باب الغصب
٩٨ فقرة، ج ٢ ص ٢١٧
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ٢١٧
وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق، وهو محرم بالإجماع، وقد روى جابر: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في خطبته يوم النحر: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا» رواه مسلم، ومن غصب شيئًا، لزمه رده؛ لما روى سمرة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «على اليد ما أخذت حتى ترده» وإن نقصت لتغير الأسعار لم يضمنها؛ لأن حق المالك في العين، وهي باقية لم تتغير صفتها، فلا حق له في
ج ٢ ص ٢١٨القيمة مع بقاء العين، وإن نقصت القيمة لنقص المغصوب نقصًا مستقرًا، كثوب استخلق، أو تخرق، وإناء تكسر أو تشقق، وشاة ذبحت، وحنطة طحنت، فعليه رده وأرش نقصه؛ لأنه نقص عين نقصت به القيمة، فوجب ضمانه، كذراع من الثوب، وإن طالب المالك ببدله، لم يملك ذلك؛ لأن عين ماله باق، فلم يملك المطالبة ببدله، كما لو قطع من الثوب جزءًا، وإن كان النقص غير مستقر، كطعام ابتل أو عفن، فله بدله في قول القاضي؛ لأنه يتزايد فساده إلى أن يتلف، وقال أبو الخطاب: يخير بين ذلك وبين تركه حتى يستقر فيه الفساد، ويأخذه مع أرشه؛ لأن عين ماله باقية، فلا يمنع من أخذها مع أرشها، كالثوب الذي تخرق.
- فصل:
-
فإن كان النقص في الرقيق مما لا مقدر فيه، كنقصه لكبر، أو مرض، أو شجة دون الموضحة، ففيه ما نقص مع الرد لذلك، وإن كان أرشه مقدرًا، كذهاب يده، فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأنه ضمان مال، أشبه ضمان البهيمة. والأخرى: يرده وما يجب بالجناية؛ لأنه ضمان للرقيق فوجب فيه المقدر، كضمان الجناية، فإن قطع الغاصب يده، فعلى هذه الرواية الواجب نصف قيمته، كغير المغصوب.
-
وعلى الأولى عليه أكثر الأمرين من نصف قيمته، أو قدر نصفه؛ لأنه قد وجدت اليد والجناية، فوجب أكثرهما ضمانًا، وإن غصب عبدًا، فقطع أجنبي يده، فللمالك تضمين أيهما شاء، فعلى الأولى: إن ضمن الغاصب، ضمنه أكثر الأمرين، ويرجع الغاصب على القاطع بنصف قيمته لا غير؛ لأن ضمانه ضمان الجناية، وإن ضمن الجاني، ضمنه نصف القيمة، وطالب الغاصب بتمام النقص، وعلى الثانية: يطالب أيهما شاء، ويستقر الضمان على القاطع؛ لأنه المتلف فيكون الرجوع عليه.
- فصل:
-
وروي عن أحمد فيمن قلع عين فرس: أنه يضمنها بربع قيمتها؛ لأنه يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والصحيح أن يضمنها بنقصها؛ لأنها بهيمة فلم يكن فيها مقدر، كسائر البهائم أو كسائر أعضائها، ويحمل ما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أن عين الدابة التي قضى فيها نقصها ربع القيمة، ولو غصب دابة قيمتها مائة، فزادت فصارت قيمتها ألفًا، ثم جنى عليها جناية نقصت نصف قيمتها، لزمه خمسمائة؛ لأن الواجب قيمة ما أتلف يوم التلف، وقد فوت نصفها، فضمن خمسمائة.
- فصل:
-
فإن نقصت العين دون القيمة، وكان الذاهب يضمن بمقدر، كعبد خصاه وزيت
ج ٢ ص ٢١٩أغلاه، فذهب نصفه، ولم تنقص قيمته، فعليه قيمة العبد، ومثل ما نقص من الزيت مع ردهما؛ لأن الواجب فيهما مقدر بذلك، فإن لم يكن مقدرًا، كعبد سمين هزل فلم تنقص قيمته، لم يلزمه أرش هزاله؛ لأن الواجب فيه ما نقص من القيمة، ولم تنقص. فإن أغلى عصيرًا فنقص، فهو كالزيت؛ لأنه في معناه، ويحتمل أن لا يضمن؛ لأن الغليان عقد أجزائه وجمعها، وأذهب مائيته فقط، بخلاف الزيت، فإن نقصت عينه وقيمته، فعليه مثل ما نقص من العين وأرش نقص الباقي في العصير والزيت؛ لأن كل واحد من النقصين مضمون منفردا، فكذلك إذا اجتمعا، ولو شق ثوبًا ينقصه الشق نصفين، ثم تلف أحدهما، رد الباقي وتمام قيمة الثوب قبل قطعه، وإن غصب خفين، فتلف أحدهما، فكذلك في أحد الوجهين؛ لأن نقص الباقي بسبب تعديه. والآخر. لا يلزمه إلا رد الباقي، وقيمة التالف؛ لأنه لم يتلف إلا أحدهما.
- فصل:
-
وإن غصب عبدًا فمرض، أو ابيضت عينه ثم برئ، لم يلزمه إلا رده؛ لأن نقصه زال، فأشبه ما لو انقلعت سنه، ثم عادت. وإن هزل ثم سمن، أو نسي صناعته ثم علمها، فكذلك في أحد الوجهين؛ لأن نقصه زال، فأشبهت التي قبلها. والآخر: يضمن النقص؛ لأن السمن الثاني غير الأول، فلا يسقط به ما وجب بزوال الأول، فعلى هذا الوجه، لو سمن ثم هزل، ضمنهما معًا؛ لأن الثاني غير الأول، وعلى الوجه الأول، يضمن أكثر السمنين قيمة؛ لأن عود السمن أسقط ما قابله من الأرش، فإن كانت الزيادة الثانية، من غير جنس الأولى، كعبد هزل فنقصت قيمته، ثم تعلم فعادت قيمته، ضمن الأولى؛ لأن الثانية من غير جنس الأولى، فلا تنجبر بها، وإن نسي الصناعة أيضًا، ضمن النقصين جميعًا، لما ذكرنا.
- فصل:
-
فإن جنى العبد المغصوب، لزم الغاصب ما يستوفي من جنايته؛ لأنه بسبب كان في يده، وإن أقيد منه في الطرف، فحكمه حكم ذهابه بفعل الله تعالى؛ لكونه ضمانًا وجب باليد لا بالجناية، فإن القطع قصاصًا ليس بجناية، وأن تعلق الأرش برقبته، فعليه فداؤه؛ لأنه حق تعلق برقبته في يده، فلزمه تخليصه منه. وإن جنى على سيده، ضمن الغاصب جنايته؛ لأنها من جملة جناياته، فأشبه الجناية على أجنبي.
- فصل:
-
وإن زاد المغصوب في يده، كجارية سمنت، أو ولدت، أو كسبت، أو شجرة أثمرت، أو طالت، فالزيادة للمالك مضمونة على الغاصب؛ لأنها حصلت في يده
ج ٢ ص ٢٢٠بالغصب، فأشبهت الأصل، وإن ألقت الولد ميتًا، ضمنه بقيمته، يوم الوضع لو كان حيًا؛ لأنه غصب بغصب الأم. وإن صاد العبد والجارية صيدًا، فهو لمالكهما؛ لأنه من كسبهما. وهل تجب أجرة العبد الكاسب أو الصائد في مدة كسبه، أو صيده؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب؛ لأن منافعه صارت إلى سيده، فأشبه ما لو كان في يده.
-
والثاني: تجب؛ لأن الغاصب أتلف منافعه، وإن غصب فرسًا، أو قوسًا، أو شركًا، فصاد به، ففيه وجهان:
أحدهما: هو لصاحبه؛ لأن صيده حصل به، أشبه صيد الجارحة.
-
والثاني: للغاصب؛ لأنه الصائد، وهذه آلة. وإن غصب منجلًا، فقطع به حطبًا، أو خشبًا، أو حشيشًا، فهو للغاصب؛ لأن هذا آلة، فهو كالحبل يربطه به.
- فصل:
-
وإن غصب أثمانًا، فاتجر بها، فالربح لصاحبها؛ لأنه نماء ماله، وإن اشترى في ذمته، ثم نقدها فيه، فكذلك في إحدى الروايتين. والأخرى: هو للغاصب؛ لأن الثمن ثبت في ذمته، فكان الشراء له، والمبيع ربحه له؛ لأنه بذل ما وجب عليه، وقياس المذهب: إنه إذا اشترى بعينه كان الشراء باطلًا، والسلعة للبائع.
- فصل:
-
وإن غصب عينًا، فاستحالت، كبيض صار فرخًا، وحب صار زرعًا، وزرع صار حبًا، ونوى صار شجرًا، وجب رده؛ لأنه عين ماله، فإن نقصت قيمته، ضمن أرش نقصه؛ لحدوثه في يده، وإن زاد، فالزيادة لمالكه، ولا شيء للغاصب بعمله فيه؛ لأنه غير مأذون فيه، وإن غصب عصيرًا فتخمر، ضمن العصير بمثله؛ لأنه تلف في يده، فإن عاد خلًا، رده وما نقص من قيمة العصير؛ لأنه عين العصير، أشبه النوى يصير شجرًا.
- فصل:
-
فإن عمل فيه عملًا، كثوب قصره، أو فصله وخاطه، أو قطن غزله، أو غزل نسجه، أو خشب نجره، أو ذهب صاغه، أو ضربه، أو حديد جعله إبرًا، فعليه رده؛ لأنه عين ماله، ولا شيء للغاصب؛ لأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه، فلم يستحق شيئًا، كما لو أغلى الزيت. وإن نقص بذلك، فعليه ضمان نقصه؛ لأنه حدث بفعله. وعنه: أنه إن زاد يكون شريكًا للمالك بالزيادة؛ لأن منافعه أجريت مجرى الأعيان، أشبه، ما لو صبغ الثوب، والأول أصح.
- فصل:
-
فإن غصب شيئًا، فخلطه بما يتميز منه، كحنطة بشعير، أو زبيب أحمر بأسود، فعليه تمييزه ورده؛ لأنه أمكن رده، فوجب، كما لو غصب عينًا فبعدها، وإن خلطه بمثله مما لا يتميز، كزيت بزيت، لزمه مثل كيله منه؛ لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه، فلم ينتقل إلى البدل في الجميع، كما لو غصب شيئًا، فتلف بعضه.
-
وهذا ظاهر كلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لأنه نص على أنه شريك إذا خلطه بغير جنسه، فنبه على الشركة إذا كان مثله. وقال القاضي: قياس المذهب أنه يلزمه مثله، إن شاء الغاصب منه أو من غيره؛ لأنه تعذر رد عينه، أشبه ما لو أتلفه. وإن خلط بأجود منه، لزمه مثله من حيث شاء الغاصب، فإن دفع إليه منه، لزمه أخذه؛ لأنه أوصل إليه خيرًا من حقه من جنسه. وإن خلطه بدونه، لزمه مثله، فإن اتفقا على أخذ المثل منه جاز، وإن أباه المالك، لم يجبر؛ لأنه دون حقه. وإن طلب ذلك، فأباه الغاصب، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر؛ لأن الحق انتقل إلى ذمته، فكانت الخيرة إليه في التعيين.
-
والثاني: يلزمه؛ لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه من غير ضرر، فلزمه، كما لو كان مثله. وإن خلطه بغير جنسه، كزيت بشيرج، لزمه مثله من غيره، وأيهما طلب الدفع منه، فأبى الآخر لم يجبر، وقد قال أحمد في رجل له رطل زيت اختلط برطل شيرج لآخر: يباع الدهن كله، ويعطى كل واحد منهما قدر حصته، فيحتمل أن يختص هذا بما لم يخلطه أحدهما، ويحتمل أن يعم سائر الصور؛ لأنه أمكن أن يصل إلى كل واحد بدل عين ماله، فأشبه ما لو غصب ثوبًا فصبغه. فإن نقص ما يخصه من الثمن عن قيمته مفردًا، ضمن الغاصب نقصه؛ لأنه بفعله، وإن خلطه بما لا قيمة له، كزيت بماء وأمكن تخليصه، وجب تخليصه ورده مع أرش نقصه، وإن لم يمكن تخليصه، أو كان ذلك يفسده، وجب مثله؛ لأنه أتلفه. ولو أعطاه بدل الجيد أكثر منه رديئًا، أو أقل منه وأجود صفة، لم يجز؛ لأنه ربا، إلا أن يكون اختلاطه بغير جنسه فيجوز؛ لأن الربا لا يجوز في جنسين.
- فصل:
-
فإن غصب ثوبًا فصبغه، فلم تزد قيمة الثوب والصبغ ولم تنقص، فهما شريكان يباع الثوب ويقسم ثمنه بينهما؛ لأن الصبغ عين مال، له قيمة، فلم يسقط حقه فيها باتصالها بمال غيره. وإن زادت قيمتهما فالزيادة بينهما؛ لأنها نماء مالهما. وإن نقصت القيمة، ضمنها الغاصب؛ لأن النقص حصل بسببه، وإن زادت قيمة أحدهما لزيادة قيمته في السوق، فالزيادة لمالك ذلك؛ لأنها نماء ماله. وإن بقيت للصبغ قيمة، فأراد
ج ٢ ص ٢٢٢الغاصب إخراجه، وضمان النقص، فله ذلك؛ لأنه عين ماله، أشبه ما لو غرس في أرض غيره، ويحتمل أن لا يملك ذلك؛ لأنه يضر بملك المغصوب منه لنفع نفسه، فمنع منه، بخلاف الأرض، فإنه يمكن إزالة الضرر بتسوية الحفر، ولأن قلع الغرس معتاد، بخلاف قلع الصبغ، وإن أراد المالك قلعه، ففيه وجهان:
أحدهما: يملكه ولا شيء عليه، كما يملك قلع الشجر من أرضه.
-
والآخر: لا يملكه؛ لأن الصبغ يهلك به، أشبه قلع الزرع، وإن بذل المالك قيمة الصبغ ليملكه، لم يجبر الغاصب عليه؛ لأنه بيع ماله، ويحتمل أن يجبر. كما يملك أخذ زرع الغاصب بقيمته، وكالشفيع يأخذ غرس المشتري، وإن وهبه الغاصب لمالكه، ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه قبوله؛ لأنه صار صفة للعين، فأشبه قصارة الثوب.
-
والآخر: لا يلزمه؛ لأن الصبغ عين يمكن إفرادها فأشبه الغراس، فإن أراد المالك بيع الثوب، فله ذلك؛ لأنه ملكه، فلم يمنع بيعه، وإن طلب الغاصب بيعه، فأباه المالك لم يجبر؛ لأن الغاصب متعد، فلم يستحق بتعديه إزالة ملك صاحب الثوب عنه، كما لو طلب الغارس في أرض غيره بيعها. ويحتمل أن يجبر، ليصل الغاصب إلى ثمن صبغه، وإن غصب ثوبًا وصبغًا من رجل فصبغه به، فعليه رده وأرش نقصه إن نقص؛ لأنه بفعله والزيادة للمالك؛ لأنه عين ماله ليس للغاصب فيه إلا أثر الفعل. وإن صبغه بصبغ غصبه من غيره، فهما شريكان في الأصل والزيادة، وإن نقص، فالنقص من الصبغ؛ لأنه تبدد، ويرجع صاحبه على الغاصب؛ لأنه بدده. وإن غصب عسلًا ونشاء، فعمله حلواء، فحكمه كحكم غصب الثوب وصبغه سواء.
- فصل:
-
وإن غصب أرضًا فغرسها، أو بنى فيها، لزمه قلعه؛ لما روى سعيد بن زيد: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس لعرق ظالم حق» قال الترمذي: هذا حديث حسن. ولأنه شغل ملك غيره، بملك لا حرمة له في نفسه فلزمه تفريغه، كما لو ترك فيها قماشًا، وعليه تسوية الحفر، ورد الأرض إلى ما كانت عليه، وضمان نقصها إن نقصت؛ لأنه حصل بفعله.
-
وإن بذل له المالك قيمة غرسه، وبنائه، ليملكه، فأبى إلا القلع، فله ذلك؛ لأنها معاوضة، فلم يجبر عليها. وإن وهبه الغاصب الغراس، أو البناء، لم يجبر على قبوله، إن كان له غرض في القلع؛ لأنه يفوت غرضه، وإن لم يكن فيه غرض، احتمل أن يجبر؛ لأنه يتخلص كل واحد منهما من صاحبه بغير ضرر، واحتمل أن لا يجبر؛ لأن ذلك عين يمكن إفرادها، فلم يجبر على قبولها، كما لو يكن في أرضه، وإن غرسها من
ج ٢ ص ٢٢٣ملك صاحب الأرض فطالبه بالقلع، وله فيه غرض لزمه؛ لأنه فوت عليه غرضًا بالغرس، فلزمه رده، كما لو ترك فيها حجرًا، وإن لم يكن فيه غرض، لم يجبر عليه؛ لأنه سفه، ويحتمل أن يجبر؛ لأن المالك محكم في ملكه، وإن أراد الغاصب قلعه، فللمالك منعه؛ لأنه ملكه، وليس للغاصب فيه إلا أثر الفعل.
- فصل:
-
فإن حفر فيها بئرًا، فطالبه المالك بطمها لزمه؛ لأنه نقل ملكه، وهو التراب من موضعه، فلزمه رده، وإن طلب الغاصب طمها لدفع ضرر، مثل إن جعل ترابها في غير أرض المالك، فله طمها؛ لأنه لا يجبر على إبقاء ما يتضرر به، كإبقاء غرسه، وإن جعل التراب في أرض المالك، لم يبرئه من ضمان ما يتلف بها، فله طمها؛ لأنه يدفع ضرر الضمان عنه، وإن أبرأه من ضمان ما يتلف بها، ففيه وجهان:
أحدهما: يبرأ؛ لأنه لما سقط الضمان بالإذن في حفرها، سقط بالإبراء منها، فعلى هذا لا يملك طمها؛ لأنه لا غرض فيه.
-
والثاني: لا يبرأ بالإبراء؛ لأنه إنما يكون من واجب، ولم يجب بعد شيء فعلى هذا يملك طمها لغرضه فيه.
- فصل:
-
وإن زرعها، وأخذ زرعه، فعليه أجرة الأرض، وما نقصها، والزرع له؛ لأنه عين بذره نما، وإن أدركها ربها، والزرع قائم، فليس له إجبار الغاصب على القلع، ويخير بين تركه إلى الحصاد بالأجرة، وبين أخذه، ويدفع إلى الغاصب نفقته؛ لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته» قال الترمذي: هذا حديث حسن. ولأنه أمكن الجمع بين الحقين بغير إتلاف، فلم يجز الإتلاف، كما لو غصب لوحًا، فرقع به سفينة ملججة في البحر، وفارق الغراس؛ لأنه لا غاية له ينتظر إليها. وفيما يرده من النفقة روايتان:
إحداهما: القيمة؛ لأنه بدل عنه، فتقدرت به، كقيم المتلفات.
-
والثانية: ما أنفق من البذر ومؤنة الزرع في الحرث وغيره؛ لظاهر الحديث، ولأن قيمة الزرع زادت من أرض المالك، فلم يكن عليه عوضها، وإن أدرك رب الأرض شجر الغاصب مثمرًا، فقال القاضي: للمالك أخذه، وعليه ما أنفقه الغاصب من مؤنة الثمرة كالزرع؛ لأنه في معناه، وظاهر كلام الخرقي: أنه للغاصب؛ لأنه ثمر شجره، فكان له كولد أمته.
- فصل: