باب الغصب
٩٨ فقرة، ج ٢ ص ٢١٧
الصفحة ٣ من ٣
- فصل:
-
وإن كسر صليبًا أو مزمارًا لم يضمنه؛ لأنه لا يحل بيعه، فأشبه الميتة. وإن كسر أواني الذهب والفضة لم يضمنها؛ لأن اتخاذها محرم، وإن كسر آنية الخمر، ففيه روايتان:
إحداهما: يضمنها؛ لأنه مال غير محرم، ولأنها تضمن إذا كان فيها خل، فتضمن إذا كان فيها خمر، كالدار.
- ج ٢ ص ٢٣٠
والثانية: لا تضمن لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره بتشقيق زقاق الخمر» رواه أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المسند.
- فصل:
-
ومن أتلف مالًا محترمًا لغيره ضمنه؛ لأنه فوته عليه فضمنه، كما لو غصبه فتلف عنده. وإن فتح قفص طائر فطار، أو حل دابة فشردت، أو قيْدَ عبد فذهب، أو رباط سفينة فغرقت، ضمن ذلك كله؛ لأنه تلف بسبب فعله فضمنه، كما لو نفر الطائر أو الدابة. وإن فعل ذلك، فلم يذهب حتى جاء آخر فنفرهما، فالضمان على المنفر؛ لأن فعله أخص، فاختص الضمان به كالدافع مع الحافر، وإن وقف طائر على جدار، فنفره إنسان فطار لم يضمنه؛ لأن تنفيره لم يكن سبب فواته؛ لأنه كان فائتًا قبله، وإن طار في هواء داره فرماه فقتله ضمنه؛ لأنه لا يملك منع الطائر الهواء، فأشبه ما لو قتله في غير داره.
- فصل:
-
وإن حل زقاق فاندفق، أو خرج منه شيء، بل أسفله فسقط، أو سقط بريح، أو زلزلة، أو كان جامدًا فذاب في الشمس فاندفق ضمنه؛ لأنه تلف بسببه فضمنه، كما لو دفعه، وقال القاضي: لا يضمنه إذا سقط بريح، أو زلزلة؛ لأن فعله غير ملجئ، فلا يضمنه، كما لو دفعه إنسان آخر. ولنا أنه لم يتخلل بين فعله وتلفه مباشرة يمكن إحالة الضمان عليه، فيجب أن يضمنه، كما لو جرح إنسانًا فأصابه الحر فمات به، فأما إن بقي واقفًا، فجاء إنسان فدفعه، ضمن الثاني؛ لأنه مباشر، وإن كان يخرج قليلًا قليلًا، فجاء إنسان فنكسه فاندفق، ضمن الثاني ما خرج بعد التنكيس؛ لأنه مباشر له، فهو كالذابح بعد الجارح، ويحتمل أن يشتركا فيما بعد التنكيس، وإن فتح زقًا فيه جامد، فجاء آخر فقرب إليه نارًا فأذابه فاندفق؛ ضمنه الثاني؛ لأنه باشر الإتلاف. وإن أذابه الأول، ثم فتحه الثاني، فالضمان على الثاني؛ لأن التلف حصل بفعله.
- فصل:
-
وإن أجج في سطحه نارًا، فتعدت فأحرقت شيئًا لجاره، وكان ما فعله يسيرًا جرت العادة به، لم يضمن؛ لأنه غير متعد، وإن أسرف فيه لكثرته، أو كونه في ريح عاصف ضمن. وكذلك إن سقى أرضه فتعدى إلى حائط آخر.
- فصل:
-
وإن أطارت الريح إلى داره ثوبًا، لزمه حفظه؛ لأنه أمانة حصلت في يده، فلزمه حفظها كاللقطة. فإن عرف صاحبه، لزمه إعلامه، فإن لم يفعل، ضمنه كاللقطة إذا ترك تعريفها، وإن دخل طائر داره، لم يلزمه حفظه، ولا إعلام صاحبه؛ لأنه محفوظ بنفسه.
- ج ٢ ص ٢٣١
فإن أغلق عليه بابًا ليمسكه ضمنه؛ لأنه أمسكه لنفسه، فضمنه كالغاصب، فإن لم ينو ذلك لم يضمنه؛ لأنه يملك التصرف في داره، فلم يضمن ما فيها.
- فصل:
-
إذا اختلف المالك والغاصب في تلف المغصوب، فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه يعتذر إقامة البينة على التلف، ويلزمه البدل؛ لأنه بيمينه تعذر الرجوع إلى العين، فوجب بدلها، كما لو أبق العبد المغصوب. وإن اختلفا في قيمة المغصوب، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة المختلف فيها، فأشبه من ادعى عليه بدين، فأقر ببعضه وجحد باقيه، وإن قال المالك: كان كاتبًا قيمته ألف، وقال الغاصب: كان أميًا قيمته مائة، فالقول قول الغاصب؛ لما ذكرناه.
-
وإن قال الغاصب: كان سارقًا فقيمته مائة، وقال المالك: لم يكن سارقًا فقيمته ألف، فالقول فقول المالك؛ لأن الأصل عدم السرقة، وإن غصبه طعامًا وقال: كان عتيقًا فلا يلزمني حديث، وأنكره المالك فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته من الحديث، ويأخذ المغصوب منه العتيق؛ لأنه دون حقه، وإن اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب هل هي للغاصب أو للمالك؟ فهي للغاصب؛ لأنها والعبد في يده، فكان القول قوله فيها. وإن غصبه خمرًا، فقال المالك: استحالت خلًا، فأنكره الغاصب، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل عدم الاستحالة.
- فصل:
-
إذا اشترى رجل عبدًا، فادعى رجل أن البائع غصبه إياه، فأنكره المشتري وصدقه البائع، حلف المشتري، والعبد له، وعلى البائع قيمته، ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن؛ لأنه لا يدعيه، أما أن يغرم قيمته مطالبته بأقل الأمرين، من قيمته، أو ثمنه؛ لأنه يدعي القيمة، والمشتري يقر بالثمن فيكون له أقلهما، وللمالك مطالبة المشتري؛ لأنه مقر بالثمن للبائع، والبائع يقر به لمالكه، فإن قلنا بصحة تصرف الغاصب، فله مطالبته بجميع الثمن.
-
وإن قلنا: لا يصح، فله أقل الأمرين، لما تقدم. وإن صدقه المشتري، فأنكره البائع، حلف البائع وبرئ، ويأخذ المدعي عبده، لما روى سمرة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به» وإن كان المشتري أعتق العبد، فصدق البائع والمشتري المالك، غرم أيهما شاء قيمته، ويستقر الضمان على المشتري؛ لأنه أتلف العبد بعتقه، وإن وافقهما العبد على التصديق فكذلك، ولم يبطل العتق؛ لأنه حق الله تعالى، فلا يقبل قولهم في إبطاله. وفيه وجه آخر: أنه يبطل العتق إذا صدقوه كلهم، ويعود العبد رقيقًا للمدعي؛ لأنه إقرار بالرق على وجه لا يبطل به حق أحد فقبل، كإقرار مجهول الحال.