فصل في السلم في الحيوان
١٤ فقرة، ج ٢ ص ٦٣
- ج ٢ ص ٦٣
فصل:
وفي الحيوان روايتان:
أظهرهما: صحة السلم فيه، لأن أبا رافع قال: «استسلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رجل بكراً» رواه مسلم. ولأنه يثبت في الذمة صداقاً، فصح السلم فيه كالثياب.
-
والثانية: لا يصح، لأنه يختلف اختلافاً متبايناً مع ذكر أوصافه الظاهرة، فربما تساوى العبدان في الصفات المعتبرة، وأحدهما يساوي أمثال صاحبه. وإن استقصى صفاته كلها تعذر تسليمه. وفي المعدود من الجوز والبيض، والبطيخ والرمان والبقل ونحوه روايتان:
ج ٢ ص ٦٤إحداهما: لا يصح لذلك.
-
والثانية: يصح لأن التفاوت يسير، ويمكن ضبطه بعضه بالصغر والكبر، وبعضه بالوزن. وفي الرؤوس والأطراف والجلود من الخلاف مثل ما ذكرنا فيما قبله.
- فصل:
-
الشرط الثاني: معرفة قدره بالكيل إن كان مكيلاً، وبالوزن إن كان موزوناً، وبالذرع إن كان مذروعاً، لحديث ابن عباس، لأنه عوض غير مشاهد، يثبت في الذمة، فاشترط معرفة قدره كالثمن. ويجب أن يكون ما يقدر به معلوماً عند العامة، فإن قدره بإناء، أو صنجة بعينها غير معلومة لم يصح، لأنه قد يهلك، فيجهل قدره، وهذا غرر لا يحتاج العقد إليه. وإن أسلم في المكيل وزناً، وفي الموزون كيلاً، فعنه: لا يصح، لأنه مبيع اشترط معرفة قدره، فلم يجز بغير ما هو مقدر كالربويات. وعنه: ما يدل على الجواز، لأنه يخرجه عن الجهالة وهو الغرض، ولا بد من تقدير المذروع بالذرع، فأما المعدود فيقدر بالعدد، وقيل بالوزن، لأنه يتباين، والأولى أولى، لأنه يقدر به عنده العامة، والتفاوت يسير، ويضبط بالصغر والكبر، ولهذا لا تقع القيمة بين الجوزتين والبيضتين. فإن كان يتفاوت كثيراً، كالرمان والبطيخ والسفرجل والبقول قدره بالوزن، لأنه أضبط لكثرة تفاوته وتباينه، ولا يمكن ضبطه بالكيل، لتجافيه في المكيال، ولا بالحزم، لأنه يختلف، ويمكن حزم الكبير والصغير، فتعين بالوزن لتقديره.
- فصل:
-
الشرط الثالث: أن يجعلا له أجلاً معلوماً، فإن أسلم حالاً لم يصح، لحديث ابن عباس، ولأن السلم إنما جاز رخصته للمرافق، ولا يحصل المرفق إلا بالأجل، فلا يصح بدونه، كالكتابة، فإن كان بلفظ البيع صح حالاً، قال القاضي: ويجوز التفرق قبل قبض رأس المال، لأنه بيع، ويحتمل أن لا يجوز لأنه بيع دين بدين. ويشترط في الأجل ثلاث أمور:
أحدها: كونه معلوماً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [البقرة: ٢٨٢] وللخبر. فإن جعله إلى المحرم أو يوم منه، أو عيد الفطر ونحوها، جاز لقول الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} [البقرة: ١٨٩] وإن قدره بغير ذلك مما يعرفه الناس، ككانون وعيد للكفار يعرفه المسلمون، جاز لأنه معلوم لا يختلف. وقال ابن أبي موسى: لا يصح،
ج ٢ ص ٦٥؛ لأنه لا يعرفه كثير من الناس. وإن كان مما لا يعرفه المسلمون، كالشعانين وعيد الفطر، لم يصح، وجهاً واحداً؛ لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا يجوز تقليد أهل الذمة، فبقي مجهولاً. وإن جعلا الأجل إلى مدة معلومة كشهر معين تعلق بأولها. ولو قال: محله في رمضان، فكذلك؛ لأنه لو قال لزوجته: أنت طالق في رمضان، طلقت في أوله، ولو احتمل غير الأول لم يقع الطلاق بالشك. وإن جعله اسماً يتناول شيئين كربيع، تعلق بأولها كما لو علقه بشهر، وإن قال: ثلاثة أشهر، انصرف إلى الهلالية؛ لأنها الشهور في لسان الشرع، فإن كان أثناء شهر، كمل بالعدد ثلاثين، والباقي بالأهلة.
-
الأمر الثاني: أن يكون مما لا يختلف، فإن جعله إلى الحصاد والجذاذ والموسم، لم يصح؛ لأن ابن عباس قال: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم. ولأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد، فلم يجز جعله أجلاً، كقدوم زيد. وعنه: أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس؛ لأن ابن عمر كان يبتاع إلى العطاء، ولأنه لا يتفاوت تفاوتاً كثيراً، فإن أسلم إلى العطاء يريد به وقته، وكان معلوماً، جاز، وإن أراد نفس العطاء، لم يصح؛ لأنه يختلف.
-
الأمر الثالث: أن تكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر ونصفه ونحوه فأما اليوم ونحوه، فلا يصح التأجيل به؛ لأن الأجل إنما اعتبر ليتحقق المرفق ولا يتحقق إلا بمدة طويلة. فإن أسلم في جنس إلى أجلين أو آجال، مثل أن يسلم في خبز أو لحم، يأخذ كل يوم أرطالاً معلومة، جاز؛ لأن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى آجال، كبيوع الأعيان. ويجوز أن يسلم في جنسين إلى أجل واحد كما ذكرنا.
-
فصل
الشرط الرابع: أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله، مأمون الانقطاع فيه؛ لأن القدرة على التسليم شرط ولا تتحقق إلا بذلك، فلو أسلم في العنب إلى شباط، لم يصح؛ لأنه لا يوجد فيه إلا نادراً. ولا يصح السلم في ثمرة بستان بعينه، ولا قرية صغيرة، لما روي «أن زيد بن سعنة أسلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمانين ديناراً في تمر مكيل مسمى من تمر حائط بني فلان، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى» رواه ابن ماجه. ولأنه لا يؤمن تلفه، فلم يصح، كما لو قدره بمكيال معين، ولا يصح السلم في عين لذلك، ولأن الأعيان لا تثبت في الذمة.
- ج ٢ ص ٦٦
فصل
الشرط الخامس: أن يضبط بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهراً، فيذكر الجنس والنوع، والجودة والرداءة، والكبر والصغر، والطول والقصر والعرض والسمك، والنعومة والخشونة، واللين والصلابة، والرقة والصفاقة، والذكورية والأنوثية، والسن والبكارة، والثيوبة واللون والبلد، والرطوبة واليبوسة، ونحو ذلك مما يقبل هذه الصفات، ويختلف بها، ويرجع فيما لا يعلم منها تفسير أهل الخبرة، فإن شرط الأجود منها، لم يصح؛ لأنه يتعذر عليه الوصول إليه، فإن وصل إليه كان نادراً. وإن شرط الأردأ ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح لذلك.
-
والثاني: يصح؛ لأنه يمكنه تسليم السلم، أو خير منه من جنسه، فيلزم المسلم قبوله. وإن أسلم في جارية وابنتها، لم يصح؛ لأنه يتعذر وجودهما على ما وصف، وإن استقصى صفات السلم بحيث يتعذر وجوده، لم يصح؛ لأنه يعجز تسليمه.
-
فصل
الشرط السادس: أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد قبل تفرقهما؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم» والإسلاف: التقديم، ولأنه إنما سمي سلماً وسلفاً، لما فيه من تقديم رأس المال، فإذا تأخر لم يكن سلماً، فلم يصح، ولأنه يصير بيع دين بدين، فإن تفرقا قبل قبضه، بطل. وإن تفرقا قبل قبض بعضه. بطل فيما لم يقبض، وفي المقبوض وجهان، بناء على تفريق الصفقة، ويجوز أن يكون في الذمة، ثم يعينه في المجلس ويسلمه.
-
ويجب أن يكون معلوماً، كالثمن في البيع، فإن كان معيناً، فظاهر كلام الخرقي أنه يكتفي برؤيته؛ لأنه عوض معين، أشبه ثمن المبيع.
وقال القاضي: لا بد من وصفه، لقول أحمد: ويصف الثمن، ولأنه عقد لا يمكن إتمامه، وتسليم المعقود عليه في الحال، ولا يؤمن انفساخه، فوجب معرفة رأس المال بالصفات، ليرد بدله، كالقرض في الشركة، فعلى هذا لا يجوز أن يكون رأس المال إلا ما يجوز أن يكون مسلماً فيه؛ لأنه يعتبر ضبط صفاته، فأشبه المسلم فيه.