فصل في أحكام القطائع

١٣ فقرة، ج ١ ص ٢٢٧

  1. قد نص أحمد على جواز القطائع التي أقطعها الصحابة، وتوقف عن قطائع غيرهم من الأئمة. وإنما توقف في ذلك لأن منهم من أقطع ما لا يجوز إقطاعه.

    فقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن قطائع البصرة والكوفة؟ فقال: تجعل قطائع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل قطائع هؤلاء؟ ".

    ج ١ ص ٢٢٧
  2. وقال في رواية يعقوب بن بختان " ما أقطع هؤلاء فلا يعجبي" . والقطائع ضربان: إقطاع تمليك، فَتَنْقَسِمُ فِيهِ الْأَرْضُ الْمُقْطَعَةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مَوَاتٌ، وَعَامِرٌ، وَمَعَادِنُ. فَأَمَّا الْمَوَاتُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا: ما لم يزل مواتا على الدهر، لم يجز فيه عمارة، ولا يثبت عليه ملك، وهذا الَّذِي يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْطَعَهُ مَنْ يُحْيِيهِ ويعمره، ويكون المقطع أحق الناس بإحيائه روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: أعطوه من حيث بلغ السوط. الضرب الثَّانِي مِنْ الْمَوَاتِ مَا كَانَ عَامِرًا فَخَرِبَ وصار مواتا عاطلا، فذلك ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ جَاهِلِيًّا، كَأَرْضِ عَادٍ وثمود، فهو كَالْمَوَاتِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عِمَارَةٌ، وَيَجُوزُ إقطاعه، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - " عادى الأرض لله ولرسوله، ثم هل لكم مني ". يعني أرض عاد. الضرب الثاني: ما كان إسلاميا حرى عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ خَرِبَ حَتَّى صَارَ مواتا عاطلا ففيه روايتان: إحداهما: لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ سَوَاءٌ عَرَفَ أَرْبَابُهُ أَوْ لم يعرفوا. والثانية: إنْ عَرَفَ أَرْبَابُهُ لَمْ يُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ لم يعرف ملك بالإحياء. فإن قلنا بالرواية الأولى، وأنه لا يملك بالإحياء، فهل يجوز إقطاعه؟ نظرت. فإن عرف

    ج ١ ص ٢٢٩أَرْبَابُهُ لَمْ يَجُزْ إقْطَاعُهُ، وَكَانُوا أَحَقَّ بِبَيْعِهِ وَإِحْيَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا جَازَ إقْطَاعُهُ وَكَانَ الإقطاع شرطا في جواز إحيائه، ولا يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْيَاءِ. فَإِنْ شَرَعَ في الإحياء صَارَ بِكَمَالِ الْإِحْيَاءِ مَالِكًا لَهُ، وَإِنْ أَمْسَكَ عن إحيائه لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فِيهِ وَأَقَرَّ فِي يَدِهِ إلَى زَوَالِ عُذْرِهِ. وَإِنْ كَانَ غير معذور ومضى، زمان يقدر على إحيائه، قيل له: إما أن تُحْيِيهِ فَيُقَرَّ فِي يَدِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ عَنْهُ لِيَعُودَ إلَى حَالِهِ قَبْلَ إقْطَاعِهِ.

    ج ١ ص ٢٢٨
  3. فإن تَغَلَّبَ عَلَى هَذَا الْمَوَاتِ الْمُسْتَقْطَعِ مُتَغَلِّبٌ فَأَحْيَاهُ كان محييه أحق به من مستقطعه. وأما العامر فضربان أحدهما: ما تعين مالكوه، فَلَا نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْأَرْضِ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أو لذمي، فإن كان في دار الحرب التي لم يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا يَدٌ فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُقْطِعَهَا لِيَمْلِكَهَا الْمُقْطَعَ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهَا جَازَ. وَقَدْ سَأَلَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْطِعَهُ عُيُونَ الْبَلَدِ الذي كان فيه بِالشَّامِ قَبْلَ فَتْحِهِ فَفَعَلَ. وَسَأَلَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ أَنْ يُقْطِعَهُ أَرْضًا كَانَتْ بِيَدِ الرُّومِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ " أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ؟ فقال: والذي بعثك بالحق لتفتحن عليك. فكتب له بذلك كتابا، وكذلك لو استوهب أحد من من سببها وَذَرَارِيِّهَا لِيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ إذَا فَتَحَهَا جَازَ وصحت العطية منه مع الجهالة بها لتعقلها بالأمور العامة. وقد روى الشعبي أن خريم بن أوس بن حارثة الطائي قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنْ فَتَحَ اللَّهُ عليك الحيرة فأعطني بنت بقيلة. فَلَمَّا أَرَادَ خَالِدٌ صُلْحَ أَهْلِ الْحِيرَةِ قَالَ له خريم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل لي بنت بقيلة، فلا تدخلها

    ج ١ ص ٢٣٠فِي صُلْحِكَ، وَشَهِدَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ ومحمد بْنُ مَسْلَمَةَ فَاسْتَثْنَاهَا مِنْ الصُّلْحِ وَدَفَعَهَا إلَى خريم، فاشتريت منه بألف درهم، وكانت عجوزا". وَإِذَا صَحَّ الْإِقْطَاعُ وَالتَّمْلِيكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نظر حال الفتح، فإن كان صلحا حصلت الْأَرْضُ لِمُقْطِعِهَا وَكَانَتْ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ الصُّلْحِ بِالْإِقْطَاعِ السَّابِقِ. وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ عَنْوَةً كَانَ المقطع وَالْمُسْتَوْهِبُ أَحَقَّ بِمَا اسْتَقْطَعَهُ وَاسْتَوْهَبَهُ مِنْ الْغَانِمِينَ. وانظر فِي الْغَانِمِينَ، فَإِنْ عَلِمُوا بِالْإِقْطَاعِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَيْسَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِ مَا اُسْتُقْطِعَ وَوُهِبَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى فُتِحُوا عَاوَضَهُمْ الإمام بِمَا يَسْتَطِيبُ بِهِ نُفُوسَهُمْ، كَمَا يَسْتَطِيبُ نُفُوسَهُمْ عن غير ذلك من الغنائم. وقد قيل: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِهِمْ عَنْهُ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْغَنَائِمِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أخذه.

  4. الضرب الثَّانِي مِنْ الْعَامِرِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُوهُ، ولم يتميز مستحقوه، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: ما اصطفاه الأئمة لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ فُتُوحِ الْبِلَادِ، إمَّا بِحَقِّ الخمس فيأخذه باستحقاق في أَهْلِهِ لَهُ، وَإِمَّا بِأَنْ يَصْطَفِيَهُ بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الغانمين عنه، فقد اصطفى عمر مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ أَمْوَالَ كِسْرَى وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَمَا هَرَبَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ أَوْ هَلَكُوا، فَكَانَ مبلغ غلته تِسْعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، كَانَ يَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا مِنْهَا، ثُمَّ إن عثمان أَقْطَعَهَا لِأَنَّهُ رَأَى إقْطَاعَهَا أَوْفَرَ لِغَلَّتِهَا مِنْ تَعْطِيلِهَا، وَشَرَطَ عَلَى مَنْ أَقْطَعَهَا إيَّاهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّ الْفَيْءِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إقْطَاعَ إجَارَةٍ لَا إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ فَتَوَفَّرَتْ غَلَّتُهَا حتى بلغت على

    ج ١ ص ٢٣١ما قبل خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَكَانَ مِنْهَا صَلَاتُهُ وَعَطَايَاهُ، ثُمَّ تَنَاقَلَهَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ فَلَمَّا كَانَ عام الجماجم سنة اثنين وَثَمَانِينَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ أَحْرَقَ الدِّيوَانَ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مَا يَلِيهِمْ. فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَامِرِ لَا يَجُوزُ إقْطَاعُ رَقَبَتِهِ، لِأَنَّهُ قد صار باصطفائه لبيت الْمَالَ الْمَوْضُوعَ فِي حُقُوقِهِ، وَالسُّلْطَانُ فِيهِ بِالْخِيَارِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فِي الْأَصْلَحِ بَيْنَ أَنْ يستغله لبيت المال كما فعل عمر، وبين أن يتخير له من ذوي القدرة والمكنة وَالْعَمَلِ مَنْ يَقُومُ بِعِمَارَةِ رَقَبَتِهِ بِخَرَاجٍ يُوضَعُ عليه مقدرا، ويكون الخراج أجرة يصرف في وُجُوهِ الْمَصَالِحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا بِالْخُمُسِ فَيُصْرَفُ فِي أَهْلِ الْخُمُسِ., فَإِنْ كَانَ مَا وَضَعَهُ مِنْ الْخَرَاجِ مُقَاسَمَةً عَلَى الشَّطْرِ مِنْ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ جَازَ فِي النَّخْلِ. كَمَا سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خيبر على النصف من ثمار النخل. وجوازه في الزروع معتبر باختلاف الفقهاء في جواز المخابرة /، أَجَازَهَا أَجَازَ الْخَرَاجَ بِهَا، وَمَنْ مَنَعَ مِنْهَا مَنَعَ مِنْ الْخَرَاجِ بِهَا. وَقِيلَ بَلْ يَجُوزُ الخراج بها وإن منع من المخابرة عليها، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَتَّسِعُ حُكْمُهَا عَنْ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ، وَيَكُونُ العشر واجبا في الزروع دون الثمرة، لأن الزرع ملك لزراعه، وَالثَّمَرَةُ مِلْكٌ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِمْ.

  5. القسم الثَّانِي مِنْ الْعَامِرِ أَرْضُ الْخَرَاجِ، فَلَا يَجُوزُ إقطاع رقابها تمليكا، لأنها تنقسم على ضربين. ضرب تكون رقابها وقفا وخراجها أجرة، وتمليك الْوَقْفِ لَا يَصِحُّ بِإِقْطَاعٍ وَلَا بَيْعٍ وَلَا هبة. وضرب تكون رِقَابُهَا مِلْكًا وَخَرَاجُهَا جِزْيَةً، فَلَا يَصِحُّ إقْطَاعُ مملوك لغير مالكه. فأما إقطاع خراجها فسنذكره من بعد إقطاع الاستغلال. وقد قال أحمد في رواية الأثرم ومحمد بن حرب - وقد ذكر له أن عثمان أقطع عبد الله وخبابا، فقال: " هذا يقوي أن أرض السواد ليست بملك من هي في يده، فلو كان عمر ملكها من هي في يديه لم يقطع عثمان" . فقد نص على أنه لا يجوز إقطاع رقبة مملوكة. القسم الثَّالِثُ مَا مَاتَ عَنْهُ أَرْبَابُهُ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وارث بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ، فَيَنْتَقِلُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مصروفا في مصالح المسلمين، لا على طريق الميراث. وقد قال أحمد في رواية المروزي " في الأرض الميتة إذا كانت لم تملك، فإن ملكت فهي فيء للمسلمين، مثل من مات وترك مالا لا يعرف له وارث" .

  6. فقد بين أن الأرض التي مات أربابها ولا وارث لها هي فيء للمسلمين. فأما ما انتقل إلى بيت المال في رقاب الأموال، فهل يصير وقفا بنفس الانتقال إليه؟ على وجهين: أحدهما: قد صار وقفا بعموم مصرفه الذي لا يتخصص بجهة، فعلى هذا لا يجوز بيعها. وهذا ظاهر كلام أحمد في أرض السواد " أنها صارت وقفا بنفس الفتح" . وكذلك قال في رواية حرب " أرض الخراج ما فتحها المسلمون فصارت فيئا لهم وأضافوا عليها وظيفة فتلك جارية" . والثاني: لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا إذَا رَأَى بَيْعَهَا أصلح لبيت مال المسلمين، وَيَكُونُ ثَمَنُهَا مَصْرُوفًا فِي عُمُومِ الْمَصَالِحِ، وَفِي ذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَأَهْلِ الصَّدَقَاتِ. وقد قال أحمد في رواية عبد الله " الأرض إذا كانت عنوة هي لمن قاتل عليها، إلا أن يكون وقفها من فتحها على المسلمين كما فعل عمر بالسواد" . فاعتبر إيقافه.

    ج ١ ص ٢٣٢
  7. فأما إقْطَاعُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ قِيلَ بِجَوَازِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إلَى مَنْ يَرَاهُ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَأَرْبَابِ الْمَصَالِحِ جَازَ إقْطَاعُهَا لَهُ، وَيَكُونُ تَمْلِيكُ رَقَبَتِهَا كَتَمْلِيكِ ثمنها. وقيل: لا يجوز إقطاعها وَإِنْ جَازَ بَيْعُهَا لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ، وَهَذَا الإقطاع صلة وفيه ضعف فهذا الكلام في التمليك. وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُ إقْطَاعِهِ بِاخْتِلَافِ حَالِ مقطعه، وله ثلاث أحوال: أحدها: أن يكون من أهل الصدقة فيجوز، لأنه صرف الفيء في أهل الصدقة.

  8. وقد ذكرنا ذلك، وقال قوم: لا يجوز صرف الفيء إلى أَهْلُ الصَّدَقَةِ، كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ أَهْلُ الفيء. الحالة الثانية: أن يكونوا مِنْ أَهْلِ الْمَصَالِحِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ رِزْقٌ مفروض. فلا يصح أن يقطعوه على الإطلاق وإن جاز أن يقطعوه من مال الخراج، لأن ما يعطونه إنَّمَا هُوَ مِنْ صِلَاتِ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ جُعِلَ لهم مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ شَيْءٌ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْحَوَالَةِ وَالتَّسَبُّبُ، لَا حُكْمُ الْإِقْطَاعِ، فَيُعْتَبَرُ فِي جَوَازِهِ شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ وقد وَجَدَ سَبَبَ اسْتِبَاحَتِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَالُ الخراج قد حل ووجب ليصح بالتسبب عليه والحوالة به، فيخرج بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ عَنْ حُكْمِ الْإِقْطَاعِ. وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أن يكونوا من أهل فرض أهل الديوان وهم الجيش، فهم أحق النَّاسِ بِجَوَازِ الْإِقْطَاعِ، لِأَنَّ لَهُمْ أَرْزَاقًا مُقَدَّرَةً تصرف إليهم مصرف الاستحقاق، لأنها أعواض عَمَّا أَرْصَدُوا نُفُوسَهُمْ لَهُ مِنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ، والذب عن الحريم. وإذا صَحَّ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْإِقْطَاعِ رُوعِيَ حينئذ مال الخراج. فإن له حالتين: حَالٌ يَكُونُ جِزْيَةً، وَحَالٌ يَكُونُ أُجْرَةً فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ جِزْيَةً فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَى التَّأْبِيدِ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مَعَ بَقَاءِ الْكُفْرِ، وَزَائِلٌ مَعَ حُدُوثِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِاسْتِحْقَاقِهِ بَعْدَهَا. فَإِنْ أَقْطَعَهُ سَنَةً بَعْدَ حُلُولِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ صَحَّ، وَإِنْ أَقْطَعَهُ فِي السَّنَةِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لم يجز لأنه مَضْرُوبٌ لِلْوُجُوبِ. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْخَرَاجِ أُجْرَةً، فَهُوَ مُسْتَقِرُّ الْوُجُوبِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَيَصِحُّ إقطاعه سنين.

    ج ١ ص ٢٣٣
  9. ولايلزم الاقتصار عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ الَّتِي لَا تستقر. وإذا كان كذلك لم يخل حَالُ إقْطَاعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يكون مقدرا سِنِينَ مَعْلُومَةً، كَإِقْطَاعِهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَيَصِحُّ إذَا رُوعِيَ فِيهِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رِزْقُ الْمُقْطَعِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ عِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ لَمْ يَصِحَّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْخَرَاجِ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُقْطَعِ وَعِنْدَ بَاذِلِ الْإِقْطَاعِ. فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُمَا أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْخَرَاجِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

    ج ١ ص ٢٣٤إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَاسَمَةً أَوْ مِسَاحَةً، فَإِنْ كَانَ مُقَاسَمَةً، فَمَنْ جَوَّزَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَضْعَ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ جَعَلَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي يَجُوزُ إقْطَاعُهُ. وَمَنْ مَنَعَ مِنْ وَضْعِ الْخَرَاجِ على المقاسمة جعله منالمجهو الذي لا يجوز إقطاعه. وإن كان الخراج مساحة فهو على ضربين: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ فَهَذَا مَعْلُومٌ يَصِحُّ إقْطَاعُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ، فَيُنْظَرُ رِزْقُ مُقْطَعِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي مقابلة أعلى الخراجين صح إقطاعه، لأنه بِنَقْصٍ إنْ دَخَلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ أَقَلِّ الْخَرَاجَيْنِ لَمْ يَصِحَّ إقْطَاعُهُ، لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ زِيَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّهَا. ثُمَّ يُرَاعِي بَعْدَ صِحَّةِ الْإِقْطَاعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ حَالَ الْمُقْطَعِ فِي مُدَّةِ الْإِقْطَاعِ، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَبْقَى إلَى انقضائها على السَّلَامَةِ، فَهُوَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْإِقْطَاعِ إلَى انْقِضَاءِ المدة. الحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَيُبْطِلَ الْإِقْطَاعَ فِي الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَعُودَ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُرِّيَّةٌ دَخَلُوا فِي إعْطَاءِ الذَّرَارِيِّ لَا فِي أَرْزَاقِ الأجناد وكان ما يعطونه تسبيبا لا إقطاعا. الحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُحْدِثَ بِهِ زَمَانَةً، فَيَكُونَ بَاقِي الحياة مفقود الصحة، ففي بقاء إقطاعه بد زمانته احتمالان: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ إذا قيل إن رزقه بالزمانة لا يسقط. والثاني: يرتجع منه إذا قيل إذا إنَّ رِزْقَهُ بِالزَّمَانَةِ قَدْ سَقَطَ. فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إذَا قُدِّرَ الْإِقْطَاعُ فِيهِ بِمُدَّةٍ معلومة.

  10. القسم الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِهِ أَنْ يَسْتَقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثم لورثته وعقبه بعد موته، فهذا الإقطاع باطل، لأنه خرج بهذا الإقطاع عن حقوق بيت المال إلى الأملاك الموروثة، فإذا أبطل كَانَ مَا اجْتَبَاهُ مِنْهُ مَأْذُونًا فِيهِ عَنْ عقد فاسد، فبرئ أهل الخراج بقبضه وحسب به مِنْ جُمْلَةِ رِزْقِهِ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ رَدَّ الزيادة، وإن كان أقل بالباقي، وأظهر السلطان فساد الإقطاع حتى يمتنع ن القبض ويمتنع أَهْلُ الْخَرَاجِ مِنْ الدَّفْعِ، فَإِنْ دَفَعُوهُ بَعْدَ إظهار ذلك لم يبرءوا منه. القسم الثَّالِثُ أَنْ يَسْتَقْطِعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَفِي صِحَّةِ الإقطاع احتمالان: أحدهما: أنه صحيح إذا قِيلَ إنَّ حُدُوثَ زَمَانَتِهِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ رزقه. والثاني: أنه باطل إذا قيل إن حدوث زمانته موجب لسقوط رزقه.

  11. وَإِذَا صَحَّ الْإِقْطَاعُ فَأَرَادَ السُّلْطَانُ اسْتِرْجَاعَهُ مِنْ مَقْطَعِهِ جَازَ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي هي فِيهَا، وَيَعُودُ رِزْقُهُ إلَى دِيوَانِ الْعَطَايَا، فَأَمَّا فِي السَّنَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَيَنْظُرُ، فَإِنْ حَلَّ رِزْقُهُ فِيهَا قَبْلَ حُلُولِ خَرَاجِهَا لَمْ يسترجع منه في سننه لِاسْتِحْقَاقِ خَرَاجِهَا فِي رِزْقِهِ، وَإِنْ حَلَّ خَرَاجُهَا قَبْلَ حُلُولِ رِزْقِهِ جَازَ اسْتِرْجَاعُهُ مِنْهُ، لِأَنَّ تعجيل المؤجل وإن كان جائزا فليس بلازم. فأما أرزاق من عَدَا الْجَيْشَ إذَا أَقْطَعُوا بِهَا مَالَ الْخَرَاجِ فتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: من يرزق عَلَى عَمَلٍ غَيْرِ مُسْتَدِيمٍ: كَعُمَّالِ الْمَصَالِحِ، وَجُبَاةِ الْخَرَاجِ، فَالْإِقْطَاعُ بِأَرْزَاقِهِمْ لَا يَصِحُّ، وَيَكُونُ مَا حصل لهم من مال الخراج تسبيبا وحوالة بعد استحقاق الرزق وحلول الخراج. القسم الثاني: من يرزق على عمل مستديم يجري رزقه مجرى الجعالة وهم الناظرون في أعمال البر التي يصح التطوع بها إذا تزقوا عليها كالمؤذنين والأئمة، فيكون ما جعل لهم في أرزاقهم تسبيبا وحوالة عليه ولا يكون إقطاعا. القسم الثَّالِثُ: مَنْ يُرْتَزَقُ عَلَى عَمَلٍ مُسْتَدِيمٍ وَيَجْرِي رِزْقُهُ مَجْرَى الْإِجَارَةِ، وَهُوَ مَنْ لَا يَصِحُّ نَظَرُهُ إلَّا بِوِلَايَةٍ وَتَقْلِيدٍ: مِثْلُ الْقُضَاةِ، وَالْحُكَّامِ وَكُتَّابِ الدَّوَاوِينِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقْطَعُوا بِأَرْزَاقِهِمْ خَرَاجَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ إقْطَاعِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَالْجَيْشِ.

    ج ١ ص ٢٣٥
  12. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِمَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْعَزْلِ وَالِاسْتِبْدَالِ. وَأَمَّا إقْطَاعُ الْمَعَادِنِ وَهِيَ الْبِقَاعُ الَّتِي أَوْدَعَهَا الله تعالى الجواهر في الأرض، فهي ضربان: ظاهرة، وباطنة. أما الظاهرة فما كَانَ جَوْهَرُهَا الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا بَارِزًا كَمَعَادِنِ الْكُحْلِ، والملح، والنفظ. فهو كَالْمَاءِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إقْطَاعُهُ، وَالنَّاسُ فِيهِ شرع يأخذه من ورد إليه. وقد نص عليه في رواية حرب وقد سئل عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - " أنه أقطع رجلا معدن الملح الذي بمأرب فقيل له: إنه بمنزلة الماء العد، فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " معدن ملح ينتابه الناس في الصحراء يأخذون الملح ليس هو بملك أحد، أخذه السلطان فأقطعه رجلا فمنع الناس منه، فكرهه وقال: هذا للمسلمين".

  13. فإن أقطعت هذا الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ لَمْ يَكُنْ لِإِقْطَاعِهَا حُكْمٌ، وَكَانَ المنقطع وغيره فيها سواء، وجميع من ورد أسوة يشتركون فِيهَا، فَإِنْ مَنَعَهُمْ الْمُقْطِعُ مِنْهَا كَانَ بِالْمَنْعِ مُتَعَدِّيًا، وَكَانَ لِمَا أَخَذَهُ مَالِكًا، لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بالمنع لا بالأخذ، وكف عَنْ الْمَنْعِ وَصُرِفَ عَنْ مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ لِئَلَّا يثبته إقطاعا بالصحة، أو يصير معه في حكم الأملاك المستقرة. وَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ فَهِيَ مَا كَانَ جَوْهَرُهَا مستكنا فيها لا يوصل إلَّا بِالْعَمَلِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ، فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَعَادِنُ بَاطِنَةٌ، سَوَاءٌ احْتَاجَ المأخوذ منها إلى سبك وتصفية وتخليص أو لم يحتج، فلا يجوز إقطاعها كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع. فإن أحيى مواتا بإقطاع او غير فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَعَادِنُ بَاطِنَةٌ، سَوَاءٌ احْتَاجَ المأخوذ منها إلى سبك وتصفية وتخليص أو لم يحتج، فلا يجوز إقطاعها كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع. فإن أحيى مَوَاتًا بِإِقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِ إقْطَاعٍ فَظَهَرَ فِيهِ، بِالْإِحْيَاءِ مَعْدِنٌ ظَاهِرٌ أَوْ بَاطِنٌ، مَلَكَهُ الْمُحْيِي عَلَى التَّأْبِيدِ كَمَا يَمْلِكُ مَا اسْتَنْبَطَهُ مِنْ العيون واحتفره من الآبار.

    ج ١ ص ٢٣٦