فائدة: ترجيح الحاكم قولا منقولا
٧ فقرات، ج ١ ص ١٠٤
- ج ١ ص ١٠٤
فَائِدَةٌ: قَالَ السُّبْكِيُّ: إذَا كَانَ لِلْحَاكِمِ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ وَرَجَّحَ قَوْلًا مَنْقُولًا بِدَلِيلٍ جَيِّدٍ جَازَ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ. وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا عِنْد أَكْثَر الْأَصْحَابِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّاذِّ الْغَرِيبِ فِي مَذْهَبِهِ، وَإِنْ تَرَجَّحْ عِنْده ; لِأَنَّهُ كَالْخَارِجِ عَنْ مَذْهَبِهِ فَلَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ خَارِجٍ عَنْ مَذْهَبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فِي التَّوْلِيَةِ الْتِزَامَ
ج ١ ص ١٠٥مَذْهَبٍ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ أَوْ الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ " عَلَى قَاعِدَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ " وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحّ الْحُكْمُ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَشْمَلْهُ.
-
وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ الْمَعْلُومَ الْمَذْهَبِ إذَا حَكَمَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَكَانَ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ، أَوْ وَقَعَ الشَّكُّ فِيهِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ فَيُنْقَضُ حُكْمُهُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا كَانَ الْحَاكِمُ شَافِعِيًّا وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِي قَضِيَّةٍ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَازَ.
-
وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ السِّيَاسَةَ تَقْتَضِي مُدَافَعَةَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ وَتَمْيِيزَ أَهْلِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ، فَإِنْ فَعَلَ نُقِضَ لِفَقْدِ الِاجْتِهَادِ فِي أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ.
- خَاتِمَةٌ:
-
يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَ نَصًّا، أَوْ إجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَوْ خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ. قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: أَوْ كَانَ حُكْمًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ.
قَالَ: وَمَا خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ. وَهُوَ حُكْمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ نَصُّهُ فِي الْوَقْفِ نَصًّا، أَوْ ظَاهِرًا.
قَالَ: وَمَا خَالَفَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ، فَهُوَ كَالْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ
قَالَ: وَإِنَّمَا يَنْقُضُ حُكْمَ الْحَاكِم لِتَبَيُّنِ خَطَئِهِ، وَالْخَطَأ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ خَالَفَ نَصًّا أَوْ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ، وَقَدْ يَكُونُ الْخَطَأُ فِي السَّبَبِ كَأَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةٍ مُزَوَّرَةٍ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خِلَافَهُ، فَيَكُونُ الْخَطَأ فِي السَّبَبِ لَا فِي الْحُكْمِ، وَقَدْ يَكُونُ الْخَطَأُ فِي الطَّرِيقِ، كَمَا إذَا حَكَمَ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ بَانَ فِسْقُهَا.
-
وَفِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمَعْنَى أَنَّا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ، فَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْخَطَأُ، بَلْ حَصَلَ مُجَرَّدُ التَّعَارُضِ: كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بَعْد الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا، فَلَا نَقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ.
-
وَاَلَّذِي يَتَرَجَّح: أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ، لِعَدَمِ تَبَيُّن الْخَطَأِ.