فصل في وضع الخراج والجزية

٥٥ فقرة، ج ١ ص ١٥٣

الصفحة ١ من ٢

  1. والجزية والخراج حقان أوصل الله تعالى الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ. يَجْتَمِعَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. ثُمَّ تَتَفَرَّعُ أَحْكَامُهُمَا. فَأَمَّا الْأَوْجُهُ الَّتِي يَجْتَمِعَانِ فِيهَا: فَأَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ عَنْ مُشْرِكٍ صغارا له وذلة. والثاني: أنهما مالا فَيْءٍ يُصْرَفَانِ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يَجِبَانِ بِحُلُولِ الْحَوْلِ، وَلَا يُسْتَحَقَّانِ قَبْلَهُ. وَأَمَّا الوجوه الَّتِي يَفْتَرِقَانِ فِيهَا.

    ج ١ ص ١٥٣
  2. فَأَحَدُهَا: أَنَّ الْجِزْيَةَ نَصٌّ، والخراج اجْتِهَادٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ، وأكثرها مقدر بالاجتهاد. والخراج أكثره وأقله مُقَدَّرٌ بِالِاجْتِهَادِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مَعَ بقاء الكفر، وتسقط بحدوث الإسلام، والخراج قد يؤخذ مع الكفر والإسلام. فنبدأ بالجزية فنقول: هي مَوْضُوعَةٌ عَلَى الرُّءُوسِ، وَاسْمُهَا مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَزَاءِ، إمَّا جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ صَغَارًا، أو جَزَاءً عَلَى أَمَانِنَا لَهُمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ رِفْقًا. وتؤخذ الجزية ممن له كتاب أو شبهة كتاب.

  3. أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، وكتابهم التوراة والإنجيل؛ والعرب في أخذ الجزية منهم كغيرهم. وأما من له شبهة كتاب فهم المجوس، يجرون مجرى أهل الكتاب في أخذ الجزية وَإِنْ حَرُمَ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ. وَتُؤْخَذُ مِنْ الصَّابِئِينَ وَالسَّامِرَةِ إذَا وَافَقُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى في أصل معتقدهم وإن خالفوهم في فروعهم. ولا تؤخذ منهم إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم. ولا تؤخذ جزية مرتد، ولا دهري، ولا عابد وثن. ومن دخل في اليهودية والنصرانية مقبل تَبْدِيلِهِمَا أُقِرَّ عَلَى مَا دَانَ بِهِ مِنْهُمَا، وَلَا يُقَرُّ إنْ دَخَلَ بَعْدَ تَبْدِيلِهِمَا. وَمَنْ جهلت حالة أخذت جزيته، ولم تؤكل ذبيحته، ولم تنكح نساؤه. وفيه رواية أخرى: تنكح، وتؤكل ذبيحته، نص عليها في نصارى بني تغلب. وَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إلَى نَصْرَانِيَّةٍ لَمْ يقر في أحد الوجهين، وأخذ بالإسلام، وإن عَادَ إلَى دِينِهِ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ. فَفِي إقراره روايتان. ويهود خيبر وغيرهم في الجزية سواء. وَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْعُقَلَاءِ. وَلَا تَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ ولا مجنون، ولو انفردت امرأة منهم على أن تكون تبعا لزوج أو لنسيب لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهَا جِزْيَةٌ، لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِرِجَالِ قومها وإن كانوا أجانب منها. ولو انفردت امرأة في دَارِ الْحَرْبِ فَبَذَلَتْ الْجِزْيَةَ لِلْمَقَامِ فِي دَارِ الإسلام ولم يَلْزَمْهَا مَا بَذَلَتْهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا كَالْهِبَةِ لا تؤخذ به إن امتنعت.

    ج ١ ص ١٥٤
  4. وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ.

    ج ١ ص ١٥٥
  5. فَإِنْ زال إشكاله وبان رجلا، أخذ بها في مستقبل أمره دون ماضيه. واختلف عن أحمد في قدر الجزية على ثلاث روايات. أحدها: أنها مقدرة الأقل والأكثر. فيؤخذ من الفقير المعتمل اثنا عشر درهما. ومن المتوسط أربعة وعشرون. ومن الموسر ثمانية وأربعون، نقلها الجماعة. والثانية: أنها غير مقدرة الأكثر والأقل، وهي إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان، نقلها الأثرم، فقال " تعاد الجزية على ما يطيقون، تزاد وتنقص. وما يرى الإمام" . والثالثة: أنها مقدرة الأقل، غير مقدرة الأكثر، فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدر عمر. ولا يجوز أن ينقص منه، نقلها يعقوب بن بختان فقال: " لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد" . والأولى: اختيار الخرقي، والثالثة: اختيار أبي بكر. وإذا صُولِحُوا عَلَى مُضَاعَفَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ ضُوعِفَتْ، كَمَا فعل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ تَنُوخِ، وَبَهْرَاءَ، وَبَنِي تغلب بالشام. ويؤخذ من النساء والصبيان. والمنصوص عنه في الصبيان في رواية ابن القاسم، وذلك لأنها جزية مأخوذة على طريق الصلح فاستوى فيها النساء والصبيان. ويدل عليه: ما روي أبو عبيد بإسناده قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى معاذ " وفي الحالم والحالمة دينار أو عدله من المعافر" .

  6. ومعلوم أن ذلك على وجه الصلح. ولا يلزم عليه الجزية لأنها غير مأخوذة على طريق الصلح، لأن الصلح ما اعتبر فيه رضى كل واحد من المتصالحين. والجزية لا يعتبر فيها ذلك لأنهم لو بذلوها لزم الإمام قبولها من طريق الشرع. وقد صرح أحمد أنها جزية في رواية محمد بن موسى وقد سأله عن نصارى بني تغلب، فقال: " تضاغف عليهم الجزية" فقد سماه جزية. وقد علق القول في رواية ابن القاسم فقال " المال والمواشي والأرض سواء الصغير والكبير، إنما هي الزكاة" . فسماها زكاة، ومعناه: حكمها حكم الزكاة في أنها تجب على الصغير والكبير.

    ج ١ ص ١٥٦
  7. وإذا صولحوا على ضيافة من يمر بهم من المسلمين قدرت عليهم، وأخذوا بها ثلاثة أيام لَا يُزَادُونَ عَلَيْهَا، كَمَا صَالَحَ عُمَرُ نَصَارَى الشَّامِ عَلَى ضِيَافَةِ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ المسلمين ثلاثة أيام مما يأكلون. لا يكلفونهم ذبح شاة ولا دجاجة، وتبن دَوَابِّهِمْ مِنْ غَيْرِ شَعِيرٍ، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى أهل السواد دون المدن. وإن لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةَ وَمُضَاعَفَةَ الصَّدَقَةِ، فَلَا صدقة عليهم في زرع ولا ثمر، ولا يلزمهم إضافة سائل ولا سابل. وقد روي عن أحمد كلام يدل على أن الذي شرط عليهم يوم وليلة. فقال حمدان بن علي: قلت لأحمد " عمر بن الخطاب جعل على أهل السواد يوما وليلة؟ قال: كنا إذا تولينا عليهم قالوا: شباشبا. قلت لأحمد: ما يوم وليلة؟ قال: يضيفونهم. قلت: ما قولهم: شباشبا؟ قال أحمد: هو بالفارسية ليلة ليلة" . وقد رواه أبو بكر الخلال بإسناده عن الأحنف بن قيس " أن عمر - رضي الله عنه - اشترط

    ج ١ ص ١٥٧على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته ". وفي لفظ آخر " أن عمر اشترط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، فإن حبسهم مطر أو مرض فيومين. فإن مكثوا أكثر من ذلك أنفقوا من أموالهم، ويكلفوا ما يطيقون ". وكذلك الضيافة في حق المسلمين الواجب يوم وليلة. قال في رواية حنبل " قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - بذلك، وهو دين له: قلت: كم مقدار ما يقدر له؟ قال: ما يمونه في الثلاثة الأيام التي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: واليوم والليلة هو حق واجب ". فقد بين أن المستحب ثلاثة أيام والواجب يوم وليلة. وقال في موضع آخر من مسائل حنبل وصالح " الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة ". فكانت جائزته أوكد من الثلاثة. وقد روى أبو بكر الخلال ما دل على الاستحباب والإيجاب.

  8. فروى بإسناده عن أبي كريمة - المقدام بن معد يكرب - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - " ليلة الضيف حق واجبة، فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضى الدين وإن شاء ترك ". يعني إذا لم يضف. وبإسناده عن أبي شريح الخزاعي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - " الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا: يا رسول الله، كيف يوثمه؟ قال: يقيم عنده، وليس عنده ما يقربه". فحديث أبي كريمة يدل على وجوب اليوم والليلة. وحديث أبي شريح يدل على استحباب الثلاث. فالضيافة في حق الكفار والمسلمين، يتفقان في قدر الوجوب والاستحباب، ويختلفان في حكمين آخرين. أحدهما: أنها في حق المسلمين تجب ابتداء بالشرع، وفي حق الكفار تجب بالشرط. والثاني: أنها في حق المسلمين تعم أهل القرى والأمصار. وفي حق الكفار تختص بأهل القرى.

  9. قال في رواية أبي الحارث " الضيافة تجب على كل مسلم، من كان من أهل الأمصار وغيرهم من المسلمين" . وقال في موضع آخر " تجب الضيافة على المسلمين كلهم، ومن نزل به ضيف عليه أن يضيفه. والفرق بينهما " أن عمر شرط تلك على أهل القرى، والأخبار الواردة في حق المسلمين عامة لقوله - صلى الله عليه وسلم - " ليلة الضيف حق واجبة" . وفي لفظ آخر " الضيافة ثلاثة أيام" . وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار، لعموم الخبر. وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل - وقد سأله " إن أضاف الرجل ضيفان من أهل الكفر؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - " ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم ". دل على أن المسلم والمشرك مضاف. والضيافة معناها معنى الصدقة التطوع على المسلم والكافر. فقد احتج بعموم الخبر، وأنه يعم المسلم والكافر. وإذا نزل به الضيف فلم يضفه كان دينا له على المضاف به. نص عليه في رواية حنبل. فقال " إذا نزل القوم فلم يضافوا، فإن شاء طلبه. وإن شاء ترك ".

    ج ١ ص ١٥٨
  10. قال له " فكم مقدار ما يقدر له؟ قال " ما يمونه في الثلاثة الأيام، واليوم والليلة حق واجب" . قال له: " فإن لم يضيفوه ترى له أن يأخذ من أموالهم بمقدار ما يضيفه؟ قال: لا يأخذ إلا بعلم أهله. وله أن يطالبهم بحقه" . فقد نص على أن له المطالبة بذلك. وهذا يدل على ثبوته في ذمته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي كريمة " فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك" ومنع من أن يأخذ من مال من تجب عليه الضيافة بغير إذنه، بناء على أصله، وهو " أن من كان له على رجل حق وامتنع من أدائه وقدر له على حق لم يجز له أن يأخذه بغير إذنه" . ويلزم الذمي ترك ما فيه ضرر على المسلمين وآحادهم: في مال، أو نفس. وهي ثمانية أشياء: الاجتماع في قتال المسلمين، وأن لا يزني بمسلمة، ولا يصيبها باسم نكاح، ولا يفتن مسلما عن دينه. ولا يقطع عليه الطريق ولا يؤوي للمشركين عينا، أعني جاسوسا. ولا يعاون على المسلمين بدلالة، أعني لا يكاتب المشركين بأخبار المسلمين. لا يقتل مسلما ولا مسلمة. وكذلك يلزم ترك ما فيه غضاضة ونقص على الإسلام، وهي ثلاثة أشياء، ذكر الله تعالى، وكتابه، ودينه، ورسوله، بما لا ينبغي. فهذه الأشياء يلزمهم تركها، سواء شرط ذلك الإمام عليهم أو لم يشرط.

  11. فإن فعلوا ذلك أو شيئاً منه، نقض العهد في إحدى الروايتين. قال في رواية أبي الحارث: في نصراني استكره مسلمة على نفسها " يقتل، ليس على هذا صولحوا، وإن طاوعته يقتل، وعليها الحد" . وقال في رواية حنبل " كل من ذكر شيئا يعرض به بالرب عز وجل فعليه القتل، مسلما كان أو كافرا" . وقال في رواية أبي طالب: في يهودي شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - " يقتل. قد نقض العهد" . وفيه رواية أخرى " لا ينقض العهد إلا بالامتناع من بذل الجزية وجرى أحكامنا عليهم" . وقال في رواية موسى بن عيسى الموصلي " في المشرك إذا قذف مسلما " يضرب ".

    ج ١ ص ١٥٩
  12. كذلك في رواية الميموني: في الرجل من أهل الكتاب يقذف العبد المسلم وينكل به " يضرب ما يرى الحاكم ". وظاهر هذا: أنه لم يجعله ناقضا للعهد بقذف المسلم وإن كان ضرر على المسلمين. فأما ما ليس فيه ضرر على المسلمين، ولا غضاضة على الإسلام، مثل إظهار منكر في دار الإسلام، بإحداث البيع والكنائس في دار الإسلام، ورفع أصواتهم بكتبهم، والضرب بالنواقيس، وإطالة البنيان على المسلمين، وإظهار الخمر والخنزير، وترك ما أخذ عليهم تركه من التشبه بالمسلمين في ملبوسهم، ومركوبهم، وكناهم، وشعورهم، فهل ذلك واجب عليهم تركه، أم هو مستحب؟. فقال في رواية أبي الحارث " ينبغي أن يؤخذ أهل الذمة بالنواصي والزنانير، يذلون بذلك".

  13. وقال في رواية أبي طالب " السواد فتح عنوة، فلا يكون فيه بيعة، ولا يضرب فيه بنا قوس ولا تتخذ فيه الخنازير، ولا تشرب في الخمر، ولا يرفعون أصواتهم في دورهم" . وقال في رواية إبراهيم بن هانئ، ويعقوب بن بختان " لا يتركون أن يجتمعوا في كل أحد، ولا يظهرون خمرا ولا ناقوسا" . فقد أطلق القول في ذلك. فيحتمل أن يقتضي الوجوب، ويلزم بعقد الذمة، لأنها إظهار منكر في دار الإسلام، فلزم تركه بعقد الذمة. دليله: ما كان فيه ضرر على الإسلام والمسلمين. ويحتمل أن يكون ترك هذه الأشياء مستحب، لأنه لا ضرر على الإسلام والمسلمين فيه. فعلى هذا لا يلزم حتى يشترط عليهم فيصير بالشرط ملتزما. فإن ارتكبها بعد الشرط، فهل يكون نقضا لعهدهم؟. ظاهر كلام الخرقي يكون نقضا لأنه قال " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله، لأنه بالشرط قد لزمهم، ويؤخذون به إجبارا، ويؤدبون على فعله" فكان ناقضا به، كالامتناع من أداء الجزية والأشياء التي في فعلها ضرر على الإسلام والمسلمين. ويثبت الإمام ما استقر من عهد الصُّلْحِ مَعَهُمْ فِي دَوَاوِينَ الْأَمْصَارِ لِيُؤْخَذُوا بِهِ إذَا تَرَكُوهُ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ صُلْحًا رُبَّمَا خَالَفَ مَا سِوَاهُ.

    ج ١ ص ١٦٠
  14. وَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ في السنة إلا مرة بعد انقضائها بشهور الأهلة. ومن مات فِيهَا أُخِذَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقَدْرِ مَا مَضَى منها. ومن أسلم منهم كان ماله مقرا عليه، وجزيته ساقطة عنه. وكذلك إن مات قبل أدائها. وَمَنْ بَلَغَ مِنْ صِغَارِهِمْ أَوْ أَفَاقَ مِنْ مجانينهم استقبل به حول الجزية. وتسقط الجزية عن الفقير، وعن الشيخ، وعن الزمن. وَإِذَا تَشَاجَرُوا فِي دِينِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مُعْتَقَدِهِمْ، لَمْ يُعَارَضُوا فِيهِ، وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْهُ.

  15. وإذا تنازعوا في حق ارتفعوا فيه إلى حاكمهم لم يمنعوا منه. وإن تَرَافَعُوا فِيهِ إلَى حَاكِمِنَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا يُوجِبُهُ دِينُ الْإِسْلَامِ. وَتُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ إذَا أتوها. ومن نقض منهم عهده لم يبلغ به مأمنه، وكان الإمام فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق. هذا كلام أحمد في رواية أحمد بن سعيد " إذا منع الجزية ضربت عنقه" . وقال في رواية أبي الحارث " إذا زنى بمسلمة قتل" . وذلك لأنه عقد الذمة على أن يكف عنا ونكف عنه. فإذا نقض العهد عاد بمعناه الأول، فكأنه وجد لص حربي في دار الإسلام. وَلِأَهْلِ الْعَهْدِ - إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ - الْأَمَانُ على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا أقل من سنة بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، وَلَا يُقِيمُونَ سَنَةً إلَّا بِجِزْيَةٍ، وَيَلْزَمُ الْكَفُّ عَنْهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَا يَلْزَمُ الدَّفْعُ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَإِذَا أَمَّنَ بالغ من عقلاء الْمُسْلِمِينَ حَرْبِيًّا لَزِمَ أَمَانُهُ كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمَرْأَةُ فِي بَذْلِ الْأَمَانِ كَالرَّجُلِ، وَالْعَبْدُ فِيهِ كَالْحُرِّ، سواء كان مأذونا له في القتال أو لم يكن. ويصح أمان الصبي، نص عليه. قال أبو بكر الخلال " إذا كان له سبع سنين وعقل التخيير بين أبويه فأمانه جائز" . ولا يصح أمان المجنون، ومن أمنه فهو حرب، إلا أن يجهل حكم أمانه فيبلغه مأمنه. ثم يكون حربا. وإذا تظاهر أهل الذمة أو العهد بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم تقتل مقاتلتهم. وإذا امتنع أهل الذمة من بذل الجزية كان نقضا لعهدهم. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَيْعَةً وَلَا كَنِيسَةً، فَإِنْ أَحْدَثُوهَا هُدِمَتْ عَلَيْهِمْ.

    ج ١ ص ١٦١
  16. واختلفت الرواية عن أحمد في بناء ما استهدم من بيعهم وكنائسهم القديمة. فروي عنه، أنه ليس لهم ذلك. نقلها عبد الله. والثانية: لهم ذلك، والثالثة: إن خرب جميعها لم يكن لهم ذلك. وإن استهدم بعضها جاز.

  17. وإذا نقض أهل الذمة عهدهم استبيح به قتلهم، وغنيمة أموالهم، وسبي ذراريهم. وهذا ظاهر ما نقلناه عنه في رواية أحمد بن سعيد " إذا امتنع الجزية ضربت عنقه" . وفي رواية أبي الحارث " إذا زنى بمسلمة قتل" . وقال الخرقي في أمر الجزية " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله " وهذا صريح من الخرقي في ذلك. فإن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا، ناقضا للعهد - وله مال في دار الإسلام - هل يكون فيئا؟ ظاهر كلام الخرقي أنه يكون فيئا، لأنه قال " ومن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا ناقضا للعهد عاد حربا. وقال أبو بكر الخلال في كتاب الخلاف " إذا أودع الحربي المستأمن في دار الإسلام مالا، ثم لحق بدار الحرب فأسر أو قتل: إنه يرد إلى ورثته ". وظاهر هذا: أنه لم ينقض أمانه في ماله. وهذا الكلام في الجزية. فأما الكلام في الخراج فهو ما وضع على رقاب الأرضين من حقوق تؤدي عنها. وَالْأَرْضُونَ كُلُّهَا تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ إحْيَاءَهُ، فَهُوَ أَرْضُ عُشْرٍ لَا يجوز أن يوضع عليها الخراج. نص عليه في رواية أبي الصقر- وقد سأله عن أرض موات في الإسلام لا يعرف لها أرباب، ولا للسلطان عليها خراج، فأحياها رجل من المسلمين - فقال " من أحيا أرضا مواتا في غير أرض السواد كان للسلطان عليه فيها عشر، ليس له عليه غير ذلك".

    ج ١ ص ١٦٢
  18. وقال في رواية ابن منصور " والأرضون التي يملكها ربها ليس فيها خراج، مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد لسعد، وابن مسعود، وخباب" . وظاهر هذا أنه لم يوجب في قطائع السواد خراجا، وهذا محمول على أنه أقطعهم منافعها وخراجها، وللإمام أن يسقط الخراج على وجه المصالحة.

    ج ١ ص ١٦٣
  19. القسم الثاني ما أسلم عليه أربابه، فَهُوَ أَرْضُ عُشْرٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عليها خراج نص عليه في رواية حرب، فقال " إذا فتح المسلمون الأرض عنوة فصارت فيئا لهم فهو خراج " . وقال " أرض العشر: الرجل يسلم بنفسه من غير قتال وفي يده أرض، فهي عشر" . وقال في موضع آخر " أرض العشر، الرجل يسلم وفي يده أرض فهي عشر، مثل مكة والمدينة " . وقد علق القول في رواية حنبل، فقال " من أسلم على شيء فهو له، ويؤخذ منه خراج الأرض" . وهذا محمول على أنه كان في يده من أرض الخراج أقره الإمام في يده، كما أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر، فلا يسقط الخراج. القسم الثالث ما ملك عن المشركين عنوة وقهرا، ففيه روايتان: إحداهما: يكون غَنِيمَةً تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَتَكُونُ أَرْضَ عُشْرٍ، لا يجوز أن يوضع عليها خراج، وفيه رواية أخرى: الإمام بالخيار بين أن يقسمها بين الغانمين، فلا يكون فيها خراج، وبين أن يقفها على جماعة المسلمين، فَتَصِيرُ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا خراجا يكون أجرة يقر على الأبد، وإن لم يتقدر بِمُدَّةٍ، لِمَا فِيهَا مِنْ عُمُومِ الْمَصْلَحَةِ. وَلَا يجوز بيع رقابها، اعتبارا بحكم الوقف، وهي الأرض المختصة بوضع الخراج عليها. القسم الرَّابِعُ مَا صُولِحَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ فهي على ضربين: أحدهما: ما جلا عنه أهله حتى خصلت للمسلمين بغير قتال فيكون وقفا على مصالح المسلمين

    ج ١ ص ١٦٤ويضرب عليها خراج يكون أجرة يقر على الأبد وإن لم يتقدر بمدة، لما فيها من عموم المصلحة، فلا يَتَغَيَّرُ بِإِسْلَامٍ وَلَا ذِمَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رقابها، اعتبارا بحكم الوقف. وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث وصالح " كل أرض جلا عنها أهلها بغير قتال فهي فيء" . ومعناه: أنها وقف، وقد بينا ذلك من كلامه فيما قبل.

  20. الضرب الثاني: ما أقام فيه أهله، وصالحونا عَلَى إقْرَارِهِ فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْزِلُوا عَنْ مِلْكِهَا لَنَا عِنْدَ صُلْحِنَا، فَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَاَلَّذِي انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ، ويكون الخراج المضروب عليها أجرة، ولا تسقط بإسلامه، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ رِقَابِهَا، وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بها ما أقاموا على صلحهم، لا تنقل من أيديهم سواء أقاموا على شركهم أو أسلموا، كما لا تنزع الأرض المستأجرة من مستأجرها، ولا تسقط عَنْهُمْ بِهَذَا الْخَرَاجِ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ إنْ صَارُوا أهل ذمة مستوطنين. وإن لم يستوطنوا ولم ينتقلوا إلى الذمة، وأقاموا على الْعَهْدِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرُّوا فِيهَا سَنَةً بغير جزية. وقد قال أحمد في رواية حنبل " ما فتح عنوة فهو فيء للمسلمين، وما صولحوا عليه فهو لهم، يؤدون إلى المسلمين ما صولحوا عليه، ومن أسلم منهم تسقط عنه الجزية والأرض للمسلمين" . فقد بين أن الأرض فيء، وهذا على أن الأرض لنا، فتكون فيئا: يعني وقفا. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَسْتَبِقُوهَا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَلَا يَنْزِلُوا عن رقابها، ويصالحونا عَنْهَا بِخَرَاجٍ يُوضَعُ عَلَيْهَا. فَهَذَا الْخَرَاجُ جِزْيَةٌ، يؤخذ منهم ما أقاموا على شركهم، ويسقط عنهم بإسلامهم وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى مَنْ شاءوا منهم، أو من أهل الذمة، أو من المسلمين فإن تبايعوها بَيْنَهُمْ كَانَتْ عَلَى حُكْمِهَا فِي الْخَرَاجِ، وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى مُسْلِمٍ سَقَطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى ذِمِّيٍّ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا لِبَقَاءِ كُفْرِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَسْقُطَ لخروجه بالذمة من عقد من صولح عليها. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور، وذكر له قول سفيان " ما كان من أرض صولح عليها ثم أسلم أخلخا بعد وضع الخراج عنها، قال أحمد " جيد " قال " وما كان من أرض أخذت عنوة، ثم أسلم صاحبها، ووضعت عنه الجزية وأقر على أرضه بالخراج قال أحمد " جيد" .

  21. فقد نص على أن الخراج يسقط عن أرض الصلح بالإسلام، وهذا محمول على أن تلك الأرضين لهم، ولم يسقط عن أرض العنوة، لأنها لجماعة المسلمين هي أجرة عنها.

    ج ١ ص ١٦٥
  22. فأما قدر الخراج المضروب فمعتبر بما تحتمله الأرض. نص عليه أحمد في رواية محمد بن داود - وقد سئل عن حديث عمر " وضع على جريب الكرم كذا وعلى جريب كذا كذا " هو شيء موصوف على الناس لا يزاد عليهم، أو إن رأى الإمام غير هذا زاد ونقص؟ - قال " بل هو على رأي الإمام، إن شاء زاد عليهم، وإن شاء نقص - وقال- هو بين في حديث عمر " إن زدت عليهم كذا لا يجهدهم؟ " إنما نظر عمر إلى ما تطيق الأرض" . فقد نص على أن ذلك موقوف على اجتهاد الإمام، وليس بموقوف على تقدير عمر، بل تعتبر الطاقة في الزيادة والنقصان. واحتج بقول عمر " إن زدت عليهم لا تجهدهم" . ونقل العباس بن محمد بن موسى الخلال عن أحمد: أنه قال " الخراج يقر في أيديهم مقاسمة على النصف، وأقل إذا رضي بذلك الأكرة، يحملهم بقدر ما يطيقون " وقال بعد " ليس للإمام أن يغيرها على ما أقرها عليه عمر" . وقال في رواية يعقوب بن بختان " لا يجوز للإمام أن ينقص، وله أن يزيد" . وقال في رواية ابن منصور " ووضع - يعني عمر - عليها - يعني السواد- الخراج: على كل جريب درهم وقفيز من الحنطة والشعير. وما سوى ذلك من القصب والزيتون والنخل

    ج ١ ص ١٦٦أشياء موظفة يؤدونها ". وقال " خراج السواد على حديث الحكم عن عمرو بن ميمون قفيز ودرهم ". قال أبو بكر الخلال: أبو عبد الله يقول " إن للإمام النظر في ذلك، فيزيد عليهم وينقص على قدر ما يطيقون ". وقد ذكر ذلك عنه غير واحد، وما قاله عباس الخلال عن أبي بكر فهو قول أول لأبي عبد الله. وقد اختلفت الرواية عن عمر في قدر الخراج: فروي أبو عبيد بإسناده عن عمرو بن ميمون قال " شهدت عمر بن الخطاب - وأتاه ابن حنيف - فجعل يكلمه، فسمعناه يقول له: آلله، لئن وضعت على كل جريب من الأرض درهما وقفيزا من طعام لا يشق ذلك عليهم، ولا يجهدهم؟ ". وبإسناده عن محمد بن عبد الله اليقفي قال " وضع عمر على أهل السواد على كل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم ".

  23. وروي أيضا بإسناده عن الشعبي " أن عمر بعث ابن حنيف إلى السواد، فطرز الخراج فوضع على جريب الشعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم عشرة ". وروي أبو زيد عمر بن شبة النميري بإسناده عن عمرو بن ميمون " أنه وضع على كل جريب - وذكر الخبر إلى أن قال -: وعلى النخل: على الفارسية درهما، وعلى الدقلتين درهما ". وفي لفظ آخر عن عثمان بن حنيف حين بعثه عمر " فأخذ من الرطبة - وذكر الخبر إلى أن قال: وكان لا يعد النخل ". وقد أخذ أحمد من هذه الأخبار بحديث عمرو بن ميمون في رواية على بن سعيد اللحياني وجعفر بن محمد، فقال " أعلى وأصح حديث في أرض السواد: حديث عمرو بن ميمون في الدرهم والقفيز ". ويشهد لهذا: ما روي أبو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - " إذا منعت العراق درهمها وقفيزها. ومنعت الشأم دينارها ومديها، ومنعت مصر دينارها وإردبها، وعدتم كما بدأتم فقد أثبت الجمع بين الدرهم والقفيز.

  24. وهذا الاختلاف عن عمر يدل على اعتبار الطاقة، كذلك يجب أن يكون وضع الخراج مراعى في كل أرض تَحْتَمِلُهُ. فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، يُؤَثِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي زِيَادَةِ الْخَرَاجِ وَنُقْصَانِهِ: أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْضِ مِنْ جَوْدَةٍ يَزْكُو بها زرعهم، أو رداءة يقل به ريعها. الثاني: ما يختص بالزرع من اختلاف أنواعه. فإن الحبوب والثمار ما يكثر ثمنه، ومنها ما لا يقل ثمنه، فيكون الخراج بحسبه. الثالث: ما يختص بالسقي والشرب، لأن ما التزمت المؤنة في سقيه بالدوالي والنواضح لا يحتمل من الخراج ما يحتمله ما سقي بالسيوح والأمطار. وشرب الزروع وَالْأَشْجَارِ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا سَقَاهُ الآدميون بغير آلة، كالسبةح من العيون والأنهار تساق إليها، فتسيح عليها عند الحاجة، وتمنع عنها عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ، وَهَذَا أَوْفَرُ الْمِيَاهِ مَنْفَعَةً وَأَقَلُّهَا كلفة.

    ج ١ ص ١٦٧
  25. القسم الثاني: ما سقاه الآدميون من نواضح أو دوالي، أو دواليب، وهذا أكثر المياه مؤنة وأشقها عملا. القسم الثالث: ما سقته السماء مطرا، أو ثلجا، أو طلا، ويسمى العذي. القسم الرابع: ما سقته الأرض بندواتها، وما أسكن من الماء قرارها، فشرب زَرْعُهَا وَشَجَرُهَا بِعُرُوقِهِ، وَيُسَمَّى الْبَعْلُ. فَأَمَّا الْغِيلُ: فهو مَا شَرِبَ بِالْقَنَاةِ، فَإِنْ سَاحَ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَسِحْ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي. وَأَمَّا الْكَظَائِمُ: فَهُوَ مَا شَرِبَ مِنْ الْآبَارِ، فَإِنْ نُضِحَ مِنْهَا بِالْغُرُوبِ فَهُوَ من القسم الثاني وإن استخرج من القنى، فهو غيل يلحق بالقسم الأول. وإذا ثبت هذا فلابد لواضع الخراج من اعتبار ما وصفنا مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَرْضِينَ، وَاخْتِلَافِ الزروع، واختلاف الشرب لِيَعْلَمَ قَدْرَ مَا تَحْمِلُهُ الْأَرْضُ مِنْ خَرَاجِهَا. فيقصد العدل فيما بين أهلها وأهل الْفَيْءِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ تُجْحِفُ بِأَهْلِ الْخَرَاجِ، ولا نقصان يضر بأهل الفيء.

  26. وَلَا يَسْتَقْصِي فِي وَضْعِ الْخَرَاجِ غَايَةَ مَا تحتمله، ليجعل فِيهِ لِأَرْبَابِ الْأَرْضِ بَقِيَّةً يُجْبِرُونَ بِهَا النَّوَائِبَ والجوائح. ويعتبر واضع الخراج أصلح الأمور من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يضعه على مسائح الأرض. الثاني: أن يضعه على مسائح الزرع. الثالث: أن يجعله مُقَاسَمَةً. فَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى مَسَائِحِ الْأَرْضِ كَانَ مُعْتَبَرًا بِالسَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ. وَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى مَسَائِحِ الزرع، فقد قيل: يكون مُعْتَبَرًا بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ. وَإِنْ جَعَلَهُ مُقَاسَمَةً كَانَ مُعْتَبَرًا بِكَمَالِ الزَّرْعِ وَتَصْفِيَتِهِ. فَإِذَا اسْتَقَرَّ عَلَى أحدها مقدار بشروطه الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ صَارَ ذَلِكَ مُؤَبَّدًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ وَلَا يُنْقَصَ مِنْهُ، مَا كانت الأرضون على أحوالها، في شروبها ومصالحها. فإن تغيرت شروبها ومصالحها إلى زيادة أو نقصان فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِمْ، كَزِيَادَةٍ حَدَثَتْ بِشَقِّ أنهار، واستنباط مياه، أو نقصان حدث لتقصير في عمارة، أو لعدول عن مصلحة. فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَيْهِمْ بِحَالِهِ، لَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ فيه لزيادة عمارتهم، ولا ينقص منه لنقصانها.

    ج ١ ص ١٦٨
  27. ويؤخذون بالعمارة نظرا لهم، ولأهل الفيء، لئلا يستديم خرابه فيتعطل. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ جهتهم، فيكون النقصان بشق انفجر أَوْ نَهْرٍ تَعَطَّلَ. فَإِنْ كَانَ سَدُّهُ وَعَمَلُهُ مُمْكِنًا وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَعْمَلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَالْخَرَاجُ سَاقِطٌ عنهم ما لم يعمل. وإن لم يمكن عَمَلُهُ فَخَرَاجُ تِلْكَ الْأَرْضِ سَاقِطٌ عَنْ أَهْلِهَا إذَا عُدِمَ الِانْتِفَاعُ بِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بها في غير الزراعة: لمصائد، أو مراع، جاز أن يستأنف وضع الخراج بحسب ما يحتمله الصيد والمراعي , وليست كأرض الْمَوَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَى مَصَائِدِهَا وَمَرَاعِيهَا خَرَاجٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ مَمْلُوكَةٌ، وأرض الموات مباحة. وقد نقل خضر بن إسحاق: أن صيادا سأل أحمد عن الصيد في أجمة - يعني قطر بل - وأنهم يمنعون أن نصيد فيها حتى نعطيهم شيئا؟ فقال: " احرص أن لا تعطيهم فإن شارطتهم فلا تخنهم" .

  28. وقوله " احرص أن لا تعطيهم " محمول على أنها من أرض الموات، وقوله " فإن شارطتهم فلا تخنهم" محمول على قول من قال: ليس في أرض السواد موات. فأحب الخروج من الخلاف. وقد اختلفت الرواية عنه، هل في السواد موات يملك بالأحياء؟. فقال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال - وقد سأله عما أحيى من أرض السواد: أيكون لمن أحياه-؟ فقال: " مثل التلول والرمال فيما بينك وبين الأنبار، فهو لمن أحياه" . وقال في رواية ابنه عبد الله - وقد سأله: أيكون موات في أرض السواد؟ قال: " لا أعلمه يكون مواتا" . وأما الزيادة التي أحدثها الله تعالى، كعين انفجر ينبوعها غالبا فساح ماؤها، أو أرض حفرها السيل حتى انخفضت وصارت سَائِحَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُسْقَى بِآلَةٍ، فَإِنْ كان هذا عارضا ضالا يُوثَقُ بِدَوَامِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَادَ فِي خراج تلك الأرض، وَإِنْ وُثِقَ بِدَوَامِهِ رَاعَى الْإِمَامُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لِأَرْبَابِ الضِّيَاعِ وَأَهْلِ الْفَيْءِ، وَعَمِلَ فِي الزِّيَادَةِ أو المشاركة بِمَا يَكُونُ عَدْلًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَخَرَاجُ الْأَرْضِ إذا أمكن زرعها مأخوذ وإن لم تزرع.

    ج ١ ص ١٦٩
  29. نص عليه في رواية الأثرم، ومحمد بن أبي حرب، وقد سئل عن رجل يده أرض من أراضي الخراج ولم يزرعها، يكون عليه خراجها؟ قال: " نعم، العامر والغامر" . وَإِذَا كَانَ خَرَاجُ مَا أَخَلَّ بِزَرْعِهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ أُخِذَ مِنْهُ فِيمَا أَخَلَّ بِزَرْعِهِ خراج أَقَلِّ مَا يُزْرَعُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى زَرْعِهِ لَمْ يُعَارَضْ فِيهِ. وَإِذَا كَانَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا فِي كُلِّ عام حتى تراح في عم وتزرع في الآخر. رُوعِيَ حَالُهَا فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا، واعتبر أصلح الأمور لِأَرْبَابِ الضِّيَاعِ، وَأَهْلِ الْفَيْءِ فِي خَصْلَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ: - إمَّا أَنْ يَجْعَلَ خَرَاجَهَا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ خَرَاجِ مَا يُزْرَعُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَزْرُوعِ وَالْمَتْرُوكِ، وَإِمَّا أَنْ يَمْسَحَ كُلَّ جَرِيبَيْنِ مِنْهَا بِجَرِيبٍ، لِيَكُونَ أَحَدُهُمَا لِلْمَزْرُوعِ وَالْآخَرُ لِلْمَتْرُوكِ. وَإِمَّا أَنْ يَضَعَهُ بِكَمَالِهِ عَلَى مساحة المتروك ويستوفي على أربابه الشطر من رزاعة أَرْضِهِمْ. وَإِذَا كَانَ خَرَاجُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ، فَزُرِعَ أَوْ غُرِسَ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، اُعْتُبِرَ خَرَاجُهُ بِأَقْرَبِ الْمَنْصُوصَاتِ بِهِ شبها أو نفعا. وَإِذَا زُرِعَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ مَا يُوجِبُ الْعُشْرَ لم يسقط عشر الأرض خراج الأرض وجمع فيها بين الحقين.

  30. ولا يجوز أن ينقل أَرْضُ الْخَرَاجِ إلَى الْعُشْرِ، وَلَا أَرْضُ الْعُشْرِ إلى الخراج. وقد سئل أحمد في رواية إسحاق عن دار البطيخ بطرسوس: كانت بيروما كان عليها فهو لها على الأرمني إلى خارج الخندق. ووضع عليها الخراج فقال: الحمالون لا يحمل فيها لم يكن عليها خراج، وقد وضع عليها الآن خراج فلا يغير. فقال " قد أحسنوا فقد أنكر وضع الخراج على أرض لم يكن عليها" . وإذا استقى بِمَاءِ الْخَرَاجِ أَرْضُ عُشْرٍ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا عُشْرًا. وَإِذَا سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَرْضُ خَرَاجٍ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا خَرَاجًا، اعْتِبَارًا بِالْأَرْضِ دُونَ الماء. وعند أبي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ حُكْمُ الْمَاءِ.

    ج ١ ص ١٧٠
  31. فَيُؤْخَذُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ الْخَرَاجُ، وَيُؤْخَذُ بِمَاءِ الْعُشْرِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ الْعُشْرُ، اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ، وَاعْتِبَارُ الْأَرْضِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمَاءِ، لِأَنَّ الْخَرَاجَ مَأْخُوذٌ عَنْ الْأَرْضِ، وَالْعُشْرُ مَأْخُوذٌ من الزَّرْعِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَاءِ خَرَاجٌ وَلَا عُشْرٌ، فلم يعتبر وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ صَاحِبَ الْخَرَاجِ أَنْ يَسْقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَمَنَعَ صَاحِبَ الْعُشْرِ أَنْ يَسْقِيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ، ولم يمنع أحمد وَاحِدًا مِنْهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِأَيِّ الْمَاءَيْنِ شَاءَ. وقد قال أحمد في رواية صالح " الخراج على الرقبة" . وقال في رواية ابن منصور " إنما هو جزية رقبة الأرض" . فقد بين في رواية ابن منصور أنه عن رقبتها. وفي رواية صالح أنه على الأرض مثل الجزية على الرقبة، فاقتضى أنه عن رقبتها، وإذا كان عن رقبة الأرض كان الاعتبار بها، لا بالماء الذي يسقى به. وإذا بني في أرض الخراج أبنية دورا وحوانيتا، كَانَ خَرَاجُ الْأَرْضِ مُسْتَحَقًّا، لِأَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أن ينتفع بها كيف شاء.

  32. وهذا ظاهر كلام أحمد، وأن الخراج لا يقف على الزرع أو الغراس. قال في رواية يعقوب بن بختان - وقد سأله: ترى أن يخرج الرجل عما في يده من دار أو ضيعة على ما وصف عمر على كل جريب فيتصدق به؟ - قال: " ما أجود هذا " قال له: فإنه بلغني عنك أنك تعطي عن دارك الخراج، تتصدق به؟ قال: " نعم" . وقد قيل: إن مالا يستغني في زراعتها عن بنائه في مقامه في أرض الخراج لزراعها عفو يسقط عنه خراجه، لأنه لا يسقر في زراعتها إلا بمسكن يستوطنه، وما جاز قدر حاجته مَأْخُوذٌ بِخَرَاجِهِ. وَإِذَا أُوجِرَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ، أَوْ أُعِيرَتْ، فَخَرَاجُهَا عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ. وقد قال أحمد في رواية أبي الصقر - في أرض السواد تقبلها الرجل " يؤدي وظيفة عرم ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر" . وظاهر هذا: أن الخراج على المستأجر، لأن المتقبل مستأجر. وكذلك قال في رواية محمد بن أبي حرب " أرض السواد من استأجر منها شيئا ممن هي في يده فهو جائز، ويكون فيها مثله" .

    ج ١ ص ١٧١
  33. فقد جعل المستأجر بمنزلة الموجر. وقد صرح به أبو حفص في الجزء الثاني من الإجارة، فقال: " باب الدليل على أن من استأجر أرضا فزرعها كان الخراج والعشر جميعا عليه، دون صاحب الأرض - وساق فيه رواية أبي صقر" . وعندي أن كلام أحمد لا يقتضي ما قال، لأنه إنما نص على رجل تقبل أرضا من السلطان فدفعها إليه بالخراج، وجعل ذلك أجرتها، لأنها لم تكن في يد السلطان بأجرة، بل كانت لجماعة المسلمين، والمسألة التي ذكرناها إذا كانت في يد رجل من المسلمين بالخراج المضروب فأجرها فإن الثاني لا يجب عليه الخراج، بل يجب على الأول، لأنها في يده بأجرة، هي الخراج. وَإِذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْأَرْضِ فِي حُكْمِهَا، فَادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهَا أَرْضُ خَرَاجٍ، وَادَّعَى رَبُّهَا أَنَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ - وَقَوْلُهُمَا مُمَكَّنٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ المالك دون العامل، فإن اتهم استحلف. وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِي مِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى شَوَاهِدِ الدَّوَاوِينِ السُّلْطَانِيَّةِ إذَا عَلِمَ صِحَّتَهَا، ووثق بكتابها. وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْأَرْضِ دَفْعَ الْخَرَاجِ لَمْ يقبل قَوْلُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِي دَفْعِ الْخَرَاجِ على البروزات السُّلْطَانِيَّةِ إذَا عَرَفَ صِحَّتَهَا، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْمُعْتَادِ فيها.

  34. ومن أعسر بخراجه أنظر به إلى يساره، ولم يسقط بالإعسار. وإذا مطل بالخراج مع يساره حبس، إلَّا أَنْ يُوجَدَ لَهُ مَالٌ فَيُبَاعُ عَلَيْهِ في خراجه، كالديون، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُ أَرْضِ الْخَرَاجِ؛ فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَرَى جَوَازَ بَيْعِهَا بَاعَ منها بقدر خراجه. وإن كان لا يراه أجرها عَلَيْهِ وَاسْتَوْفَى الْخَرَاجَ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا فَإِنْ زَادَتْ الأجرة كان له زِيَادَتُهَا , وَإِنْ نَقَصَتْ كَانَ عَلَيْهِ نُقْصَانُهَا. وَإِذَا عَجَزَ رَبُّ الْأَرْضِ عَنْ عِمَارَتِهَا، قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تُؤَجِّرَهَا أَوْ تَرْفَعَ يَدَكَ عَنْهَا، لتدفع إلى من يقوم بعمارتها ولم تترك عَلَى خَرَابِهَا، وَإِنْ دَفَعَ خَرَاجَهَا لِئَلَّا تَصِيرَ بالخراب مواتا، أومأ إليه في رواية حنبل. فقال " من أسلم على شيء فهو له. ويؤخذ منه خراج الأرض، فإن ترك أرضه فلم يعمرها، فذلك إلى الإمام يدفعها إلى من يعمرها، لا تخرب، تصير فيئا للمسلمين" .

    ج ١ ص ١٧٢
  35. فقد منع من ترك عمارة أرض الخراج على وجه الخراب. وقال في رواية حرب " في رجل أحيا أرض الموات، فحفر فيها بئرا، أو ساق إليها الماء من موضع أو أحاط عليها حائطا ثم تركها فهي له، قيل له: فهل في ذلك وقت إذا تركها؟ قال: لا " . وكذلك قال في رواية أبي الصقر " إذا أحيا أرضا ميتة وزرعها ثم تركها حتى عادت خرابا فهي له، وليس لآخر أن يأخذها منه، وإنما جاز له لأن بإحيائها قد صارت ملكا

    ج ١ ص ١٧٣له، فهو مخير في الانتفاع بها أو تركه، ويفارق هذا أرض الخراج لأنها ليست بملك له، وإنما هي لجماعة المسلمين، ولهذا فرقنا بينهما. وَعَامِلُ الْخَرَاجِ، يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ: الْحُرِّيَّةُ، والأمانة، ثم ينظر. فإن ولي وَضْعَ الْخَرَاجِ اُعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا من أهل الاجتهاد، وإن ولي جبابة الْخَرَاجِ صَحَّتْ وِلَايَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا مجتهدا. ورزق عامل الخراج من مَالِ الْخَرَاجِ، كَمَا أَنَّ رِزْقَ عَامِلِ الصَّدَقَةِ من مال الصدقة، من سهم العاملين، وكذلك أجرة المساح. فأما أجرة القسام في العشر والخراج فهي من الحق الذي استوفاه السلطان منهما. وَالْخَرَاجُ حَقٌّ مَعْلُومٌ عَلَى مِسَاحَةٍ مَعْلُومَةٍ فَاعْتُبِرَ في العلم بها ثلاثة مقادير: أحدها: مقدار الجريب بالذراع الممسوح بها. وَالثَّانِي: مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ الْمَأْخُوذِ بِهِ. وَالثَّالِثُ: مِقْدَارُ الكيل المستوفى به. أما الْجَرِيبُ فَهُوَ عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي عَشْرِ قَصَبَاتٍ. وَالْقَفِيزُ: عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي قَصَبَةٍ. وَالْعَشِيرُ: قَصَبَةٌ فِي قَصَبَةٍ، وَالْقَصَبَةُ: سِتَّةُ أَذْرُعٍ. فَيَكُونُ الْجَرِيبُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسِتِّمِائَةِ ذِرَاعٍ مُكَسَّرَةٍ، وَالْقَفِيزُ: ثَلَاثُمِائَةٍ وستين ذِرَاعًا مُكَسَّرَةٌ، وَهُوَ عُشْرُ الْجَرِيبِ، وَالْعَشِيرُ: سِتَّةٌ وثلاثين ذراعا، وهو عشر القفيز. والأذرع سبعة أَقْصَرُهَا الْقَاضِيَةُ، ثُمَّ الْيُوسُفِيَّةُ، ثُمَّ السَّوْدَاءُ، ثُمَّ الْهَاشِمِيَّةُ الصُّغْرَى، وَهِيَ الْبِلَالِيَّةُ، ثُمَّ الْهَاشِمِيَّةُ الْكُبْرَى، وهي الزياديةن ثم العمرية، ثم الميزانية.

  36. فأما القاضية - وهي تسمى ذِرَاعُ الدُّورِ - فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ ذِرَاعِ السَّوْدَاءِ بأصبع وثلثي أصبع، وأول من ضعها ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي، وَبِهَا يَتَعَامَلُ أَهْلُ كلواذى.

    ج ١ ص ١٧٤
  37. وأما اليوسفية: فهي التي يذرع بها القضاة الدور بمدينة السلام، وهي أَقَلُّ مِنْ الذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ بِثُلُثَيْ أُصْبُعٍ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهَا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي. وَأَمَّا الذِّرَاعُ السَّوْدَاءُ: فَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ ذِرَاعِ الدُّورِ بِأُصْبُعٍ وثلثي أصبع، وأول من وضعها الرشيد، قَدَّرَهَا بِذِرَاعِ خَادِمٍ أَسْوَدَ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ، وهي التي يتعامل بها الناس في ذرع الْبَزِّ وَالتِّجَارَةِ وَالْأَبْنِيَةِ وَقِيَاسِ نِيلِ مِصْرَ. وَأَمَّا الذراع الهاشمية الصغرى: فَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ الذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ بِأُصْبُعَيْنِ وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ. وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهَا بِلَالُ بْنُ أَبِي بردة، وذكر أنه ذراع جده موسى الأشعري، وَهِيَ أَنْقَصُ مِنْ الزِّيَادِيَّةِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عُشْرٍ، وَبِهَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. وَأَمَّا الْهَاشِمِيَّةُ الكبرى فهي ذِرَاعُ الْمِلْكِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَهَا إلَى الْهَاشِمِيَّةِ المنصور، وهي أطول من ذراع السوداء بخمس أصابع وثلثي إصبع، يكون ذراعا وثمنا وعشرا بالسوداء وتنقص عنها بالهاشمية الصغرى ثلاثة أرباع عشرها، وسميت زيادية لأن زيادا مسح بها أرص السَّوَادِ، وَهِيَ الَّتِي يَذْرُعُ بِهَا أَهْلُ الْأَهْوَازِ. وَأَمَّا الذِّرَاعُ الْعُمَرِيَّةُ فَهِيَ ذِرَاعُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّتِي مَسَحَ بِهَا أرض السواد قال موسى بن طلحة: رأيت ذراع عمر الَّتِي مَسَحَ بِهَا أَرْضَ السَّوَادِ، وَهِيَ ذِرَاعٌ وقبضة وإبهام قائمة ". قال الحكم بن عتيبة " إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَمَدَ إلَى أطولها ذراعا وأقصرها، فَجَمَعَ مِنْهَا ثَلَاثَةً وَأَخَذَ الثُّلُثَ مِنْهَا، وَزَادَ عليها قَبْضَةً وَإِبْهَامًا قَائِمَةً، ثُمَّ خَتَمَ فِي طَرَفَيْهِ بِالرَّصَاصِ، وَبَعَثَ بِذَلِكَ إلَى حُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَتَّى مَسَحَا بِهَا السَّوَادَ، وَكَانَ أَوَّلَ من مسح بها عمر بن هبيرة ". وأما الذراع المأمونية: فتكون بالذراع السوداء ذراعين وثلثي ذراع وثلاث أصابع، وأول من وضعها المأمون، وهي التي يتعامل الناس بها في ذرع البرندات، والسكور، وكري الأنهار، والحفائر وقد اعتبر أصحابنا الذراع الهاشمي في مساحة الفراسخ التي تقصر فيها الصلاة. وَأَمَّا الدِّرْهَمُ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ وَزْنِهِ ونقده.

  38. فأما وزنه فقد استقر فِي الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ وَزْنَ الدِّرْهَمِ سِتَّةُ دوانيق، وزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل. وقد نص على هذا في الزكاة في رواية الميموني - وقد سأله عمن عنده شيء وزنه درهم أسود، وشيء وزنه دانقين، وهي تخرج في مواضع: ذا مع نقصانه على الوزن سواء؟ فقال " يجمعها ثم يخرجها على وزن سبعة".

  39. وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه - وقد سأله عن الدراهم السود؟ فقال: " إذا حلت الزكاة في مئتين من درهمنا هذه أوجبت فيها الزكاة " فأخذ بالاحتياط " فأما الدية فأخاف عليه" . وأعجبه في الزكاة أن يؤدي من مئتين من هذه الدراهم، وإن كان على رجل دية أن يعطي السود الوافية، وقال " هذا كلام لا يحتمله العامة" . وظاهر هذا: أنه إنما اعتبر وزن سبعة في الزكاة، والخراج محمول عليها، واعتبر في الدية أوفى من ذلك. وقال في رواية المروذي - وذكر دراهم باليمن صغارا، في الدرهم منها دانقين ونصف - فقال: ترد إلى المثاقيل، كيف تزكى هذه؟. فقد نص على اعتبار كل عشرة منها سبع مثاقيل. واختلف في سبب استقرارها عَلَى هَذَا الْوَزْنِ. فَذَكَرَ قَوْمٌ: أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ فِي أَيَّامِ الْفُرْسِ مَضْرُوبَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْزَانٍ: مِنْهَا دِرْهَمٌ عَلَى وَزْنِ الْمِثْقَالِ عِشْرُونَ قيراطا، ودرهم وزنه عشرة قراريط، ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطا، فَلَمَّا اُحْتِيجَ فِي الْإِسْلَامِ إلَى تَقْدِيرِهِ فِي الزَّكَاةِ أُخِذَ الْوَسَطُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْزَانِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ قِيرَاطًا، فَكَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا مِنْ قَرَارِيطِ الْمِثْقَالِ، فَلَمَّا ضُرِبَتْ الدَّرَاهِمُ الإسلامية على الوسط من هذا الوزن الأوسط من الْأَوْزَانِ الثَّلَاثَةِ قِيلَ فِي عَشَرَتِهَا: وَزْنُ سَبْعَةِ مثاقيل لأنها كذلك.

    ج ١ ص ١٧٥
  40. وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ الدَّرَاهِمِ، وَأَنَّ مِنْهَا الْبَغْلَيَّ وَهُوَ ثمانية دوانيق، ومنها الطبري، وهو أربعة دوانيق، ومنها اليمني هو دانق، قال: انظروا إلى أغلب ما يتعامل الناس به مِنْ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا، فَكَانَ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ وَالدِّرْهَمُ الطَّبَرِيُّ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَكَانَا اثْنَيْ عَشَرَ دَانَقًا، فأخذ نصفهما فكان ستة دوانيق، فَجَعَلَ الدِّرْهَمَ الْإِسْلَامِيَّ فِي سِتَّةِ دَوَانِيقَ، وَمَتَى زِدْتَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِهِ كَانَ مِثْقَالًا، وَمَتَى نَقَصْتَ مِنْ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِهِ كَانَ دِرْهَمًا، فَكُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَكُلُّ عَشَرَةِ مثاقيل أربعة عشر درهما وسبعان.

    ج ١ ص ١٧٨