فوائد

٢٠٠ فقرة، ج ١ ص ١٠٧

الصفحة ١ من ٥

  1. ١ - اليقين والظن من الأحكام

    سبق بيان المراد من اليقين والظن، وأن الظن معتبر شرعاً بمنزلة اليقين في بناء

    الأحكام عليه في أكثر المسائل إذا كان مستنداً إلى دليل معتبر، وذلك كما لو رأى إنسان عيناً في يد آخر يتصرف بها تصرفاً يغلب على ظن من يشاهده أنها ملكه، وكان مثله يملك مثلها، ولم يخبر الرائي عدلان بأنها ملك غيره، فإنه يجوز له أن يشهد لذي اليد بملكها.

    ج ١ ص ١٠٧
  2. ولكن هناك بعض المسائل لا يعتبر فيها الظن أو غلبة الظن، ولابد فيها من اليقين

    فمن ذلك:

    أ - عقد النكاح على أختين؛ فلو عُقد لشخص عقد نكاح على أختين بعقدين متعاقبين فالأول صحيح، والمتأخر باطل، فلو نسي الأول منهما فإنه يفرق بينه وبين الأختين ويبطل العقدان، لأنه لا يجوز ترجيح الأولية لأحدهما دون الآخر بغلبة الظن، ولا بدَّ من العلم واليقين، لأن التحري لا يجري في مسائل الفروج، ولأن الأصل في الأبضاع التحريم.

  3. ب - طلاق إحدى نسائه: لو طلق رجل زوجة معينة من نسائه، ثم نسيها، فلا يجوز له أن يطأ واحدة منهن إلا بعد العلم بالمطلقة، ولا يكفي التحري وتغليب الظن، ولا يستطيع الحاكم أن يخلي بينه وبين نسائه حتى يتبين، لأن التحري إنما يجوز فيما يباح عند الضرورة والفروج لا تباح عند الضرورة.

  4. جـ - الحبل: لم يعتبر الفقهاء ظهور علامات الحبل دليلاً جازماً على وجود

    الحمل، ولم يرتبوا عليه الأحكام الجازمة، مع أنه يغلب على الظن أن المرأة حامل.

    ج ١ ص ١٠٨
  5. ولذلك لا تصح الوصية للحمل أو الوقف عليه إلا إذا ولد لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقف، حتى يتيقن وجوده وقتها فالولادة لأقل من ستة أشهر يقين على وجوده، ويأخذ حكم هذه الولادة لو كان الأب ميتاً قبل الوصية له والوقف.

  6. فيصحان ولو ولدت بعد مدة أطول، كما تشترط الولادة لأقل من ستة أشهر أو موت الأب لثبوت الشفعة له في البيع الذي يجري، وتشرع فيه الشفعة.

  7. لكن الفقهاء اعتبروا ظهور علامات الحبل أمارة ترجح قول المرأة أنها ولدت إذا أنكر الزوج الولادة، ووقفوا بعلامات الحبل الميراث للحمل.

  8. وإذا علم اليوم وجود الحمل قبل الوصية أو الوقف بأحد الوسائل العلمية الحديثة بالمشاهدة بواسطة التنظير، أو بواسطة الأشعة المخترعة حديثاً، المسماة "أشعة رونتجن " وكانت المشاهدة بطريق مشروع كالتداوي، ثم ولدته لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقف أو الشفعة أو موت المورث، فالظاهر عدم اعتباره، ولا بد من الولادة لأقل من ستة أشهر، لا شكاً فيما أظهرته الأشعة، بل لأنها إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر ولا يتيقن حينئذ بأن المولود هو الحمل الذي شوهد بالأشعة.

  9. لجواز أن المشاهَد أسْقط، ثم حصل بعده حمل جديد،.

  10. (الزرقا ص ٨) .

  11. وهذا إذا كان الحمل الثاني ممكناً، فإن لم يكن الحمل الثاني ممكناً، بأن ولدت

    بعد ثلاثة أشهر، أو أربعة، أو خمسة، فتعتبر أمارات الحمل السابق وعلاماته على وجود الحمل في عصرنا الحاضر.

  12. ٢ - الظن الغالب يجري مجرى اليقين

    إن الأحكام الشرعية تبنى على الظاهر، وإن الوصول إلى اليقين يتعذر في كثير من الأحيان، لذلك جوَّز الشرع الاعتماد على الظن، واعتباره في الاجتهاد والعمل والتطبيق وقبول الأحكام.

  13. ولكن الظن على درجات، وقد ترتقي درجة الظن بكثرة الأدلة والأمارات،

    ج ١ ص ١٠٩فيسمى الظن الغالب الذي يقرب من اليقين، وعرّفه المقّري فقال: "الظن الغالب:

    هو الذي تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب "

  14. وقرر الفقهاء أن الظن الغالب ينزل منزلة اليقين، وأن اليقين لا يزول بالشك بل لا بدَّ من يقين مثله أو ظن غالب، كمن سافر في سفينة مثلاً، وثبت غرقها، فيحكم بموت هذا الإنسان؛ لأن موته ظنّ غالب، والظن الغالب بمنزلة اليقين.

  15. أما إذا كانت غلبة الظن غير مستندة إلى دليل فلا كلام في عدم اعتبارها مطلقاً، وتكون مجرد وهْم، ولا عبرة للتوهم، كما لو غلب على ظن الغاصب حل العين المغصوبة له بناء على احتمال جعل المالك إياه في حل منها، وكما لو ظفر إنسان بمال الغير فأخذه بناء على احتمال أن مالكه أباحه لمن يأخذه، فإنه يكون ضامناً، ولا تعتبر غلبة الظن هذه مهما قويت، ولذلك وجدت أحكام اللقطة، ووجب التعريف سنة، لأن ظنه السابق غير مستند إلى دليل، لأنه من مجرد الوهم، ولا عبرة بالتوهم..

  16. (م/ ٧٤) .

  17. ٣ - اليقين السابق والشك الطارئ

    الشك لا يؤثر على اليقين، ولا يزيله، سواء كان اليقين مقتضياً للحظر فلا يزول الحظر بالشك، أم كان اليقين السابق مقتضياً للإباحة، فلا يمنع بالشك، والعمدة على اليقين في كلتا الحالتين، ولا يلتفت إلى الشك فيهما.

  18. مثال القسم الأول: لو غاب إنسان غيبة منقطعة بحيث لا يعلم موته ولا حياته، فإن المعتبر اليقين السابق، وهو حياته، إلى أن يعلم موته بالبينة، أو بموت أقرانه، كان كان احتمال موته قائماً في كل لحظة، فلا يجوز قبل ذلك قسمة ماله بين الورثة،

    ج ١ ص ١١٠ولو كان له وديعة عند آخر فيجب على المستودع حفظها، فلو أعطاها للورثة يكون ضامناً..

  19. (م/ ٧٨٥) .

  20. (الزرقا ص ٨٢) .

  21. ومثال القسم الثاني: الفروع المذكورة تطبيقات لقاعدة

    "اليقين لا يزول بالشك " .

  22. والشك الطارئ لا يؤئر على اليقين السابق، سواء طرأ على أصل محرم فيبقى

    محرماً، أم شك طرأ على أصل مباح فيبقى مباحاً، أو شك لا يعرف أصله فتبقى الإباحة الأصلية.

  23. مثال الأول: أن يجد المسلم شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس، فلا تحل حتى يعلم أنها ذكاة مسلم، لأن أصلها حرام (بأن تؤكل حية)

  24. وشككنا في الذكاة المبيحة، فلو كان الغالب فيها المسلمون جاز الأكل عملاً بالغالب المفيد للظهور.

  25. ومثال الثاني: أن يجد الشخص ماءً متغيراً، واحتمل تغيره بنجاسة أو بطول

    المكث، فيجوز التطهر به عملاً بأصل الطهارة، ولا يغير الشك حكمه.

  26. ومثال الثالث: معاملة من أكثر مالِهِ حرامٌ، فتجوز معاملته، ولا تحرم، لإمكان الحلال، وعدم تحقق التحريم، لكن يكره خوفاً من الوقوع في الحرام.

  27. (اللحجي ص ٣٦) .

  28. والثابت هو اليقين شرعاً وغير هـ شكٌ، ويعتبر اليقين سواء في براءة الذمة أو شغل الذمة، فالأصل براءة الذمة لأنه اليقين الثابت، حتى يثبت ما يشغلها، فإن ثبت ما يشغل الذمة صار يقيناً فلا تبرأ حتى يثبت الأداء والوفاء.

  29. وذكر فقهاء الشافعية بضع عشرة مسألة يزول فيها اليقين بالشك، كالشك في مدة المسح على الخفين، والشك في نية المسافر، والمستحاضة المتميزة، وسلس البول، والتيمم إذا رأى سراباً فظنه ماء، وفي الصيد، وغيرها.

  30. ٤ - الظن والشك

    إن الظن والشك عند الفقهاء بمعنى واحد، وهذا باعتبار الغالب، ولذلك قال النووي: "اعلم أن مراد أصحابنا (الفقهاء) بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والعتق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان في التردد سواء، أو أحدهما راجحاً، فهذا معناه في استعمال الفقهاء وفي كتب الفقه.

    ج ١ ص ١١١
  31. أما أصحاب الأصول فإنهم فرقوا بين ذلك، وقالوا: التردد إن كان على السواء فهو الشك، وإن كان أحدهما راجحاً فالراجح ظن.

  32. والمرجوح وهم ".

  33. ٥ - الاستصحاب والأصل

    إن القواعد المتفرعة عن القاعدة الرئيسية "اليقين لا يزول بالشك " (م/ ٤) يعبر عنها بالأصل، فيقال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل في الأمور العارضة العدم، الأصل براءة الذمة، الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، الأصل في الكلام الحقيقة، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل العدم.

  34. ويعبر عن الأصل في جميع ذلك بالاستصحاب، وهو استصحاب الماضي إلى

    الحاضر، أي نقل الحكم الثابت في الماضي إلى الوقت الحاضر حتى يثبت غيره.

  35. نماذج عامة معتبرة للأصل

    ١ - الأصل بقاءما كان على ما كان.

  36. ٢ - الأصل براءة الذمة.

  37. ٣ - الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة، إلا إن دل دليل للحظر فيعمل به.

  38. ٤ - الأصل في الأبضاع التحريم.

  39. ٥ - الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم.

    ج ١ ص ١١٢
  40. ٦ - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.