المبحث الرابع: في وقت النية
٥٥ فقرة، ج ١ ص ٢٤
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٢٨
مِنْ مُشْكِلَات هَذَا الْأَصْل: مَا سَمِعْته مِنْ بَعْض مَشَايِخِي، أَنَّ الْأَصَحّ إيجَاب نِيَّة سُجُود السَّهْو دُون نِيَّة سُجُود التِّلَاوَة فِي الصَّلَاة، وَعُلِّلَ الْأَخِير بِأَنَّ نِيَّة الصَّلَاة تَشْمَلهُ، وَعِنْدِي: أَنَّ الْعَكْس كَانَ أَوْلَى ; لِأَنَّ سُجُود السَّهْو أَعْلَق بِالصَّلَاةِ مِنْ سُجُود التِّلَاوَة ; لِأَنَّهُ آكَدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ إذَا سَهَا الْإِمَام وَلَمْ يَسْجُد ; بِخِلَافِ مَا إذَا تَلَا الْإِمَام وَلَمْ يَسْجُدْ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ، إنْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: التِّلَاوَةُ مِنْ لَوَازِمِ الصَّلَاةِ، فَكَأَنَّ النَّاوِي عِنْد نِيَّتهَا مُسْتَحْضِر لَهَا، وَفِي ذِكْرِهِ تَعَرُّضٌ لَهَا، وَلَيْسَ السَّهْو نَفْسه مِنْ لَوَازِم الصَّلَاة، بَلْ وُقُوعه فِيهَا خِلَاف الْغَالِب، فَلَمْ يَكُنْ فِي النِّيَّة إيمَاء إلَيْهِ وَلَا ادِّكَارٌ.
-
وَنَظِير ذَلِكَ: فِدْيَةُ الْمَحْظُورَات فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ النِّيَّة. وَلَا يُقَال: يُكْتَفَى بِنِيَّةِ الْإِحْرَام ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ لَوَازِم الْإِحْرَام، وَلَا مِنْ ضَرُورِيَّاته. بِخِلَافِ طَوَاف الْقُدُوم مَثَلًا، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَاهِيَّة الْحَجّ، وَلَا أَبْعَاضه، وَلَا هَيْئَاته، بَلْ هُوَ أَجْنَبِيّ مِنْهُ مَحْض، لَكِنَّهُ مِنْ لَوَازِمه فَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَط لَهُ نِيَّة، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ.
-
وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ: اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الْحَجّ فَهُوَ نَظِير سُجُود التِّلَاوَة فِي الصَّلَاة، ثُمَّ إنِّي تَتَبَّعْت كَلَام الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرهمَا فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَ وُجُوب النِّيَّة فِي سُجُود السَّهْو إلَّا عَلَى الْقَوْل الْقَدِيم أَنَّ مَحِلّه بَعْد السَّلَام. أَمَّا عَلَى الْجَدِيد الْأَظْهَر فَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ أَصْلًا، بَلْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ، فَقَالُوا فِيمَا إذَا سَلَّمَ نَاسِيًا ثُمَّ عَادَ لِلسُّجُودِ هَلْ يَكُون عَائِدًا إلَى الصَّلَاة؟ وَجْهَانِ: أَصَحّهمَا: نَعَمْ، وَالثَّانِي: لَا. فَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَحَرٍّ، وَإِلَّا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَهَذَا كَلَام لَا غُبَار عَلَيْهِ، وَالتَّقْلِيد آفَة كَبِيرَة.
-
وَمِنْ ذَلِكَ: الْوُضُوء الْمَسْنُون فِي الْغُسْل. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا يُعَدّ الْوُضُوء مِنْ مَنْدُوبَات
ج ١ ص ٢٩الْغُسْل إذَا كَانَ جُنُبًا غَيْر مُحْدِث، أَوْ قُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى هَذَا يَحْتَاج إلَى إفْرَاده بِنِيَّةٍ ; لِأَنَّهُ عِبَادَة مُسْتَقِلَّة. وَعَلَى الْأَصَحِّ: لَا. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ نِيَّة الْغُسْل تَكْفِي فِيهِ، كَمَا تَكْفِي نِيَّة الْوُضُوء فِي حُصُول الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ. وَرَأَيْته فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ لِأَبِي خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ، قَالَ: وَهُوَ عَجِيب، فَإِنَّ نِيَّة الْغُسْل عَلَى هَذَا التَّقْدِير لَا بُدَّ أَنْ تُقَارِن أَوَّل هَذَا الْوُضُوء ; إذْ لَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ الْمَأْتِيُّ بِهِ وُضُوءًا، بَلْ وَلَا عِبَادَة.
-
وَنِيَّة الْغُسْل فَقَطْ لَا تَكْفِي، بَلْ لَا بُدّ أَنْ يَنْوِيَ الْغُسْل مِنْ الْجَنَابَة أَوْ نَحْوه. وَإِذَا أَتَى بِذَلِكَ ارْتَفَعَتْ الْجَنَابَة عَنْ الْمَغْسُول مِنْ أَعْضَاء الْوُضُوء بِلَا نِزَاعٍ، لِوُجُودِ الشَّرَائِط، فَيَكُون الْمَأْتِيُّ بِهِ غُسْلًا لَا وُضُوءًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَإِنَّ مَحِلّهمَا غَيْر مَحِلّ الْوَاجِب، فَظَهَرَ انْدِفَاع مَا قَالُوهُ. قَالَ: فَالصَّوَاب مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرهَا: أَنَّهُ إنْ تَجَرَّدَتْ الْجَنَابَة عَنْ الْحَدَث نَوَى بِوُضُوئِهِ سُنَّة الْغُسْل، وَإِنْ اجْتَمَعَا نَوَى بِهِ رَفْع الْحَدَث الْأَصْغَر، لِيَخْرُج مِنْ الْخِلَاف ; وَسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ.
-
وَمِنْ ذَلِكَ: الْأَغْسَال الْمَسْنُونَة فِي الْحَجّ. أَمَّا الْغُسْل لِدُخُولِ مَكَّةَ، فَصَرَّحَ فِي التَّتِمَّةِ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاج إلَى نِيَّة ; لِأَنَّ نِيَّة الْحَجّ تَشْمَلهُ، وَقِيَاسه أَنْ يَكُون غُسْل الْوُقُوف وَمَا بَعْده كَذَلِكَ. وَأَمَّا غُسْلُ الْإِحْرَامِ فَجَزَمَ الْإِمَامُ بِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَى النِّيَّةِ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ أَدْنَى نَظَر.
-
وَفِي الذَّخَائِرِ: فِي صِحَّة غُسْل الْإِحْرَام مِنْ الْحَائِض دَلِيل أَنَّهُ لَا يَحْتَاج إلَى نِيَّة. قَالَ: وَيُفَرَّق بَيْنه وَبَيْن غُسْل الْجُمُعَة بِأَنَّ الْإِحْرَام مِنْ سُنَنه، وَنِيَّة الْحَجّ مُشْتَمِلَة عَلَى جَمِيع أَفْعَاله فَرْضًا وَسُنَّة فَلَا يَحْتَاج إلَى نِيَّة، بِخِلَافِ غُسْل الْجُمُعَة فَإِنَّهُ سُنَّة مُسْتَقِلَّة وَلَيْسَ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاة.
-
وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحّ لَوْ نَوَى الْإِحْرَام أَوَّلًا وَالسُّنَّةُ تَقْدِيمُ الْغُسْل، فَلَا تَنْعَطِف عَلَيْهِ النِّيَّة.
-
وَلِهَذَا صَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلهَا احْتِيَاجه إلَى النِّيَّة، وَإِنْ كَانَ فَرْض الْمَسْأَلَة فِي الْحَائِض فَقَطْ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى انْعِطَاف النِّيَّة فِي الْوُضُوء، فَإِنْ قُلْنَا بِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا، فَلَا يَحْتَاج إلَى النِّيَّة وَإِلَّا فَلَا.
-
وَمِنْ ذَلِكَ: رَكْعَتَا الطَّوَاف يُشْتَرَط فِيهِمَا النِّيَّة قَطْعًا، وَلَا يَنْسَحِب عَلَيْهِمَا نِيَّة الْإِحْرَام لِأَنَّهَا مَحْض صَلَاة، فَافْتَقَرَتْ إلَيْهَا بِخِلَافِ الطَّوَاف، فَإِنَّهُ بِالْوُقُوفِ أَشْبَه، وَلِأَنَّهَا تَابِعَة لِلطَّوَّافِ وَهُوَ تَابِع لِلْإِحْرَامِ فَلَا تَنْسَحِب نِيَّته عَلَى تَابِع التَّابِع، وَهَذَا تَعْلِيل حَسَن ظَرِيف، لَهُ نَظِير فِي الْعَرَبِيَّة.
-
وَمِنْ ذَلِكَ: طَوَاف الْوَدَاع، وَقَدْ حَكَى السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ
ج ١ ص ٣٠لَا يَحْتَاج إلَى النِّيَّة، كَسَائِرِ الْأَرْكَان. وَجَزَمَ ابْنُ الرِّفْعَة بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا، لِأَنَّهُ يَقَع بَعْد التَّحَلُّل التَّامّ.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّج عَلَى الْخِلَاف فِي أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِك أَمْ لَا؟
- تَنْبِيهٌ:
-
تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي طَوَافِ النَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ، بِلَا خِلَافٍ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الِانْدِرَاج. وَعَلَى هَذَا يُقَال: لَنَا عِبَادَة تَجِب النِّيَّة فِي نَفْلهَا دُون فَرْضهَا، وَهُوَ الطَّوَاف وَلَا نَظِير لِذَلِكَ.
- خَاتِمَة:
-
مِنْ نَظَائِر هَذَا الْأَصْل: أَنَّ نِيَّة التِّجَارَة إذَا اقْتَرَنَتْ بِالشِّرَاءِ صَارَ الْمُشْتَرَى مَال تِجَارَة، وَلَا تَحْتَاج كُلّ مُعَامَلَة إلَى نِيَّة جَدِيدَة ; لِانْسِحَابِ حُكْم النِّيَّة أَوَّلًا عَلَيْهِ.