الفصل الثالث
٤٧٤ فقرة، ج ٢ ص ٨٤
الصفحة ٢ من ١٢
- ج ٢ ص ٩٢
٢٦٩ - وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق وإن كان نبيًّا قول ضعيف في الغاية مخالف للأصول والنصوص فالإقسام به على الله - والسؤال به بمعنى الإقسام - هو من هذا الجنس.
-
٢٧٠ - وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم - وبينهما فرق - فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبرار القسم.
-
٢٧١ - وثبت عنه في الصحيحين (١) أنه قال: "إن من عباد الله
ج ٢ ص ٩٣من لو أقسم على الله لأبره " قال ذلك لما قال أنس بن النضر: أتكسرُ (١) ثنية الربيع؟ قال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها. فقال: " يا أنس كتابُ. الله القصاص "، فرضي القوم وعفوا، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ".
-
٢٧٢ - وقال: "ربَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" رواه مسلم (٢) وغيره.
- ج ٢ ص ٩٤
٢٧٣ - وقال: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار/ كل عُتُلّ جوّاظ (١) مستكبر" (٢) .
-
وهذا في الصحيحين وكذلك [حديث] أنس بن النضر والآخر
ج ٢ ص ٩٥من أفراد مسلم (١) .
-
٢٧٤ - وقد روى في قوله: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (٢) أنه قال: "منهم البراء بن مالك" (٣) .
-
٢٧٥ - وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون: يا براء، أقسم على ربك. فيقسم على الله فينهزم الكفار. فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا: يا براء أقسم على ربك. فقال: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتفاهم وجعلتني أول شهيد. فأبر الله قسمه فانهزم العدو واستشهد البراء بن مالك يومئذ. وهذا هو أخو أنس بن مالك، قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك في دمه، وحمل يوم مسيلمة على ترس ورمي به إلى الحديقة حتى فتح الباب (٤) .
-
٢٧٦ - والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا؛ فإن حنثه ولم يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه
ج ٢ ص ٩٦عند عامة الفقهاء، كما لو حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئاً ولم يفعله فالكفارة على الحالف الحانث.
-
٢٧٧ - وأما قوله: "سألتك بالله أن تفعل كذا" فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث "من سألكم بالله فأعطوه" (١) ولا كفارة علىهذا إذا لم يجب سؤاله.
-
٢٧٨ - والخلق كلهم يسألون الله مؤمنهم وكافرهم، وقد يجيب الله دعاء الكفار؛ فإن الكفار يسألون الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم، وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفورا (٢) .
-
وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون.
-
٢٧٩ - فالسؤال كقول السائل لله: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام (٣) .
- ج ٢ ص ٩٧
٢٨٠ - وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد (١) .
-
٢٨١ - وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك (٢) .
- ج ٢ ص ٩٨
٢٨٢ - فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته، وليس ذلك إقساماً (١) عليه، فإن أفعاله هي مقتضى أسمائه وصفاته، فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم، وعفوه من مقتضى اسمه العفو. ولهذا لما قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وافقتُ ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني" (٢) .
-
٢٨٣ - وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادي، وفي الأثر
ج ٢ ص ٩٩المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلاً أن يقول: يادليل الحيارى دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين.
-
٢٨٤ - وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب، ولهذا يقال في الدعاء: يا رب يا رب كما قال آدم (٧: ٢٣) : {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} ، وقال نوح (١١: ٤٧) : {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ} وقال إبراهيم (١٤: ٣٧) : {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ ... } وكذلك سائر الأنبياء.
-
٢٨٥ - وقد كره مالك وابن أبي عمران من أصحاب أبي حنيفة وغيرهما أن يقول الداعي يا سيدي يا سيدي (١) وقالوا: قل كما قالت الأنبياء، رب رب.
-
٢٨٦ - واسمه الحي القيوم يجمع أصل معاني الأسماء والصفات كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله إذا اجتهد في الدعاء (٢) .
- ج ٢ ص ١٠٠
٢٨٧ - فإذا سئل المسئول بشيء - والباء للسبب - سئل بسبب يقتضي وجود المسئول، فإذا قال: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض (١) ، كان كونه محموداً مناناً بديع السموات والأرض يقتضي أن يمن على عبده السائل، وكونه محموداً هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه، وحمد العبد له سبب إجابة دعائه.
-
٢٨٨ - ولهذا أمر المصلي أن يقول "سمع الله لمن حمده" أي استجاب الله دعاء من حمده، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن / دعاء لا يسمع" (٢) أي لا يستجاب.
- ج ٢ ص ١٠١
٢٨٩ - ومنه قول الخليل في آخر دعائه (٣٤: ٣٩) : {إن ربي لسميع الدعاء} ، ومنه قوله تعالى (٩: ٤٧) : {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ، وقوله (٥: ٤١) : {وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أي يقبلون الكذب ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك (١) أي لم يأتك أولئك الأقوام، ولهذا أمر المصلي أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه.
-
٢٩٠ - وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه يصلي ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه فقال: "عَجِلَ هذا" ثم دعاه فقال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليدع بعد بما شاء" أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وصححه.
- ج ٢ ص ١٠٢
٢٩١ - وقال عبد الله بن مسعود: كنت أصلي والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم بالصلاة على نبيه ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سَلْ تُعْطَه" رواه الترمذي (١) وحسنه.
-
٢٩٢ - فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك، ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم. قال تعالى (٨: ٢٣) : {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاَسْمَعَهُمْ} ثم قال: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} على هذه الحال التي هم عليها لم يقبلوا الحق ثم {لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} ، فذمهم بأنهم لا يفهمون القرآن ولو فهموه لم يعملوا به.
-
٢٩٣ - وإذا قال السائل لغيره: أسألك بالله. فإنما سأله بإيمانه بالله وذلك سبب لإعطاء من سأله به، فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق، لا سيما إن كان المطلوب كف الظلم، فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، وأمره أعظم الأسباب في حض الفاعل، فلا سبب أولى من أن يكون مقتضياً لمسببه من أمر الله تعالى.
-
٢٩٤ - وقد جاء فيه حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه،
ج ٢ ص ١٠٣عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: "وأسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك" (١) فإن كان هذا صحيحاً فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو حق أوجبه على نفسه لهم.
-
٢٩٥ - كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سبباً لإجابة الدعاء كما في قوله تعالى (٤٢: ٢٦) : {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} .
-
٢٩٦ - وكما يُسأل بوعده؛ لأن وعده يقتضي إنجاز ما وعده، ومنه قول المؤمنين (٣: ١٩٣) : {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلأيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} وقوله (٢٣: ١٠٩ - ١١٠) : {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} .
-
٢٩٧ - ويشبه هذا مناشدة النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر حيث يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني" (٢) .
- ج ٢ ص ١٠٤
٢٩٨ - وكذلك ما في التوراة أن الله تعالى غضب على بني إسرائيل، فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم، فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم.
-
٢٩٩ - ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار، فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله، لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة تقتضي إجابة صاحبه: هذا سأل ببره لوالديه، وهذا سأل بعفته التامة، وهذا سأل بأمانته وإحسانه (١) .
-
٣٠٠ - وكذلك كان ابن مسعود يقول وقت السحر: "اللهم أمرتني فأطعتك، ودعوتني فأجبتك، وهذا سَحَر فاغفر لي" (٢) .
-
٣٠١ - ومنه حديث ابن عمر أنه كان يقول على الصفا: "اللهم إنك قلت، وقولك الحق: {ادعوني أستجب لكم} ، وإنك لا تخلف الميعاد" ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر أنه كان يقول على الصفا (٣) .
- ج ٢ ص ١٠٥
٣٠٢ - فقد تبين أن قول القائل: أسألك بكذا. نوعان:
فإن الباء قد تكون للقسم، وقد تكون للسبب. فقد تكون /قسماً به على الله، وقد تكون سؤالاً بسببه.
-
فأما الأول فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق؟.
-
وأما الثاني وهو السؤال بالمعظم (١) كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع، وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه (٢) أنه لا يجوز. ومن الناس من يجوّز (٣) ذلك.
-
٣٠٣ - فنقول: قول السائل لله: أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، أو بجاه فلان أو بحرمة فلان. يقتضي أن هؤلاء لهم عند الله جاه، وهذا صحيح، فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة يقتضي أن يرفع الله درجاتهم ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا، مع أنه سبحانه قال (٢: ٢٥٥) : {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَ بِإِذْنِهِ} .
-
٣٠٤ - ويقتضي أيضاً أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم فيه كان
ج ٢ ص ١٠٦سعيداً، ومن أطاع أمرهم الذي بلغوه عن الله كان سعيداً، ولكن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم ما (١) يقتضي إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك، بل جاههم ينفعه إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله، أو تأسى بهم فيما سنوه للمؤمنين، وينفعه أيضاً إذا دعوا له وشفعوا فيه.