* رابعا: المصالح المرسلة

١٣ فقرة، ج ١ ص ٤١٦

  1. كان منهج الإمام أحمد التمسك بما عليه السلف الصالح، يأخذ بفتاواهم المنصوص عليها، فإذا لم يجد نصًّا لهم أخذ بمناهجهم، واتبع مثل طريقهم، حتى يكون دائمًا مستضيئًا بمشكاتهم، وقد أخذوا بالمصلحة سبيلًا من سبل الفتوى، فحق عليه أن يأخذ بها. وقد أخذ بها في كثير من المسائل (٥) ، ومن الأمثلة على ذلك: جمع القرآن الكريم في المصحف، تضمين الصانع،

    ج ١ ص ٤١٧قتل الجماعة بالواحد، ومنع بيع أمهات الأولاد.

    1. (٥)"ابن حنبل" لأبي زهرة صـ ٣٤٧ بتصرف يسير.
    ج ١ ص ٤١٦
  2. وقد أخذ بها رحمه اللَّه في السياسة الشرعية بشكل عام -وهي ما ينهجه الإمام لإصلاح الناس، وحملهم على ما فيه مصلحة، وإبعادهم عما فيه مفسدة- وفتاويه التي هي من قبيل السياسة الشرعية كثيرة، منها: نفي أهل الفساد والدعارة إلى بلد يؤمن فيه من شرهم، ومنها تغليظ الحد على شرب الخمر في نهار رمضان، ومنها عقوبة من طعن في الصحابة، وقرر أن ذلك واجب، وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستنيبه، فإن تاب وإلا كرر العقوبة (١) .

    1. (١)"المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة" صـ ٢٣١.
  3. هل يعتبر الأصحاب من بعد الإمام المصلحة المرسلة دليلًا من الأدلة الشرعية أو لا؟

    قال ابن بدران: واختلف في حجية المصالح المرسلة فذهب أصحابنا إلى اعتبارها (٢) ، وقال ابن قدامة رحمه اللَّه: إنها ليست بحجة (٣) ، وتبعه على ذلك أبو البركات، فقال: المصالح المرسلة لا يجوز بناء الأحكام عليها، قاله ابن الباقلاني وجماعة المتكلمين وهو قول متأخري أصحابنا أهل الأصول والجدل، وقال مالك: يجوز ذلك (٤) .

    1. (٢)"المدخل" لابن بدران صـ ٣٠٠.
    2. (٣)"روضة الناظر" ٢/ ٥٤، تحقيق: الدكتور عبد الكريم النملة.
    3. (٤)"المسودة" ٢/ ٨٣٠.
  4. وأما ابن القيم رحمه اللَّه فإنه حينما عدّ أصول فتاوى الإمام أحمد، رحمه اللَّه، لم يذكر المصالح المرسلة (٥) مثها، ولكننا حينما نقرأ في

    ج ١ ص ٤١٨كثير من كتبه نجده يذكر المصالح، وأن الشريعة جاءت لتحقيقها، وهو من مجتهدي الحنابلة وأئمتهم (١) ، وقد قال: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها (٢) .

    1. (٥)لأنه يرى أنه داخل في باب القياس الصحيح.
    2. (١)"أصول الإمام أحمد" د. عبد اللَّه التركي ص ٤٧٣.
    3. (٢)"إعلام الموقعين" ٣/ ١٤، وانظر: "شرح أصول فتاوى الإمام أحمد للإمام ابن القيم" من تصنيف الأخ الشيخ مجدي حمدي.
  5. كما يستدلون بما جاء عنه في "الطرق الحكمية" وفي أثناء كلامه على جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية، نقل كلام ابن عقيل، مقرًّا له ومستدلًا به، ثم يعلق على ذلك ابن القيم رحمه اللَّه بأن قال: فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع اللَّه ودينه (٣) .

    1. (٣)"الطرق الحكمية" ص ١٣.
  6. وجاء عنه قوله: وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات بالشروط، أمر قد تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف (٤) .

    1. (٤)"إعلام الموقعين" ٣/ ٣٩٩.
  7. أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه فقد جاء عنه في "الفتاوى" في إجاباته: بأن اللَّه بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها (٥) .

    1. (٥)"مجموع الفتاوى" ٢٩/ ٢٧١.
  8. وأما ابن بدران في تعليقه على "الروضة" فقد قال: والمختار عندي اعتبار أصل المصالح المرسلة، ولكن الاسترسال فيها وتحقيقها يحتاج إلى نظر

    ج ١ ص ٤١٩سديد وتدقيق (١) .

    1. (١)انظر "روضة الناظر مع الشرح" ١/ ٤١٦.
  9. وخلاصة الأمر: أن الحنابلة لا يهدرون المصالح في فتاواهم ودراساتهم، ولكن ما دامت مصالح شهد لها الشرع بعمومات، أو قواعد كلية وأصول عامة، أو اعتبر جنسها، فهي في الواقع غير مستقلة ببناء الأحكام عليها.

  10. هذا، وقد اشترط الحنابلة للعمل بالمصالح المرسلة شروطًا، هي:

    ١ - أن تكون المصلحة متفقة مع مقاصد الشارع الإسلامي، بأن تكون ملائمة للمصلحة التي أخذ بها السلف الصالح، رضي اللَّه عنهم، وبالأولى لا تنافي أصلًا ولا دليلًا من أدلته، بل تكون متفقة مع المصالح التي قصد الشارع إلى تحصيلها، بأن تكون من جنسها، وليست غريبة عنها، وإن لم يشهد لها دليل خاص.

  11. ٢ - أن يكون بالأخذ بها رفع حرج لازم في الدين، فلو لم يؤخذ بالمصلحة في موضعها لكان الناس في حرج، واللَّه تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: ٧٨] .

  12. ٣ - يشترط أن تكون معقولة في ذاتها، جرت على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على أهل العقول تلقوها بالقبول.

  13. ٤ - أن لا تكون فيما نص عليه، ولا يعارض التشريع بها نصًّا ولا إجماعًا. ويمكن أن نشير إلى نقطة أخرى قد تطرق إليها علماء الأصول وهي المصالح والنصوص (٢) .

    1. (٢)"المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة" ص ٢٣٤.