الفصل الثالث

٤٧٤ فقرة، ج ٢ ص ٨٤

الصفحة ١ من ١٢

  1. ٢٣٦ - إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ "الوسيلة" و "التوسل" فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه، ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك.

    ج ٢ ص ٨٤
  2. ٢٣٧ - ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب.

  3. ٢٣٨ - فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى (٥: ٣٥) : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وفي قوله تعالى (١٧: ٥٦ - ٥٧) : {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} .

  4. ٢٣٩ - فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.

  5. ٢٤٠ - فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرماً أو مكروهاً أو مباحاً.

  6. ٢٤١ - فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول/ فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصلُ ذلك الإيمان بما جاء به الرسول.

    ج ٢ ص ٨٥
  7. ٢٤٢ - فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى ذلك إلا ذلك.

  8. ٢٤٣ - والثاني لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" (١) .

  9. ٢٤٤ - وقوله: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد (٢) ، حلت له الشفاعة" .

  10. ٢٤٥ - فهذه الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه (٣) الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي صلى الله عليه وسلم استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال: إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه

    ج ٢ ص ٨٦بها عشرا (١) .

  11. ٢٤٦ - وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته.

  12. ٢٤٧ - والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون ويسألون (٢) بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح.

  13. ٢٤٨ - وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به (٣) معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة.

  14. فأما المعنيان الأولان - الصحيحان باتفاق العلماء -

    فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.

  15. والثاني: دعاؤه وشفاعته كما تقدم.

  16. فهذان جائزان بإجماع المسلمين.

  17. ٢٤٩ - ومن هذا قول عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا (٤) . أي بدعائه وشفاعته.

  18. وقوله تعالى (٥: ٣٥) : {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي القربة إليه بطاعته. وطاعةُ رسوله طاعته، قال تعالى (٤: ٨٠) : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاع الله} .

    ج ٢ ص ٨٧
  19. ٢٥٠ - فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.

  20. وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسُّل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائماً.

  21. ٢٥١ - فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:
  22. أحدهما: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.

  23. ٢٥٢ - والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته.

  24. ٢٥٣ - والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف

    ج ٢ ص ٨٨هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.

  25. ٢٥٤ - وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك/.

  26. ٢٥٥ - قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة.

  27. ٢٥٦ - قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك" أو "بحق خلقك" . وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام (١) .

  28. ٢٥٧ - قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقاً.

  29. ٢٥٨ - وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان:

    ج ٢ ص ٨٩٢٥٩ - أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فَلأنْ يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى.

  30. ٢٦٠ - وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والشمس وضحاها، والنازعات غرقا، والصافات صفا.

  31. ٢٦١ - فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه، بخلاف المخلوق فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن (١) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

    ٢٦٢ - "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقد صححه الترمذي وغيره، وفي لفظ "فقد كفر" وقد صححه الحاكم.

  32. ٢٦٣ - وقد ثبت عنه في الصحيحين (٢) أنه قال: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وقال: "لا تحلفوا

    ج ٢ ص ٩٠إلا بالله " (١) .

    وقال: "لا تحلفوا بآبائكم فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " (٢) .

  33. ٢٦٤ - وفي الصحيحين (٣) عنه أنه قال: "من حلف باللات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله".

  34. ٢٦٥ - وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين وأيمان السذق (٤) وسراويل

    ج ٢ ص ٩١الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه ولا كفارة في الحلف بذلك.

  35. ٢٦٦ - والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور (١) وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد. وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك.

  36. وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه.

  37. ٢٦٧ - والأول أصح حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله (٢) ابن عباس وعبد الله بن عمر: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليَّ من أن

    ج ٢ ص ٩٢أحلف بغير الله صادقاً. وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب.

  38. ٢٦٨ - وإنما يعرف النزاع في الحلف بالأنبياء، فعن أحمد في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم روايتان:

    إحداهما: لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور؛ مالك وأبي حنيفة والشافعي.

  39. والثانية: ينعقد اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضي وأتباعه، وابن المنذر وافق هؤلاء.

  40. وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وعدَّى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء.