فصل في وضع الخراج والجزية

٥٥ فقرة، ج ١ ص ١٥٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. وأما النقد فَمِنْ خَالِصِ الْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِمَغْشُوشِهِ مَدْخَلٌ فِي حُكْمِهِ. وَقَدْ كَانَ الْفُرْسُ عِنْدَ فَسَادِ أُمُورِهِمْ فَسَدَتْ نَقُودُهُمْ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَنَقُودُهُمْ مِنْ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ غَيْرُ خَالِصَةٍ، إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقَامَ الْخَالِصَةِ، وَكَانَ غِشُّهَا عَفْوًا لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ بَيْنَهُمْ إلَى أَنْ ضُرِبَتْ الدَّرَاهِمُ الإسلامية فتميز المغشوش من الخالص. وقد قال أحمد في رواية حنبل: " ولو أن رجلا له على رجل ألف درهم أعطاه من هذه الدراهم كان قد قضاه، لأنها ليست على ما يعرف الناس من صحة السكة بينهم ونقاء الفضة ثم أرأيت لو اختلفا؟ فقال هذا: لم يقضني، وقال هذا: قد قضيتك، فرجعا إلى اليمن أكان يحلف أنه قد أوفاه، لأنها ليست بوافية إلا بالفضة التي يتعامل بها المسلمون بينهم؟ " . فأما إنفاق المغشوشة فينظر، فإن كان غشها يخفى لم يجز إنفاقها رواية واحدة، وإن كان عيبا ظاهرا فعلى روايتين: إحداهما: المنع أيضا، قال في رواية محمد بن إبراهيم) وقد سأله عن المزيفة فقال " لا يحل، قيل له: إنه يراها ويدري أي شيء هي؟ قال: الغش حرام وإن بين" . وكذلك قال في رواية جعفر بن محمد " لا تنفق المكحلة حتى يغسلها. ولا المزيفة والزيوف حتى يسبقها" .

    ج ١ ص ١٧٩
  2. والرواية الثانية الجواز، قال في رواية الأثرم، وإيراهيم بن الحارث - في الرجل يبيع الدراهم فيها رديئة بدينار؟ قال " ما ينبغي له، لأنه يغر بها المسلمين " فقال له الأثرم: ولا تقول إنها حرام؟ فقال: لا أقول إنها حرام، وإنما كرهته لأنه يغر بها مسلما ". وقال أيضا في رواية صالح: في دراهم ببخارى يقال لها المسيبية، عامتها نحاس إلا شيئا يسيرا منها فضة، فقال " إن كان شيئا قد اصطلحوا عليه فيما بينهم، مثل الفلوس التي قد اصطلح الناس عليها، أرجو أن لا يكون به بأس".

  3. فوجه المنع: ما رواه أحد أن ابن مسعود باع نفاية بيت المال، فنهاه عمر، فسبكها. ووجه الإباحة: مارواه أبو بكر بإسناده عن عمر قال " من زافت عليه دراهم فليدخل السوق فيشتر بها سحق ثوب" . وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث في رواية حنبل فقال " قول عمر: من زافت عليه دراهم يعني نفيت " ولم يكن عمر يأمر بإنفاق الرديئة، وهذا لم يكن في عهد عمر، وإنما حدث بعده. وقد اختلف في أول من ضربها في الإسلام. فحكى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الْمَنْقُوشَةَ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَكَانَتْ الدَّنَانِيرُ ترد رومية، والدراهم كسروية. قال أبو الزناد: فأمر عبد الملك الحجاج أن يضرب الدراهم فَضَرَبَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: بَلْ ضَرَبَهَا الْحَجَّاجُ فِي آخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِهَا فِي النَّوَاحِي سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ. وَقِيلَ: إنَّ الْحَجَّاجَ خَلَّصَهَا تَخْلِيصًا، لَمْ يستقصها، وكتب عليها " الله أحد الله الصمد" فسميت المكروهة. وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ. فَقَالَ قَوْمٌ: لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ كَرِهُوهَا، لِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَدْ يحملها الجنب والمحدث. وقد اختلفت الرواية عن أحمد في حمل المحدث لها. فقال في رواية المروزي " لا يمس الدراهم إلا طاهرا، كما لو كان مكتوبا في ورقة" . وقال في رواية أبي طالب وابن منصور " يجوز، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، والبلوى تعم فعفي عنه" .

    ج ١ ص ١٨١وقال آخرون: لأن الأعاجم كرهوا نقصها، فسميت مكروهة.

    ج ١ ص ١٨٠
  4. ثم تولى بَعْدَ الْحَجَّاجِ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَضَرَبَهَا أَجْوَدَ مِمَّا كانت. ثم تولى بَعْدَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فَشَدَّدَ فِي تَجْوِيدِهَا. وَضَرَبَ بَعْدَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، فأفرط في التشديد فيها والتجويد، وكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية. وكان المنصور لا يأخذ في الخراج من الدراهم غيرها. وحكي يحيى بن النعمان عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ مصعب بن الزبير عن أمر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ سَبْعِينَ، عَلَى ضرب الأكاسرة، وعليها " بركة" من جانب و "الله" من جانب. ثم غيرها بَعْدَ سَنَةٍ وَكَتَبَ عَلَيْهَا " بِسْمِ اللَّهِ" فِي جانب و " الحجاج " في جانب وقد قال أحمد في رواية محمد بن عبد الله المنادي " ليس لأهل الإسلام أن يضربوا إلا جيدا" . وذاك أنه كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعاملون بدراهم العجم، فكان إذا زافت عليهم أتوا بها السوق. فقالوا: من يبيعنا بهذه. وذاك أنه لم يضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا معاوية. وَإِذَا خَلَصَ الْعَيْنُ وَالْوَرِقُ مِنْ غِشٍّ كَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ فِي النُّقُودِ الْمُسْتَحَقَّةِ. وَالْمَطْبُوعِ مِنْهَا بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعها، المأمون من تبديلها وتلبيسها هي المستحقة، دُونَ نِقَارِ الْفِضَّةِ وَسَبَائِكِ الذَّهَبِ، لِأَنَّهُ لَا يوثق بهما إلا بالسبك وَالتَّصْفِيَةِ. وَالْمَطْبُوعُ مَوْثُوقٌ بِهِ. وَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ الثَّابِتَ فِي الذِّمَمِ فِيمَا يُطْلَقُ مِنْ أَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ. وَلَوْ كَانَتْ الْمَطْبُوعَاتُ مُخْتَلِفَةَ القيم مَعَ اتِّفَاقِهَا فِي الْجَوْدَةِ فَطَالَبَ عَامِلُ الْخَرَاجِ بأعلاها قيمة نظر، فإن كانت من ضرب سلطان الوقت أجيب إليها، لِأَنَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ ضَرْبِهِ مُبَايَنَةً لَهُ في الطاعة. وإن كانت من ضرب غيره نظر، فإن كانت هي المأخوذة في خراج من تقدمه. أجيب إليها استصحابا لما تقدم. وإن لم تكن مأخوذه فيما كانت المطالبة بها عبثا وحيفا.

  5. وقد قال أحمد، في رواية جعفر بن محمد " لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم" . فقد منع من الضرب بغير إذن سلطان لما فيه من الافتيات عليه.

  6. فأما مكسور الدراهم والدنانير فلا يلزم أخذه في الخراج؛ لالباسه، وَجَوَازِ اخْتِلَاطِهِ، وَلِذَلِكَ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا عَنْ الْمَضْرُوبِ الصحيح. وقد قال أحمد، في رواية ابن منصور - وذكر له قول سفيان: إذا شهد رجل على رجل بألف درهم، أو مائة دينار فله دراهم ذلك البلد ودنانير ذلك البلد - قال أحمد " جيد" : فقد اعتبر نقد البلد ولم يتعرض لذكر الصحاح. وقد كره أحمد كسره على الإطلاق، لحاجة ولغير حاجة. فقال في رواية جعفر بن محمد - وقد سئل عن كسر الدراهم - فقال " هو عندي من الفساد في الأرض" . وقال في رواية المروزي - وقد سئل عن كسر الدراهم الرديئة - فكرهه كراهة شديدة. وقد قال في رواية حرب - وقد سئل عن كسر الدراهم - فكرهه كراهة شديدة. وقال في رواية أبي داود - وقد سئل عن رجل رأي سائلا ومعه درهم صحيح، فأراد أن يعطيه قطعة، هل يكسر منه؟ - فقال " لا، كسر الدراهم وقطعها مكروه" . وسئل عن كسر المكسرة من الدراهم، فكرهه وقال " يزيدها كسرا" . وقال في رواية بكر بن محمد - وقد سأله عن الرجل يقطع الدراهم والدنانير يصوغ منها - قال " لا تفعل، في هذا ضرر على الناس، ولكن يشتري تبرا مكسورا بالفضة" .

    ج ١ ص ١٨٢
  7. فقد أطلق القول في رواية جعفر بن محمد والمروزي وحرب بالمنع. وصرح به في رواية أبي داود وبكر بالمنع مع الحاجة، وهو الصدقة والصياغة. وقد صرح في رواية أبي طالب أنها كراهة تنزيه. فقال: سألت أحمد عن الدراهم تقطع، فقال " لا نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كسر سكة المسلمين " قيل له: فمن كسره عليه شيء؟ قال " لا، ولكن قد فعل ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - " . وقوله " لا شيء عليه " معناه: لا مأثم عليه.

    ج ١ ص ١٨٣
  8. والوجه في كراهة ذلك قوله تَعَالَى (١١: ٨٧ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نشاء) روي عن محمد بن كعب القرظي قال " عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم. فقالوا: يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ؟ " وقال زيد بن أسلم " أو أ، نفعل في أموالنا نا نشاء. قال: كان مما نهاهم الله عنه حذف الدراهم، أو قطع الدراهم" . وما روي المروزي بإسناده عن علقمة بن عبد الله عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس " . قال أحمد في رواية المروزي، وحرب " البأس إذا كانت رديئة" . واحتج بأن ابن مسعود كان يكسر الزيوف وهو على بيت المال. وَالسِّكَّةُ: هِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُطْبَعُ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ، فلذلك سميت الدراهم المضروبة سكة، وقد كان ينكره ولاة بني أمية حتى أسرفوا. فَحُكِيَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخَذَ رَجُلًا قَطَعَ دِرْهَمًا مِنْ دَرَاهِمِ فَارِسٍ فَقَطَعَ يَدَهُ. وقال أحمد، في رواية أبي طالب " إنما كانت دراهمهم المثاقيل، هذه الدراهم البغلية الكبار، وكان يقطع الرجل من حوله وينفقه بالوافي فلذلك قطعه" . وروى ابن منصور أنه قال لأحمد: إن ابن الزبير قدم مكة فوجد بها رجلا يقرض الدراهم، فقطع يده، فقال " كانت الدراهم تؤخذ برؤوسها بغير وزن فعده سارقا، وقال: هذا إفراط في التعزير" . وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ " أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ كَانَ على المدينة فعاقب من قطع الدراهم ثلاثين سوطا" .

  9. وهذا محمول على أنه دس المقطوعة مع الثقال فيكون تدليسا، فيكون أبان مصيبا في هذا القدر من التعزير، ولأن هذا إدخال النقص على المال فهو سفه إذا كان لغير حاجة، وقد تكلم قوم على الخبر في النهي عن كسرها، فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ - قَاضِي البصرة - يحمله على النهي عن كسره لتعود تبرا لتكون على حالها مرصدة للنفقة، وحمل آخرون النهي على كسرها لتتخذ منها أواني وزخزف.

    ج ١ ص ١٨٤
  10. وحمل آخرون النهي على من أخذ أطرافها قرضا بالمقاريض؛ لأن كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا، فصار أخذ أطرافها بخسا وتطفيفا. فأما الْكَيْلُ فَإِنْ كَانَ مُقَاسَمَةً، فَبِأَيِّ قَفِيزٍ كِيلَ تعدلت فيه القسمة. وقد اختلف كلام الإمام أحمد في المقاسمة. فقال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال: فيمن كانت في يده أرض من أرض السواد: هل يأكل مما أخرجت من زرع أو تمر، إذا كان الإمام يأخذهم بالخراج مساحة أو صيرها في أيديهم مقاسمة على النصف أو الربع؟ فقال: " يأكل، إلا أن يخاف السلطان. وظاهر هذا: أنه قد أجاز المقاسمة في الخراج. وقال في رواية الحمال " السواد كله أرض خراج ". وذكر المقاسمة فقال " المقاسمة لم تكن، إنما هو شيء أحدث ". وظاهر هذا أنه لم ير ذلك، إلا أنه لم يصرح بالمنع، لكه أخبر أنه لم يكن في وقت عمر. وإن كان خراجا مقدرا بالقفيز الذي كان في وقت عمر، فَقَدْ حَكَى الْقَاسِمُ: أَنَّ الْقَفِيزَ الَّذِي وَضَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَلَى أَرْضِ السَّوَادِ فَأَمْضَاهُ عمر بن الخطاب كان مكيلا لهم يعرف بالشابرقان، قيل وزنه ثمانية أرطال. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية بكر بن محمد عن أبيه - وقد سأل عن القفيز - فقال: ينبغي أن يكون قفيزا صغيرا " وقال: " قفيز الحجاج صاع عمر ينبغي أن يكون ثمانية أرطال" .

  11. فَإِنْ اُسْتُؤْنِفَ وَضْعُ الْخَرَاجِ كَيْلًا مُقَدَّرًا عَلَى نَاحِيَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، رُوعِيَ فِيهِ مِنْ الْمَكَايِيلِ مَا اسْتَقَرَّ مَعَ أَهْلِهَا مِنْ مَشْهُورِ الْقُفْزَانِ بِتِلْكَ الناحية. وَكَانَ السَّوَادُ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفُرْسِ جَارِيًا على المقاسمة إلى أن وضع الخراج عليه قباذ ابن فيروز. فارتفع مائة وخمسين ألف ألف درهم بوزن المثقال. وكان الْفُرْسُ عَلَى هَذَا فِي بَقِيَّةِ أَيَّامِهِمْ. وَجَاءَ الإسلام فأقره عمر على المساحة والخراج، فبلغ خراجه في أيام مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وجباه زياد مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف. وَجَبَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مِائَةَ أَلْفِ ألف وخمسة وثلاثين ألف ألف. وجباه الحجاج ثمانية عشر ألف ألف، بغشمة وإخراجه.

    ج ١ ص ١٨٥
  12. وجباه عمر بن عبد العزيز مائة وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ بِعَدْلِهِ وَعِمَارَتِهِ. وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يَجْبِيهِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ، سِوَى طَعَامِ الجند وأرزاق الفعلة. وكان يوسف بن عمر يحمل مِنْهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ سِتِّينَ أَلْفَ ألف إل سبعين ألف ألف، يحتسب بِعَطَاءِ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ سِتَّةَ عشر ألف ألف. ونفقة البريد أربعة آلاف ألف. وفي الطراز ألفي ألف، وفي بيوت الأحداث والعوانق عشرة آلاف ألف. وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليم: ارتفاع هذا الإقليم الحقير أَلْفَ أَلْفِ أَلْفٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَمَا نَقَصَ مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ زَادَ فِي مَالِ الرَّعِيَّةِ. وَلَمْ يَزَلْ السَّوَادُ عَلَى الْمِسَاحَةِ وَالْخَرَاجِ إلَى أن عدل بهم المنصور في الدولة العباسية عن الخراج إلى القسمة، لأن السعر رخص فلم تقف الغلات بخراجها. وضرب السواد فجعله مقاسمة. وأشار أبو عبيد عَلِيُّ الْمَهْدِيِّ أَنْ يَجْعَلَ أَرْضَ الْخَرَاجِ مُقَاسَمَةً بِالنِّصْفِ إنْ سَقَى سَيْحًا، وَفِي الدَّوَالِي عَلَى الثلث، وفي الداليب عَلَى الرُّبْعِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ سِوَاهُ، وَأَنْ يَعْمَلَ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالشَّجَرِ مِسَاحَةَ خَرَاجٍ، يقرر بحسب قربه من الأسواق، والفرض وإذا بلغ حاصل الغلة ما بقي بخراجين ألزم خَرَاجًا كَامِلًا، وَإِذَا نَقَصَ تَرَكَ.

  13. فَهَذَا مَا جَرَى فِي أَرْضِ السَّوَادِ. وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ الْحُكْمُ: أَنَّ خَرَاجَهَا هُوَ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهَا أولا، وتغييره إلى المقاسمة إذا كان سبب حادث اقتضاه اجتهاد الأئمة أمضي مع بقاء سببه. وأعيد إلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ عِنْدَ زَوَالِ سَبَبِهِ، إذْ ليس للإمام أن ينقض اجتهاده من تقدمه. فأما تضمين العمال لأموال الخراج والعشر فَبَاطِلٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ، لأن العامل مؤتمن ليستوفي مَا وَجَبَ وَيُؤَدِّي مَا حَصَلَ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ الَّذِي إذَا أَدَّى الْأَمَانَةَ لَمْ يَضْمَنْ نُقْصَانًا ولم يملك زيادة، وضمان الأموال بمقدار معلوم يقتضي الاقتصاد عَلَيْهِ فِي تَمَلُّكِ مَا زَادَ، وَغُرْمِ مَا نقص وهذا مناف لموضوع العمالة وحكم الأمانة فبطل. وقد نبه أحمد رحمه الله على معنى هذا في رواية أبي طالب: في الذي يتقبل الآجام لا يدري ما فيها، والطسوج يتقبله لا يدري ما فيه من الطعام فهو أشر ما يكون.

    ج ١ ص ١٨٦
  14. وكذلك قال في رواية حرب - وقد سئل عن تفسير حديث ابن عمر " القبالات ربا" . قال: هو أن يتقبل بالقربة وفيها العلوج والنخل. ولفظ الحديث رواه سفيان عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن ابن عمر " القبالة ربا " فسماه ربا. ومعناه: حكمه حكم الربا في البطلان وفساد العقد. وعن ابن عباس قال " إياكم والربا. وإياكم أيجعل الغل الذي جعل الله في أعناقهم في أعناقكم. ألا وهي القبالات، وهي الذل والصغار" .

  15. وقد وصى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - العمال بالرفق والعدل. فروى أبو بكر بإسناده عن القاسم أن عمر بن الخطاب كان إذا بعث عماله قال " إنما أبعثكم أئمة , لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحرموهم فتظلموهم. وأدروا اللقحة للمسلمين يعني عطاياهم" . وبإسناده عن إبراهيم " أن عمر بن الخطاب كان إذا بلغه عن عامله أنه لا يعود المريض، ولا يدخل عليه الضعيف عزله" . وبإسناده عن أبي مجلز لا حق بن حميد " أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر أميرا على الكوفة على جيوشهم وعلى صلاتهم، وبعث عبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وبعث عثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وجعل لهم كل يوم شاة شطرها وسواقطها لعمار بن ياسروبقيتها لعبد الله بن مسعود، وعثمان ين حنيف، ثم قال عمر: ما أرى قرية يخرج منها كل يوم شاة لعمالها إلا سريعا خرابها...." .

    ج ١ ص ١٨٧