فصل في الاستغاثة

١٠ فقرات، ج ١ ص ٢٠

  1. الفصل التالي ضمن مجموع رسائل وفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى موجود في المكتبة الظاهرية، ولدى جامعة الكويت صورة عنه تحت رقم (٦٥٢٧) ، من ص (٢٨١-٢٨٢) . فيه كلام عن التوحيد والنهي عن الاستغاثة بغير الله، وهذا الفصل جزء من «مسألة السماع» كما هو في المخطوط. و «مسألة السماع» هذه قد طبعت ضمن «مجموع الفتاوى» (١١/٥٨٧) ، إلا أن هذا الفصل لم يطبع معها، ولم يطبع في مكان آخر سواء كان في «مجموع الفتاوى» أو في غيره -بحسب اطلاعي-. وإنما ورد ملخصًا في «مختصر الفتاوى المصرية» (ص٥٩٦) ، فقارنت بينه وبين المخطوط، واستدركت بعض السقط من المطبوع.

    ج ١ ص ٢٠
  2. تنبيه: ما بين المعقوفين زيادة من «مختصر الفتاوى المصرية» .

  3. فصل

    فأما دعاء غير الله تعالى أو الاستغاثة بغير الله فلا يجوز، وإن جاز أن يتوسل الإنسان برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ [أي في حال حياته لا بعد موته -ولهذا لم يرد عن السلف أنهم توسلوا به بعد موته-، مثل] (١) أن يقول: (اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم شفّعه فيّ) . [على حديث الأعمى، لو صح (٢) ] . ولا يجوز أن يقول: يا رسول الله اغفر لي، ولا ارحمني، ولا تب عليّ، ولا أعنّي، ولا انصرني، ولا أغثني، [ولا افتح عيني من العمى لأبصر بهما] .

    ج ١ ص ٢١
  4. ولا يجوز أن يدعى إلا الله [وحده] ، ولا يعبد إلا الله وحده [لا شريك له] . قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: ١٨] .

    ج ١ ص ٢٢وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا • أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: ٥٦-٥٧] .

    قال عبد الله بن مسعود: كان أقوام (١) يدعون الملائكة وعزيرًا والمسيح، فقال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعون هم يتقربون إليّ كما تتقربون إليّ، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي (٢) .

    وقال الله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ

    ج ١ ص ٢٣تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ • وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ٧٩-٨٠] .

    وقال سبحانه وتعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: ٣١] .

  5. فلا يجوز أن يدعى أحد من [الملائكة ولا النبيين، فكيف] بالمشايخ؟! ولكن حق الرسول [صلى الله عليه وسلم] علينا: أن نؤمن به، ونعزّره، ونوقّره، ونطيعه، ونتبعه، ويكون أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا وأموالنا [وأولادنا] ، وأولى من أنفسنا. وولاة الأمر من المشايخ

    ج ١ ص ٢٤والعلماء والملوك والأمراء [لهم] حقوق، لكن (١) بحسبه فيما أمر الله ورسوله.

  6. وأما العبادة والاستعانة والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والدعاء والتضرع والاستغاثة ونحو ذلك لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: ٥] .

    وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ} [النور: ٥٢] ؛ فالطاعة لله ولرسوله، وأما الخشية والتقوى فلله وحده. وقال نوح عليه السلام: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: ٣] .

    وقال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: ٩] ، وقال: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: ١٢٣] ، وقال: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨] ، وقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: ١٢٢] .

    ج ١ ص ٢٥وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وما شاء محمد. ولكن: ما شاء الله ثم شاء محمد» (١) .

    وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: «أجعلتني لله ندًّا؟! بل ما شاء الله وحده» (٢) .

    وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣) .

  7. وكذلك لا يجوز لأحد أن يحلف بتربة أبيه، ولا بحياة أبيه ولا بحياة نفسه، ولا يجوز لأحد من خلق الله أن يحلف

    ج ١ ص ٢٦بحياة شيخه ولا بحياة رأسه ولا برأس شيخه، ولا بنعمة السلطان، ولا بالسيف، ولا بغير الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت» . أخرجاه في الصحيحين (١) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك به» . رواه الترمذي (٢) وقال: حديث صحيح.

    وقال عبد الله بن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا. (٣) وذلك بأنه إذا حلف بالله فقد جمع سيئة الكذب مع حسنة التوحيد، وإذا حلف بغيره فقد جمع مع الصدق سيئة الشرك، والتوحيد أعظم من الصدق، والشرك أعظم من الكذب.

  8. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسابق ابن الزبير، فإذا سبقه عمر قال: سبقتك ورب الكعبة، فإذا

    ج ١ ص ٢٧سبقه ابن الزبير قال: سبقتك والكعبة. فقال له عمر رضي الله عنه: لو علمت أنك تعمدت ذلك بيمينك لضربتك. (١)

  9. فينبغي للمسلمين أن يعرفوا أصول دينهم وهو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وفروع دينهم في شرعهم ومنهاجهم، فذلك من الدين الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم.

  10. فنسأل الله العظيم أن يوفقنا ولسائر المسلمين بمنه وكرمه وفضله وهو أرحم الراحمين.