الفصل الثاني: في المضمونات
٢٦ فقرة، ج ١ ص ٣٥٦
- ج ١ ص ٣٥٦
اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُتْلَفَاتِ ضَمَانُ الْمِثْلِ بِالْمِثْلِ، وَالْمُتَقَوِّمِ بِالْقِيمَةِ، وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ صُوَرٌ تُعْرَفُ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ.
-
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَضْمُونَاتِ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ الْغَصْبُ: فَالْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةُ فِي الْمُتَقَوِّمِ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا
ج ١ ص ٣٥٧الثَّانِي الْإِتْلَافُ بِلَا غَصْبٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَخَرَجَ عَنْهُمَا صُوَرٌ:
أَحَدُهَا - الْمِثْلِيُّ الَّذِي خَرَجَ مِثْلُهُ عَنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ قِيمَةٌ، كَمَنْ غَصَبَ أَوْ أَتْلَفَ مَاءً فِي مَفَازَةٍ، ثُمَّ اجْتَمَعَا عَلَى شَطِّ نَهْرٍ، أَوْ فِي بَلَدٍ أَوْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ الْجَمْدَ فِي الصَّيْفِ وَاجْتَمَعَا فِي الشِّتَاءِ، فَلَيْسَ لِلْمُتْلَفِ بَدَلُ الْمِثْلِ بَلْ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْمِثْلِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَفَازَةِ، أَوْ فِي الصَّيْفِ.
-
ثَانِيهَا - الْحُلِيُّ. أَصَحُّ الْأَوْجُهِ: أَنَّهُ يُضْمَنُ مَعَ صَنْعَتِهِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الرِّبَا ; لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي الْعُقُودِ، لَا فِي الْغَرَامَاتِ.
-
ثَالِثُهَا - الْمَاشِيَةُ إذَا أَتْلَفَهَا الْمَالِكُ كُلّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَقَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاؤُهُ، وَيَلْزَمُهُ حَيَوَانٌ آخَرُ، لَا قِيمَتُهُ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ.
-
رَابِعُهَا - طَمُّ الْأَرْضِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ.
-
خَامِسُهَا - إذَا هَدَمَ الْحَائِطَ، لَزِمَهُ إعَادَتُهُ لَا قِيمَتِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَأَجَابَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ.
-
سَادِسُهَا - اللَّحْمُ، فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ. كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ.
-
سَابِعُهَا - الْفَاكِهَةُ ; فَإِنَّهَا مِثْلِيَّةٌ، عَلَى مَا اقْتَضَاهُ تَصْحِيحُهُمْ فِي الْغَصْبِ.
-
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ.
-
ثَامِنُهَا - لَوْ صَارَ الْمُتَقَوِّمُ مِثْلِيًّا بِأَنْ غَصَبَ رُطَبًا، وَقُلْنَا: إنَّهُ مُتَقَوِّمٌ، فَصَارَ تَمْرًا وَتَلِفَ. قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: يَلْزَمُهُ مِثْلُ التَّمْرِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يُتَخَيَّرُ بَيْنَ مِثْلِ التَّمْرِ، وَقِيمَةِ الرُّطَبِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ: إنْ كَانَ الرُّطَبُ أَكْثَرَ قِيمَةٍ: لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ الْمِثْلُ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ أَشْبَهُ وَبَقِيَ صُوَرٌ مُتَرَدَّدٌ فِيهَا مِنْهَا: لَوْ سَجَرَ التَّنُّورَ لِيَخْبِزَ فَصَبَّ عَلَيْهِ آخَرُ مَاءً أَطْفَأَهُ فَفِيهِ أَوْجُهٌ، حَكَاهَا الزُّبَيْرِيُّ فِي الْمُسْكِتِ، وَغَيْرِهِ أَحَدُهَا - يَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْحَطَبِ وَلَيْسَ مَا غَصَبَ وَلَا قِيمَتُهُ ; لِأَنَّهُ غَصَبَ خُبْزًا وَمَا أَشْبَهَ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا حَكَمَ بِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قِصَّةِ
ج ١ ص ٣٥٨صَاحِبِ الْغَنَمِ الَّتِي أَكَلَتْ زَرْعَ الرَّجُلِ، فَحَكَمَ سَيِّدُنَا دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ بِرِقَابِ الْغَنَمِ.
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: بَلْ يَنْتَفِعُ بِدَرِّهَا، وَنَسْلِهَا، وَصُوفِهَا إلَى أَنْ يَعُودَ الزَّرْعُ كَمَا كَانَ بِإِصْلَاحِ صَاحِبِ الْغَنَمِ، فَيَرُدَّهَا إلَيْهِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: ٧٩] وَالثَّانِي - عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُرَ التَّنُّورَ، وَيَحْمِيَهُ كَمَا كَانَ.
-
وَالثَّالِثُ - عَلَيْهِ قِيمَةُ الْجَمْرِ وَالرَّابِعُ - عَلَيْهِ الْخُبْزُ وَاسْتَشْكَلَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَهْلِكْ الْحَطَبَ وَإِنَّمَا أَتْلَفَ الْجَمْرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَهُوَ كَمَنْ أَحْرَقَ ثَوْبًا لِيَتَّخِذ رَمَادَهُ حِرَاقًا فَأَتْلَفَهُ رَجُلٌ، لَا تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الثَّوْبِ قَبْلَ الْإِحْرَاقِ.
-
وَالثَّالِثُ - بِأَنَّهُ الْجَمْر لَا قِيمَةَ لَهُ مَعْرُوفَةً وَلَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ. قَالَ الزُّبَيْرِيُّ: وَالْأَقْرَبُ وُجُوبُ قِيمَةِ الْجَمْرِ ; لِأَنَّ لَهُ قِيمَةً.
-
وَمِنْهَا: لَوْ بَرَّدَ مَاءً فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَأَلْقَى فِيهِ رَجُلٌ حِجَارَةً مُحْمَاةً فَأَذْهَبَ بَرْدَهُ فَفِي وَجْهٍ - لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَاءٌ عَلَى هَيْئَتِهِ وَتَبْرِيدُهُ مُمْكِنٌ وَفِي آخَر - يَأْخُذُهُ الْمُتَعَدِّي وَيَضْمَنُ مِثْلَهُ بَارِدًا. وَفِي ثَالِثٍ - يُنْظَرُ إلَى مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَضْمَنُ التَّفَاوُتَ، ذَكَرَهُ الزُّبَيْرِيُّ أَيْضًا.
قُلْت: أَحْسَنُهَا الثَّالِثُ، وَمِنْهَا: لَوْ بَلَّ خَيْشًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ فَأَوْقَدَ آخَرُ تَحْتَهُ نَارًا حَتَّى نَشِفَ قِيلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْإِثْمِ.
-
وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَة الْمَاءِ الَّذِي بُلَّ بِهِ وَقِيلَ: بَلْ قِيمَةُ الِانْتِفَاعِ بِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ بَارِدًا قَالَ الزُّبَيْرِيُّ: وَهَذَا أَعْدَلُهَا النَّوْعُ الثَّالِثُ الْمَبِيعُ إذَا تَقَايَلَا وَهُوَ تَالِفٌ وَفِيهِ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ وَالْقِيمَةُ فِي الْمُتَقَوِّمِ، جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ الرَّابِعُ الثَّمَن إذَا تَلِفَ وَرُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، فِيهِ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ وَالْقِيمَةُ فِي الْمُتَقَوِّمِ جَزْمًا بِهِ أَيْضًا.
- ج ١ ص ٣٥٩
الْخَامِسُ اللُّقَطَةُ: إذَا جَاءَ مَالِكُهَا بَعْدَ التَّمَلُّكِ، وَهِيَ تَالِفَةٌ فِيهَا الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةُ فِي الْمُتَقَوِّمِ، جَزْمًا بِهِ أَيْضًا السَّادِسُ الْمَبِيعُ: إذَا تَخَالَفَا وَفَسَخَ، وَهُوَ تَالِفٌ: أَطْلَقَ الشَّيْخَانِ وُجُوبَ الْقِيمَةِ فِيهِ، فَشَمِلَ الْمِثْلِيَّ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ وَجْهٌ صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ فِي، الْمَطْلَبِ: وُجُوبُ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ السَّابِعُ الْمَقْبُوضُ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ، أَطْلَقَ الشَّيْخَانِ وُجُوب الْقِيمَةِ فِيهِ، فَيَشْمَلُ الْمِثْلِيَّ وَغَيْرَهُ ; وَهُوَ وَجْهٌ صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَادَّعَى الرُّويَانِيُّ: الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ غَرِيبٌ مَرْدُودٌ وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وُجُوبُ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ قَالَ: وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: " إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ السُّبْكِيُّ الثَّامِن الْقَرْضُ، وَفِيهِ: الْمِثْلُ بِالْمِثْلِيِّ وَكَذَا فِي الْمُتَقَوِّمِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ نَحْوَ الْجَوْهَرِ، وَالْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ إنْ جَوَّزْنَا فَرْضَهُمَا، فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ بِالْقِيمَةِ، وَصَوَّبَهُ السُّبْكِيُّ.
-
التَّاسِعُ: مَا أَدَّاهُ الضَّامِنُ عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، حَيْثُ ثَبَتَ الرُّجُوعُ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْقَرْضِ - حَتَّى يَرْجِعَ فِي مِثْلِ الْمُتَقَوِّمِ صُورَةً.
-
الْعَاشِرُ: الْعَارِيَّةُ -: أَطْلَقَ الشَّيْخَانِ وُجُوبَ الْقِيمَةِ فِيهَا، فَشَمِلَ الْمُتَقَوِّمَ وَالْمِثْلِيَّ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ فِي الْمُهَذَّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَجَزَمَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي كُتُبِهِ كُلِّهَا بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ. وَقَالَ فِي بَعْضِهَا إنَّهُ أَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ وَصَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ.
- تَنْبِيهٌ:
-
الْمُسْتَعَارُ لِلرَّهْنِ يُضْمَنُ فِي وَجْهٍ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: بِالْقِيمَةِ وَفِي وَجْهٍ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: بِمَا بِيعَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ، فَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ بِالْقِيمَةِ.
-
الْحَادِيَ عَشَرَ: الْمُسْتَامُ، وَفِيهِ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا.
-
الثَّانِي عَشَرَ: الْمُعَجَّلُ فِي الزَّكَاةِ: إذَا ثَبَتَ اسْتِرْدَادُهُ، وَهُوَ تَالِفٌ، وَفِيهِ الْمِثْلُ، أَوْ الْقِيمَةُ جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ، لَكِنْ صَحَّحَ السُّبْكِيُّ: أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا الثَّالِثُ عَشَرَ الصَّدَاق: إذَا تَشَطَّرَ، وَهُوَ تَالِفٌ: وَفِيهِ الْمِثْلُ، أَوْ الْقِيمَةُ جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ.
-
الرَّابِع عَشَرَ: إذَا تَشَطَّرَ وَهُوَ مَعِيبٌ فَأَطْلَقَ الشَّيْخَانِ وُجُوبَ نِصْفِ الْقِيمَةِ سَلِيمًا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: هَذَا فِي الْمُتَقَوِّمِ.
-
أَمَّا الْمِثْلِيُّ: فَفِيهِ نِصْفُ الْمِثْلِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَطْلَبِ.
-
الْخَامِسُ عَشَرَ: الصَّيْدُ إذَا تَلِفَ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ، وَفِيهِ الْمِثْلُ صُورَةً، وَالْقِيمَةُ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ وَسَلْبَ الْعَامِلِ فِي صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الْقَدِيمِ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ.
-
السَّادِسُ عَشَرَ: لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ وَفِيهِ التَّمْرُ، لَا مِثْلُهُ، وَلَا قِيمَتُهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَنَا شَيْءٌ يُضْمَنُ بِغَيْرِ النَّقْدِ، إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ.
-
إحْدَاهُمَا - لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ، وَالْأُخْرَى: إذَا جُنِيَ عَلَى عَبْدٍ فَعَتَقَ، وَمَاتَ ضُمِنَ لِلسَّيِّدِ الْأَقَلُّ مِنْ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ مِنْ إبِل الدِّيَةِ.