فصل في الأذان

١١ فقرة، ج ١ ص ٤٢

  1. فَصْلٌ

    وَأَمَّا الْأَذَانُ، الَّذِي هُوَ شِعَارُ الْإِسْلَامِ: فَقَدِ اسْتَعْمَلَ فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ - كأحمد - فِيهِ جَمِيعَ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَحْسَنَ أَذَانَ بلال وَإِقَامَتَهُ، وَأَذَانَ أَبِي مَحْذُورَةَ وَإِقَامَتَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مسلم وَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَلَّمَ أبا محذورة الْأَذَانَ مُرَجَّعًا» . وَفِي صَحِيحِ مسلم: الْإِقَامَةُ مَشْفُوعَةٌ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «أَنَّ بلالا أُمِرَ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» " ، وَفِي السُّنَنِ: " أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُرَجِّعُ " .

    ج ١ ص ٤٢
  2. فَرَجَّحَ أحمد أَذَانَ بلال؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ يُفْعَلُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمًا، قَبْلَ أَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَبَعْدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَاسْتَحْسَنَ أَذَانَ أَبِي مَحْذُورَةَ وَلَمْ يَكْرَهْهُ، وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَمِرٌّ لَهُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِ الْعِبَادَاتِ: أَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا، يَسْتَحْسِنُ كُلَّ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِشَيْءٍ مِنْهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَاخْتِيَارِهِ لِلْبَعْضِ، أَوْ تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا جَوَّزَ الْقِرَاءَةَ بِكُلِّ قِرَاءَةٍ ثَابِتَةٍ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ

    ج ١ ص ٤٣بَعْضَ الْقِرَاءَةِ، مِثْلَ أَنْوَاعِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَنْوَاعِ التَّشَهُّدَاتِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبي موسى وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ، وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ: تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ، لِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ:

    مِنْهَا: كَوْنُهُ أَصَحَّهَا وَأَشْهَرَهَا.

  3. وَمِنْهَا: كَوْنُهُ مَحْفُوظَ الْأَلْفَاظِ، لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَرْفٍ مِنْهُ.

  4. وَمِنْهَا: كَوْنُ غَالِبِهَا يُوَافِقُ أَلْفَاظَهُ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِهِ غَالِبًا.

  5. وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ الْمَأْثُورَةِ، وَإِنِ اخْتَارَ بَعْضَهَا.

  6. وَكَذَلِكَ مَوَاضِعُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَحِلُّ وَضْعِهِمَا بَعْدَ الرَّفْعِ، وَصِفَاتُ التَّحْمِيدِ الْمَشْرُوعِ بَعْدَ التَّسْمِيعِ.

  7. وَمِنْهَا: صِفَاتُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنِ اخْتَارَ بَعْضَهَا.

  8. وَمِنْهَا: أَنْوَاعُ صَلَاةِ الْخَوْفِ، يُجَوِّزُ كُلَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.

  9. وَمِنْهَا: أَنْوَاعُ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ، يُجَوِّزُ كُلَّ مَأْثُورٍ، وَإِنِ اسْتَحَبَّ بَعْضَهُ.

  10. وَمِنْهَا التَّكْبِيرُ عَلَى الْجَنَائِزِ، يُجَوِّزُ - عَلَى الْمَشْهُورِ - التَّرْبِيعَ وَالتَّخْمِيسَ وَالتَّسْبِيعَ، وَإِنِ اخْتَارَ التَّرْبِيعَ.

    ج ١ ص ٤٤
  11. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ فَيَخْتَارُونَ بَعْضَ ذَلِكَ وَيَكْرَهُونَ بَعْضَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ التَّرْجِيعَ فِي الْأَذَانِ، كأبي حنيفة. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ تَرْكَهُ كَالشَّافِعِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ شَفْعَ الْإِقَامَةِ، كَالشَّافِعِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ إِفْرَادَهَا، حَتَّى صَارَ الْأَمْرُ بِأَتْبَاعِهِمْ إِلَى نَوْعِ جَاهِلِيَّةٍ، فَصَارُوا يَقْتَتِلُونَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْمَشْرِقِ عَلَى ذَلِكَ حَمِيَّةً جَاهِلِيَّةً. مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ حَسَنٌ قَدْ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَرَ بلالا بِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ، وَأَمَرَ أبا محذورة بِشَفْعِهَا، وَإِنَّمَا الضَّلَالَةُ حَقُّ الضَّلَالَةِ أَنْ يَنْهَى أَحَدٌ عَمَّا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.