وأما الصلاة عند القبور، والصلاة إليها، أو اتخاذ المساجد على القبور، أو إيقاد المصابيح عليها:

٢٤ فقرة، ج ١ ص ٩

  1. وأما الصلاة عند القبور، والصلاة إليها، أو اتخاذ المساجد على القبور، أو إيقاد المصابيح عليها: فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وغيرهم من الأئمة في ذلك النهي والتغليظ ولعنة من يفعل ذلك وذِكْر أنهم شِرار الخلق، ما قد استفاض بل تواتر عن أهل العلم بسننه، وإن كان كثير (١) من الناس لا يعلمون ذلك.

    ج ١ ص ٩
  2. فروى جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» . رواه مسلم في صحيحه (٢) .

  3. وعن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. أخرجه البخاري (١) .

    ج ١ ص ١٠
  4. وعنها أيضًا قالت: لما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت بعض نسائه كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير [فيها] (٢) ، فرفع رأسه فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ثم صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق يوم القيامة» . أخرجاه في الصحيحين (٣) .

  5. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . أخرجاه (١) .

    ج ١ ص ١١
  6. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل به قال: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . أخرجاه في الصحيحين (٢) .

  7. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله زوّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» . رواه الإمام أحمد (٣) ، وأبو داود (٤) ، والنسائي (٥) ،

    ج ١ ص ١٢والترمذي (١) وقال: حديث حسن (٢) .

  8. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مِن شِرار الخلق مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، ومَن يتخذ القبور مساجد» ، وفي لفظ: «والذين يتخذون القبور مساجد» . رواه الإمام أحمد (٣) بإسناد صحيح.

  9. فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بخمس أن يتخذوا القبور مساجد، وبيّن أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأنه هو صلى الله عليه وسلم نهانا أن نتخذ القبور مساجد؛ لئلا يعتقد أحد أن هذا مما يقتدى بهم فيه، فإن الله أخبر عنهم بذلك في قوله: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: ٢١] .

    ج ١ ص ١٣
  10. ثم إنه صلى الله عليه وسلم وقت لقاء ربه لعن الكتابيين الذين اتخذوا القبور مساجد؛ ليعتبر بذلك ولا يتخذ قبره ولا قبر غيره مسجدًا. ولهذا لما قبضه الله إلى كرامته دفن في بيته ولم يبرز قبره؛ لئلا يقصده الناس للصلاة عنده ويتخذوه مسجدًا، فإنه قد جاء عنه أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (١) . وقال: «لا تتخذوا قبري [عيدًا،

    ج ١ ص ١٤ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا] ، وصلوا عليّ حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (١) .

  11. وكانت حجرة عائشة رضي الله عنها خارجة عن مسجده، فلما كان في زمان الوليد بن عبد الملك اشترى حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من قِبْلِيِّ المسجد ومن شرقيِّه، وهدّها وزادها في المسجد. وسد حجرة عائشة، وبنى عليها حائطًا بعد حائط، وحرّف حائطها عن القبلة، وجعل مؤخرها مسنّمًا؛ كل ذلك لئلا يصلَّى فيها ولا إليها. ومع هذا، لقد أنكر سعيد بن المسيب وغيره على الوليد في هدم الحجر وإدخالها في المسجد.

  12. ثم إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند القبور وإليها. فعن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلّوا إلى القبور، ولا تجلسوا

    ج ١ ص ١٥عليها» . رواه مسلم (١) في صحيحه، وغيره.

  13. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمّام» . رواه الإمام أحمد (٢) ، وأبوداود (٣) ، والترمذي (٤) ، وابن ماجه (٥) ، وإسناده جيد.

    وروى الترمذي (٦) وابن ماجه (٧) وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها ... » ، وذكر منها «المقبرة» .

  14. فهذا بعض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ما جاء عن الصحابة والتابعين وسائر أئمة المؤمنين فكثير، فنذكر بعضه:

    ج ١ ص ١٦قال البخاري في صحيحه: رأى عمر أنسًا يصلي عند قبر، فقال: القبر القبر. قال: فتنحيت عن القبر (١) .

    وقال علي بن أبي طالب: لا يصلى في حمّام ولا عند قبر. ذكره أبو عبد الله ابن حامد (٢) .

  15. وعن علي بن أبي طالب أيضًا موقوفًا ومرفوعًا قال: شِرار الناس من يتخذ القبور مساجد. رواه عبد الرزاق (٣) .

  16. وعن ابن عمر وابن عباس كراهة الصلاة عند المقبرة (٤) .

  17. وعن زيد بن ثابت أنه مات له ابن، وأن جارية لهم وغلامًا اشترى جصًّا وآجُرًّا، فقال زيد: ما تريد إلى هذا؟ قال: أريد أن أجصّص قبره، وأن أبني عنده مسجدًا.

    ج ١ ص ١٧فقال: حقرت ونقرت (١) ، لا تقرب شيئًا مسّته النار. ونهاه أن يبنيَ عنده مسجدًا (٢) . رواه حرب الكرماني.

  18. والأحاديث في هذا كثيرة. وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تشريف القبور والبناء عليها، وأمر بتسويتها (٣) .

  19. وعن علي بن أبي طالب عن أبي هياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته. رواه الإمام أحمد (٤) ، ومسلم في صحيحه (٥) ، وغيرهما. وفي رواية لأحمد (٦) عن علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سواه، ولا صورة إلا

    ج ١ ص ١٨لطخها؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله. قال: فانطلق ثم رجع، فقال: يا رسول الله لم أدع بها وثنًا إلا كسرته، ولا قبرًا إلا سويته، ولا صورة إلا لطختها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد لصنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد» .

  20. وعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور. رواه مسلم (١) في صحيحه.

  21. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أولاً نهى عن زيارة القبور، ثم إنه أذن في ذلك وعلّمهم ما يقولون.

  22. وعن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا بكم إن شاء الله لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» (٢) . وكان صلى الله عليه وسلم إذا زار أهل البقيع أو غيره

    ج ١ ص ١٩يقول هذا. وفي رواية (١) : «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنّا بعدهم» . وفي رواية (٢) : «يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر» .

  23. فهذا ونحوه يتضمن السلام عليهم والدعاء لهم وللزائر معهم، هو الذي علّمه أصحابه وهو الذي جاءت به السنة. والله أعلم.

  24. من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى والمسلمين

    سبحانك ربك رب العزة عما يصفون وسلام على

    المرسلين والحمد لله رب العالمين

    رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين يا الله