سابعا: مصادر القواعد الفقهية
٦٨ فقرة، ج ١ ص ٢٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٩
إن القواعد الكلية في الفقه الإسلامي - بصيغتها الأخيرة - هي من وضع الفقهاء وصياغتهم وترتيبهم، وقد فعلوا ذلك على مر العصور، وحتى العصر الحاضر.
-
أما أصلها ونشأتها فمستقاة من ثلاثة مصادر، هي:
١ - القرآن الكريم
لقد جاء القرآن الكريم بمبادئ عامة، وقواعد كلية، وضوابط شرعية، في آياته ونصوصه، لتكون مناراً وهداية للعلماء في وضع التفاصيل التي تحقق أهداف الشريعة، وأغراضها العامة، وتتفق مع مصالح الناس، وتطور الأزمان، واختلاف الببئات.
-
وقد حققت هذه المبادئ العامة في القرآن الكريم هدفين أساسيين.
-
الأول: تأكيد الكمال في دين الله تعالى الذي ورد في قوله تعالى:.
-
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
-
والثاني: بيان ميزة المرونة في التشريع الإسلامي لمسايرة جميع العصور والبيئات، ليبقى صالحاً للتطبيق في كل زمان ومكان.
-
وهذه المبادئ العامة في القرآن الكريم كانت مصدراً مباشراً للأئمة والفقهاء في صياغة القواعد الكلية في الفقه الإسلامي، وإرشادهم إلى المقاصد والغايات من الأحكام، والاستعانة بها لتشمل جميع الفروع التي تدخل تحتها، مثل قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) .
-
فالآية تصف المؤمنين بالتشاور في جميع الأمور، سواء كانت عائلية أو اجتماعية أو إدارية أو سياسية، وتركت كيفية التنفيذ
ووسائله بحسب الأحوال والأزمان، ومثل قوله تعالى: .
-
(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .
- ج ١ ص ٣٠
التي تحتبر قاعدة عامة لتحديد الحقوق والواجبات بين الزوجين.
-
ومثل قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) ، التي تقرر مبدأ التراضي في العقود والتصرفات، واحترام سلطان الإرادة.
-
وسترد أمثلة أخرى، كما سترى أن كثيراً من القواعد الفقهية ترجع في أصلها إلى آيات الذكر الحكيم.
-
٢ - السنة النبوية
لقد أعطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، وكان عليه الصلاة والسلام ينطق بالحكمة القصيرة التي تخرج مخرج المثل، وتكون قاعدة كلية.
-
ومبدأ عاماً، ينطوي على الأحكام الكثيرة، والمسائل المتعددة، والفروع المتكررة.
-
مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " المسلمون على شروطهم " .
-
وقوله: "إنما الأعمال بالنيات " .
-
وقوله: (الدين النصيحة "، وقوله: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدّ "، وقوله: " الخَرَاج بالضَّمَان، وقوله عليه الصلاة والسلام:
" الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن " .
- ج ١ ص ٣١
وسترد أمثلة أخرى كثيرة، وسترى أن بعض القواعد الفقهية هي نص حديث
نبوي شريف، وأن كثيراً من القواعد الفقهية ترجع في أصلها واستنباطها إلى
الأحاديث الشريفة.
-
٣ - الاجتهاد
وذلك باستنباط القواعد الكلية من الأصول الشرعية السابقة، ومن مبادئ اللغة العربية، ومسلمات المنطق، ومقتضيات العقول، وتجميع الفروع الفقهية المتشابهة في علة الاستنباط، فالعالم الفقيه يرجع إلى هذه المصادر، ويبذل جهده فيها، ويجمع بين الأحكام المتماثلة، والمسائل المتناظرة، ويستخرج قاعدة كلية منها، تشمل كل ما يدخل تحتها أو أغلبه، وكما فعل علماء الأصول في وضع القواعد الأصولية، سار الفقهاء في القواعد الفقهية.
-
مثل قاعدة "الأمور بمقاصدها" المأخوذة من مجموعة أحاديث في النية، أهمها
حديث "إنما الأعمال بالنيات " ، ومثل قاعدة "الضرر يزال " المأخوذة من حديث " لا ضرر ولا ضرار" ، ومثل قاعدة "المرء مؤاخذ بإقراره "
-
المأخوذة من قوله تعالى: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) .
-
ومثل قاعدة "السؤال معاد في الجواب " المأخوذة من مبادئ اللغة العربية، ومثل قاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة "
-
المأخوذة من اللغة العربية، وقاعدة "التابع تابع " المأخوذة من مسلمات المنطق، ومثل قاعدة "إذا تعذر إعمال الكلام جهمل " .
-
وقاعدة "إذا زال المانع عاد الممنوع " المأخوذة من
لوازم التفكير ومبادئ العقل.
-
ثامناً: أنواع القواعد الفقهية
إن تعريف القاعدة السابقة يشمل جميع القواعد، ولكن القواعد الفقهية على
ج ١ ص ٣٢درجات في العموم والشمول، والاتفاق عليها بين المذاهب الفقهية عامة، أو
الاختلاف فيها بين المذاهب، ولكنها شاملة في المذهب الواحد، وبعضها قواعد مختلف فيها في المذهب الواحد، لذلك كانت القواعد الفقهية على أنواع هي:
١ - القواعد الفقهية الأساسية الكبرى، التي تدور معظم مسائل الفقه حولها، حتى رد بعض العلماء الفقه كله إليها، وهي متفق عليها بين جميع المذاهب، وهي:
أ - الأمور بمقاصدها.
-
ب - اليقين لا يزول بالشَّك.
-
جـ - المشقة تجلب التيسير.
-
د - الضرر يزال.
-
هـ - العادة مُحكمة (١) .
- (١)نظم بعض الشافعية القواعد الخمس الأساسية في أبيات من الشعر، فقال: خمس مقررة قواعدَ مذهب. . . للشافعي فكن بهن خبيرا ضَرَرٌ يُزالُ وعادة قد حُكمت. . . وكذا المشقةُ تَجْلِبُ التيسيرا والشكَ لا ترفع به مُتيقناً. . . والقصدَ أخلِص إنْ أردتَ أجورا .
-
٢ - القواعد الكلية: وهي قواعد كلية مُسَلَّم بها في المذاهب، ولكنها أقل فروعاً من القواعد الأساسية، وأقل شمولاً من القواعد السابقة، مثل قاعدة: "الخراج بالضمان " ، وقاعدة "الضرر الأشد يُدفَعُ بالضرر الأخف " .
-
وكثير من هذه القواعد تدخل تحت القواعد الأساسية الخمس، أو تدخل تحت قاعدة أعم منها، ومعظمها نصت عليها مجلة الأحكام العدلية، وقد يدخل تحتها قواعد فرعية أيضاً، وأكثرها متفق عليها بين المذاهب.
-
٣ - القواعد المذهبية: وهي قواعد كلية في بعض المذاهب دون بعض، وهي
قسمان، الأول: قواعد مقررة ومتفق عليها في المذهب، والثاني: قواعد مختلف فيها
ج ١ ص ٣٣في المذهب الواحد، مثل قاعدة "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني " فإنها أغلبية في المذهب الحنفي والمالكي، ولكنها قليلة التطبيق في المذهب الشافعي، وقاعدة " من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه " فهي كثيرة التطبيق في المذهب الحنفي والمالكي والحنبلي، نادرة التطبيق عند الشافعية.
-
ومثل قاعدة " الزُخص لا تُنَاط بالمعاصي " فإنها شائعة عند الشافعية والحنابلة، دون الحنفية، وفيها تفصيل عند المالكية.
-
٤ - القواعد المختلف فيها في المذهب الواحد، فتطبق في بعض الفروع دون بعض، وهي مختلف فيها في فروع المذهب الواحد.
-
مثل: قاعدة "هل العبرة بالحال أو بالمآل " ؟!
-
فهي قاعدة مختلف فيها في المذهب الشافعي، ولها أمثلة كثيرة، ولذلك تبدأ
غالباً بكلمة " هل؛ " ، وقاعدة "هل النظر إلى المقصود أو إلى الموجود " ؟!
-
عند المالكية، وقاعدة "القسمة، هل هي إفراز، أم بيع؛ "
-
عند الشافعية والحنابلة.
-
وقد راعى العلماء هذا التنويع للقواعد في تقسيم الدراسة.
-
وتصنيف القواعد.