المشهورة أنه قد كان من العرب من يعبد الملائكة

  11. والمسيح وقد ذكر الواحدي وغيره ذلك في سبب نزول هذه الآية ولأن هذه الآية لو كانت خطابا مع عبدة الأوثان فقط لما جاز توقف النبي ص عن تخطئة السائل قوله كل أحد يعلم أن تعذيب الرجل بجرم الغير لا يجوز قلت نعم لكن ألا يصح دخول الشبهة في أأولئك المعبودين كانوا راضين بذلك أم لا وعند ذلك يصح السؤال قوله هذه الرواية من باب الآحاد قلنا لا نسلم فإن المفسرين اتفقوا على ذكرها في سبب نزول هذه الآية وذلك يدل على الإجماع سلمنا أنه من الآحاد لكنا بينا أن التمسك بالأدلة اللفظية أينما كان لا يفيد إلا الظن ورواية الآحاد صالحة لذلك والله أعلم وأما المعقول فمن وجهين

    ج ٣ ص ٢٠٣أحدهما وهو أن نقول لأبي علي وأبي هاشم لو لم يجز تأخير بيان التخصيص في الأعيان لما جاز تأخير بيان التخصيص في الأزمان لكن جاز هذا فجاز ذلك بيان الملازمة أنه لو لم يجز تأخير بيان المخصص في الأعيان لكان ذلك لأن تأخيره يوهم العموم وهو جهل وهذا المعنى قائم في تأخير المخصص في الآزمان فعدم الجواز هناك يقتضي عدم الجواز ها هنا فإن قيل الفرق من وجهين الأول

  12. أن الخطاب المطلق معلوم أن حكمه مرتفع لعلمنا بانقطاع سبب التكليف وليس كذلك المخصوص وثانيهما أن احتمال النسخ في المستقبل لا يمنع المكلف في الحال من العمل أما أن احتمال التخصيص في الحال يمنعه من العمل لأنه لا يدرى أنه هل هو مندرج تحت الخطاب أم لا والجواب عن الأول

    ج ٣ ص ٢٠٤أن الله تعالى لو قال لنا صلوكل يوم جمعة لاقتضى ظاهره الدوام فإذا خرج منه ما بعد الموت للدلالة بقي الباقي على ظاهره فإن جاز أن يكون حكم الخطاب مرتفعا مع الحياة والتمكن ولا يدل البتة على ذلك وإن كان ظاهر الخطاب يتناوله جاز مثله في العموم وعن الثاني أن الفرق الذي ذكرتموه إنما يظهر لو أخر الله تعالى البيان عن وقت الحاجة أما إذا أخره عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة لم يجب على المكلف الاستغال لأن بالفعفلا حاجة في ذلك الوقت إلى تمييز المكلف به غن غيره كما لا حاجة هناك إلى تمييز وقت التكليف عن غيره الدليل الثاني أجمعنا على أنه يجوز أن يأمر الله تعالى المكلفين بالأفعال مع أن كل واحد منهم يجوز أن يموت قبل وقت الفعل فلا يكون مرادا بالخطاب وفي ذلك تشكيك فيمن أريد بالخطاب وهذا هو تخصيص ولم يتقدم بيانه

    ج ٣ ص ٢٠٥واحتج أبو الحسين رحمه الله على المنع من تأخير بيان ماله ظاهر اذا استعمل في غيره بوجهين الأول أن العموم خطاب لنا في الحال بالإجماع والمخاطب إما أن لا يقصد إفهامنا في الحال أو يقصد ذلك والأول باطل لوجوه أحدها إنه إن لم يقصد إفهامنا انتقض كونه مخاطبا لأن المعقول من قولنا إنه مخاطب لنا أنه قد وجه الخطاب نحونا ولا معنى لذلك إلا أنه قصد إفهامنا وثانيها أنه لو لم يقصد إفهامنا في الحال مع أن ظاهره يقتضي كونه خطابا لنا في الحال لكان قد أغرانا بأن نعتقد أنه قد قصد إفهامنا في الحال فيكون قد قصد أن نجهل لأن من خاطب قوما بلغتهم فقد أغراهم بأن يعتقدوا فيه أنه قد عنى ما عنوه وثالثها أنه لو لم يقصد إفهامنا لكان عبثا لأن الفائدة في الخطاب إفهام المخاطب ورابعها أنه لو جاز أن لا يقصد إفهامنا بالخطاب جازت مخاطبة العربي

    ج ٣ ص ٢٠٦بالزنجية وهو لا يحسنها إذا كان غير واجب إفهام المخاطبين بل ذلك

  13. أولى بالجواز لأن الزنجية ليس لها ظاهر عند وقد العربي يدعوه إلى اعتقاد معناه ولو جازت مخاطبة العربي بالزنجية وبين له بعد مدة جازت مخاطبة النائم وبين له بعد مدة ان يقصد الإنسان بالتصويت والتصفيق شيئا يبينه بعد مدة فإن قلت خطا ب الزنج لا يفهم منه العربي شيئا فلم يجز أن يخاطبوا به وليس كذلك خطاب العربي بالمجمل لأن العربي يفهم منه شيئا ما لأن قول الله تعالى وأقيموا الصلاة قد فهم منه الأمر بشئ وإن لم يعرف ما هو قلت فإن جاز أن يكون اسم الصلاة واقعا على الدعاء ويريد الله به غيره ولا يبين لنا جاز أن يكون ظاهر قوله تعالى أقيموا للأمر ولا يستعمله في الأمر ولا يبين لنا ذلك وفي ذلك مساواته لخطاب الزنج لأنا لا نفهم منه شيئا أصلا وأما القسم الثاني وهو أنه أراد إفهامنا في الحال فلا يخلو إما أن يريد أن يفهم أن مراده ظاهره أو غير ظاهره

    ج ٣ ص ٢٠٧فإن أراد الآول فقد أراد منا الجهل وإن أراد الثاني فقد أراد منا مالا سبيل إليه ثم قال أبو الحسين وهذه الدلالة تتناول العام المستعمل في الخصوص والمطلق المفيد للتكرار المنسوخ والأسماء والنقولة إلى الشريعة والنكرة إذا أريد بها شئ معين لأن الكل مستعمل في خلاف ظاهره الثاني

  14. لو جاز أن يريد بالعموم الخصوص ولا يبين لنا ذلك في الحال ولا يشعرنا بأنه بخلافه لم يكن لنا طريق إلى معرفة وقت الفعل الذي يقف وجوب البيان عليه لأنه لو قيل لنا صلوا غدا جوزنا أن يكون المراد بقوله غدا بعد غد وما بعده أبدا لأن كل ذلك يسمى غدا مجازا ولا يبينه لنافلا يقف وجوب البيان على غاية وفيه تعذر علمنا بالمراد بالخطاب

    ج ٣ ص ٢٠٨فإن قلت إذا بين في غد صفة العبادة ثم قال افعلوها الآن علمنا أنه يجب فعلها في ذلك الوقت قلت لا يصح لكم ذلك لأنه يجوز أن يكون عنى بقوله الآن وقتا متراخيا حتى على طريق المجاز ولا يبينه لنا في الحال كما جاز مثله في سائر الألفاظ والجواب عن الآول من حيث المعارضة ومن حيث الجواب اما المعارضة فمن ثلاثة أوجه أحدها أن العموم خطاب لنا في الحال مع إنه لا يجوز اعتقاد استغراقه عند سماعه بل لا بد من أن نفتش الأدلة السمعية والعقلية فننظر هل فيها ما يخصه أم لا فإن لو يوجد فيها ما يخصه + قضى بعمومه وفي زمان التوقف الخطاب بالعموم قائم مقامه مع إنه لا يجوز اعتقاد ظاهره فانتقض قولكم أجاب أبو الحسين رحمه الله عنه بأن من لم يجوز أن يسمع الكلف

  15. العام دون الخاص لا يلزمه هذا السؤال ومن جوز ذلك فله أن يجيب عن

    ج ٣ ص ٢٠٩السؤال بأن ما يعلمه المكلف من كثرة الأدلة والسنن يجوز معه أن يكون فيها ما يدل على أن المراد بالخطاب غير ظاهره فيصير ذلك كالإشعار بالتخصيص والجواب أما أنه لا يجوز أن يسمع المكلف العام دون الخاص فهذا المذهب باطل عندك وتخريج النقض بالمذهب الباطل باطل وأما قوله علمه بكثرة السنن كالإشعار بالتخصيص قلنا فإذا جوزت أن يكون تجويزه لقيام المخصص في الحال مانعا له من اعتقاد الاستغراق في الحال فلم لا يجوز أن يكون تجويزه لحدوث المخصص في ثاني الحال مانعا له من اعتقاد الاستغراق في الحال فهذا أول المسألة وثانيها أجمعنا على أنه يجوز تأخير بيان المخصص بزمان قصير وأن تعطف جملة من الكلام على جملة أخرى ثم تبين الجملة الأولى عقيب الثانية وأن يبين المخصص بالكلام الطويل وهذه الصور الثلاثة نقض على ما ذكره

    ج ٣ ص ٢١٠فإن قلت أنا لا نجوز تأخير البيان إلا مقدار ما لا ينقطع عن السامع توقع شرط يرد على الكلام وإنما نجوز البيان بالطويل من القول أو الفعل إذا لم يتم البيان إلا بهما وإذا لم يتم إلا كذلك لم يكن فيه

  16. تأخير البيان قلت إن ظاهر لفظ العموم يفيد الاستغراق فحال ما سمع ذلك اللفظ يتوجه عليه التقسيم الذي ذكره أبو الحسين من أنه إما أن يكون غرض المخاطب به الإفهام أو لا يكون غرضه الإفهام والثاني باطل فتعين الأول فإما أن يكون غرضه إفهام ما أشعر به الظاهر فيكون مريدا للجهل أو غيره فيكون طالبا ما لا سبيل إليه فإن قلت تجويز السامع أن يأتي المتكلم بعد ذلك الكلام بشرط أو استثناء يمنعه من حمل هذا اللفظ على ظاهره قلت فلم لا يجوز أن يقال في مسألتنا تجويز السامع أن يأتي المتكلم حال إلزام التكليف بدليل مخصص يمنعه من حمل اللفظ على ظاهره وهذا أول المسألة وثالثها أنا نجوز أن يأمر الله تعالى المكلفين بالأفعال مع أن كل واحد

    ج ٣ ص ٢١١منهم يجوز أن يموت قبل وقت الفعل فلا يكون مرادا بالخطاب وفي ذلك شككنا فيمن أريد بالخطاب وهذا تخصيص لم يتقدم بيانه البتة ورابعها أن غير أبي الحسين من المعتزلة اتفقوا على جواز تأخير بيان النسخ إجمالا وتفصيلا وحينئذ ينتقض دليلهم به لأن اللفظ إذا أفاد الدوام مع أن الدوام غير مراد فإن أراد ظاهره فقد أراد الجهل وإن أراد غير ظاهره فقد أراد ما لاسبيل إليه

  17. وما يذكرونه من الفرق فقد ذكرناه وأجبنا عنه وأما من حيث الجواب فمن وجهين الأول أن نقول ما المراد من قولك المخاطب إما أن يكون غرضه إفهامنا أو لا يكون غرضه ذلك إن عنيت بالإفهام إفادة القطع واليقين فليس غرضه ذلك بل غرضه منه الإفهام بمعنى إفادة الاعتقاد الراجح والظن الغالب الغالب مع تجويز نقيضه فلم قلت إنه على هذا التقدير يكون عابثا ويكون مغريا بالجهل

    ج ٣ ص ٢١٢وبهذا الجواب يظهر الفرق بين ما إذا كان الغرض ذلك وبين خطاب العربي بالزنجية لأن هناك لا يمكن أن يكون الغرض إفادة الاعتقاد الراجح فإنه لا يفهم منه شيئا وإن عنيت به أن غرضه إفادة الاعتقاد الراجح كيف كان أعني القدر المشترك بين الاعتقاد الراجح المانع من النقيض وبين الاعتقاد الراجح المجوز للنقيض فهذا مسلم ولكن هذا القدر لا يمنع من ورود المخصص لأنه لو امتنع لكان ذلك الاعتقاد مانعا من النقيض مع أنا فرضناه غير مانع منه ثم الذي يدل على أن الغرض من الخطاب إفادة أصل الاعتقاد الراجح لاإفادة تعالى الاعتقاد الراجح المانع من النقيض هو أن دلالة الأدلة اللفظية تتوقف على كون النحو واللغة والتصريف منقولا بالتواتر على عدم الاشتراك والمجاز والتخصيص والنسخ والإضمار والنقل والتقديم والتأخير وعدم المعارض العقلي والنقلي وكل هذه المقدمات

  18. طني وما يتوقف على الظني أولى أن يكون ظنيا فثبت أن الدلائل اللفظية لا تفيد إلا الاعتقاد الراجح وهذا القدر لا ينافيه احتمال ورود المخصص بعده

    ج ٣ ص ٢١٣ومما يحقق ذلك أن الغيم الرطب في الشتاء يفيد ظن نزول المطر ثم قد لا يوجد في بعض الأوقات ثم لا يكون هذ العدم قادحا في ذلك الظن وإلا لتوقف تحقق ذلك الظن على انتفاء هذا العدم فحينئذ يكون ذلك الظن قطعا لا ظنا هذا خلف فكذا ها هنا اللفظ العام لا يفيد إلا ظن الاستغراق وهذا القدر لا يمنع من حدوث المخصص والله أعلم الوجه الثاني في الجواب أن اللفظ العام إن وجد مع المخصص دل المجموع الحاصل منه ومن ذلك المخصص على الخاص وإن وجد خاليا عن المخصص دل هو مع عدم المخصص على الاستغراق وذلك متردد بين هاتين الحالتين على السواء فهو بالنسبة إلى هاتين الحالتين كاللفظ المشترك بالنسبة إلى مفهوماته والمتواطئ بالنسبة إلى جزئياته فكما أنه يجوز عند أبي الحسين ورود اللفظ المشترك والمتواطئ خاليا عن البيان لأنه يفيد أن المراد أحد تلك المسميات فكذا ها هنا اللفظ العام قبل العلم بأنه وجد معه المخصص أو عدم نعلم أن المراد إما العموم أو الخصوص ونعلم أن هذا اللفظ إن وجد معه المخصص أفاد الخاص وإن وجد معه عدم المخصص أفاد العام فلا فرق بينه وبين المشترك فكما جاز تأخير البيان هناك جاز ها هنا

    ج ٣ ص ٢١٤فإن قلت هذا عود إلى القول بأن هذه الصيغة مشتركة بين العموم والخصوص ونحن الآن في التفريغ على أنها للعموم فقط قلت لا نسلم أن هذا عود إلى القول بالاشتراك وذلك ل أنا نسلم أنها وحدها موضوعة للاستغراق وبهذا الكلام انفصلنا عن القائلين بالاشتراك لكنا نقول لا نزاع في حسن ورود المخصص ولا نزاع في أنه عند ورود المخصص لا يفيد إلا الخاص فإذا شككنا في وجود المخصص وعدمه لزمنا أن نشك في أنه هل يفيد الاستغراق أم لا لأن الشك في الشرط شك في المشروط فأين هذا القول من مذهب القائلين بالاشتراك والجواب عن الثاني أن اللفظ وإن كان محتملا إ أنه قد يوجد من القرائن ما يفيد القطع بأن المراد من اللفظ ظاهره وعلى هذا التقدير يزول السؤال فإن لم يوجد شئ من هذه القرائن وحضر الوقت الذي دل ظاهر الصيغة على أنه وقت العمل وجب عليه العمل لأن الظن قائم مقام العلم في اقتضاء وجوب العمل في الحال ولكنه لا يقوم مقامه فيما لا يتعلق به العمل فظن كون اللفظ دالا على وجوب العمل في الحال يكفي في القطع بوجوب العمل في الحال ولكن ظن عدم المخصص لا يكفي في القطع بعدم المخصص فظهر الفرق والله أعلم

    ج ٣ ص ٢١٥المسألة الثالثة

  19. وأما الخطاب الذي لا ظاهر له وهو الاسم المشترك كالقرء بين الطهر والحيض فإن له ظاهرا من وجه دون وجه أما الوجه الذي يكن ظاهرا فيه فهو أنه يفيد أن المتكلم لم يرد شيئا غير الطهر وغير الحيض وأنه أراد إما هذا وإما هذا فمن فإن هذا الوجه لا يحتاج إلى بيان وأما الوجه الذي يكون غير ظاهر فهو أنه لا يفيد أي الأمرين إرادة المتكلم الطهر أو الحيض ولا يجب أن يقترن به بيان في الحال والدليل عليه أن الاسم المشترك يفيد أن المراد إما هذا وإما هذا من غير تعيين وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه لأن الإنسان قد يقول لغيره لي إليك حاجة مهمة أوصيك بها ولا يكون غرضه في الحال إلا الإعلام بهذه الجملة وقد يقول رأيت رجلا في موضع كذا وهو يكره وقوف السامع على عينه أو يكره وقوفه عليه من جهته ولهذا وضع في اللغة ألفاظ مهمة كما وضعت ألفاظ لمعان معينة قال الله تعالى ورسلا لم نقصصهم عليك فيضاعفه له أضعافا كثيرة وأيضا

    ج ٣ ص ٢١٦فقد يحسن من الملك أن يدعو بعض عماله فيقول له قد وليتك البلد الفلاني فاخرج إليه في غد وأنا أكتب إليك بتفصيل ما تعمله ويحسن من أحدنا أن يقول لغلامه أنا آمرك أن تخرج إلى السوق يوم الجمعة وتبتاع ما أبينه لك يوم الجمعة ويكون القصد بذلك التأهب لقضاء الحاجة

  20. والعزم عليها وهذا هو نظير ما اخترناه من تأخير بيان المجمل وإذا كان كذلك ثبت أنه يجوز إطلاق اللفظ المشترك من غير بيان التعيين فإن قلت الغرض من التكليف هو الفعل والعلم والاعتقاد تابعان وهذا الإبهام يخل بالتمكين من الفعل قلت الغرض من التكليف قبل الوقت هو العلم لا الفعل ف أما في وقت الحاجة فالغرض هو الفعل وهناك يجب البيان احتجوا بأنه لو حسنت المخاطبة بالاسم المشترك من غير بيان في الحال لحسنت مخاطبة العربي بالزنجية مع القدرة عل مخاطبته بالعربية

    ج ٣ ص ٢١٧ولا يبين له في الحال والجامع أن السامع لا يعرف مراد المتكملم عمر بهما على حقيقته فإن قلت الفرق أن العربي لا يفهم من الزنجية شيئا وها هنا يفهم أن المراد أحد معنيي الاسم قلت إما أن تعتبروا في حسن الخطاب حصول العلم بكمال المراد أو تكتفوا بمعرفة المراد من بعض الوجوه والأول يقتضي امتناع تأخير بيان المجمل والثاني

  21. يوجب حسن مخاطبة العربي بالزنجية لأن العربي إذ عرف لغة الزنجي المخاطب له علم أنه قد أراد بخطابه شيئا ما إما الأمر وإما النهي وإما غيرهما والجواب أن المعتبر في حسن الخطاب أن يتمكن السامع من أن يعرف به ما أفاده الخطاب وهذا التمكن حاصل في الاسم المشترك لأنه موضوع لأحد هذين المعنيين والراجع فهم ذلك منه بخلاف العربي فإنه لا يتمكن

    ج ٣ ص ٢١٨من أن يعرف ما وضع له خطاب الزنج فوضح الفرق والله أعلم المسألة الرابعة يجوز أن يؤخر الرسول عليه السلام تبليغ ما يوحى إليه إلى وقت الحاجة وقال قوم يجب تقديمه عليه لنا أن في المشاهد قد يكون تقديم الإعلام على حضور وقت العمل قبيحا وقد يكون ترك التقديم قبيحا وقد يكون بحيث يجوز الأمران وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يعلم الله تعالى اختلاف مصلحة المكلفين في تقديم الإعلام وفي تركه فيلزم ان لا يكون التقديم واجبا على الإطلاق احتجوا بقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك والأمر للفور

  22. والجواب لا نسلم أنه للفور سلمناه لكن المراد بذلك هو القرآن لأنه هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل من الله تعالى والله أعلم