فصل في وضع الديوان، وذكر أحكامه
١٥٢ فقرة، ج ١ ص ٢٣٦
الصفحة ١ من ٤
- ج ١ ص ٢٣٦
والديوان موضوع لِحِفْظِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ السَّلْطَنَةِ، مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ، وَمَنْ يَقُومُ بِهَا مِنْ الْجُيُوشِ وَالْعُمَّالِ.
- ج ١ ص ٢٣٧
والديوان بالفارسية: اسم للشياطين، فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور ووقوفهم منها عَلَى الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ وَجَمْعِهِمْ لِمَا شَذَّ وَتَفَرَّقَ، ثُمَّ سُمِّيَ مَكَانُ جُلُوسِهِمْ بِاسْمِهِمْ، فَقِيلَ دِيوَانٌ. وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الدِّيوَانَ فِي الْإِسْلَامِ عُمَرُ بن الخطاب. فأما سبب وضعه فروى أن عمر استشار الناس في تدوين الدواوين، فقال علي بن أبي طالب " تُقَسِّمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إلَيْكَ مِنْ الْمَالِ وَلَا تُمْسِكْ مِنْهُ شَيْئًا " وَقَالَ عُثْمَانُ بن عفان " أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لَمْ يُحْصُوا حَتَّى يُعْرَفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لم يأخذ حشيت أَنْ يَنْتَشِرَ الْأَمْرُ فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ " قد كنت بالشام فرأيت ملوكها دَوَّنُوا دِيوَانًا وَجَنَّدُوا جُنُودًا فَدَوِّنْ دِيوَانًا وَجَنِّدْ جُنُودًا " فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ. وَدَعَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَمَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، وكانوا من نبهاء قريش وأعلمهم بأنسابهم فقال " اُكْتُبُوا النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ " فَبَدَءُوا بِبَنِي هَاشِمٍ فَكَتَبُوهُمْ ثُمَّ أَتْبَعُوهُمْ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْمَهُ ثُمَّ عُمَرَ وَقَوْمَهُ، وَكَتَبُوا الْقَبَائِلَ وَوَضَعُوهَا عَلَى الْخِلَافَةِ، ثم دفعوه إلَى عُمَرَ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ قَالَ: " لَا، وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ هَكَذَا، وَلَكِنْ ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَقْرَبَ ثم الأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى، فشكره العباس على ذلك وقال " وصلتك رحم" .
-
فروى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ بَنِي عَدِيٍّ جَاءُوا إلَى عُمَرَ فَقَالُوا: إنَّك خَلِيفَةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَخَلِيفَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فلو جعلت نفسك حيث جعلك هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَتَبُوا؟ فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ، أَرَدْتُمْ الْأَكْلَ عَلَى ظَهْرِي وأن أهب حسناتي لكم، لا والله حتى تأتيكم الدعوة وإن انطبق عليكم الدفتر، يعني لو أن تُكْتَبُوا آخِرَ النَّاسِ- إنَّ لِي صَاحِبِينَ سَلَكَا طريقا، فإن خالفتهما خولف بي، والله ما أدركنا الفضل في الدنيا، ولانرجو الثواب في الآخرة عَلَى عَمَلِنَا إلَّا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ شَرَفُنَا، وَقَوْمُهُ أَشْرَفُ الْعَرَبِ، ثُمَّ الأقرب بالأقرب، ووالله لَئِنْ جَاءَتْ الْأَعَاجِمُ بِعَمَلٍ وَجِئْنَا بِغَيْرِ عَمَلٍ لهم أولى برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فإن من قصر به عمله لم يسرع به نسبه" .
- ج ١ ص ٢٣٨
وروى عامر الشعبي " أن عمر " حِينَ أَرَادَ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ: بِمَنْ أَبْدَأُ؟ فقال له عبد الرحمن ابن عوف: ابدأ بنفسك، فقال عمر: أذكرتني، حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبدأ ببني هاشم وبني الْمُطَّلِبِ، فَبَدَأَ بِهِمْ عُمَرُ، ثُمَّ بِمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، حَتَّى اسْتَوْفَى جَمِيعَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ انْتَهَى إلَى الْأَنْصَارِ، فَقَالَ عُمَرُ: ابْدَءُوا بِرَهْطِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ من الأوس، ثم الأقرب فالأقرب لسعد ". فلما استقر ترتيب الناس في الديوان على تعدد النَّسَبِ الْمُتَّصِلِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَّلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَاءِ عَلَى قَدْرِ السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْقُرْبَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَرَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَلَا يَرَى التفضيل بالسابقة، وكذلك كان رأي على ابن أبي طالب فِي خِلَافَتِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ، وَكَانَ رأي عمر التفضيل بالسابقة في الدين، وكذلك كان رأي عثمان بعده، وبه أخذ أحمد وأبو حنيفة وفقهاء العراق.
-
وقد ناظر عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ حِينَ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ " أَتُسَوِّي بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَصَلَّى القبلتين، ومن أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ خَوْفَ السَّيْفِ؟ " فَقَالَ لَهُ أبو بكر " إنما عملوا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ " فقال عُمَرُ: " لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَنْ قَاتَلَ مَعَهُ " فلما وضع الديوان فضل بالسابقة. ففرض لكل واحد شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عوف، وَفَرَضَ لِنَفْسِهِ مَعَهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، لِمَكَانِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقِيلَ: بَلْ فَضَّلَ الْعَبَّاسَ وَفَرَضَ لَهُ سبعة آلَافِ دِرْهَمٍ، إلَّا عَائِشَةَ فَإِنَّهُ فَرَضَ لَهَا اثني عشر ألف درهم، وألحق بهم جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَصَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، وَقِيلَ بل فرض لكل واحدة منهما ستة آلاف درهم، وفرض لمن هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم لكل رجل، ولمن أسلم بعد الفتح ألفي دِرْهَمٍ لِكُلِّ رَجُلٍ، وَفَرَضَ لِغِلْمَانٍ أَحْدَاثٍ مِنْ أولاد المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الْفَتْحِ. وَفَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، لِأَنَّ أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ " لِمَ تُفَضِّلُ عُمَرَ عَلَيْنَا وَقَدْ هَاجَرَ آبَاؤُنَا، وَشَهِدُوا بَدْرًا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أُفَضِّلُهُ لِمَكَانِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِيَأْتِ الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة ". وَفَرَضَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وفرض لعبد الله بن عمر ثلاثة آلاف درهم، فقال عبد الله بن عمر " فرضت لأسامة في أربعة آلاف درهم، وفرضت لي في ثلاثة آلاف، وَقَدْ شَهِدْت مَا لَمْ يَشْهَدْ أُسَامَةُ. فَقَالَ عُمَرُ: زِدْته لِأَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْكَ، وَكَانَ أبوه أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - من أبيك".
- ج ١ ص ٢٣٩
ثُمَّ فَرَضَ لِلنَّاسِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ الْقُرْآنَ وجهادهم في سبيل الله.
-
وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَقَيْسٍ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، لِكُلِّ رجل من ألفين إلى ألف وخمسمائة إلى ثلثمائة، وَلَمْ يُنْقِصْ أَحَدًا مِنْهَا وَقَالَ " لَئِنْ كَثُرَ الناس المال لأفرضين لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ: أَلْفًا لِفَرَسِهِ، وَأَلْفًا لِسِلَاحِهِ، وَأَلْفًا لِسَفَرِهِ، وَأَلْفًا يُخْلِفُهَا فِي أَهْلِهِ" . وَفَرَضَ لِلْمَنْفُوسِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَإِذَا تَرَعْرَعَ بَلَغَ بِهِ مِائَتِي دِرْهَمٍ، فَإِذَا بَلَغَ زَادَهُ. وَكَانَ لَا يَفْرِضُ لِمَوْلُودٍ شَيْئًا حَتَّى يُفْطَمَ، إلى أن سمع ذات ليلة امرأة تُكْرِهُ وَلَدَهَا عَلَى الْفِطَامِ وَهُوَ يَبْكِي، فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: إنَّ عُمَرَ لَا يَفْرِضُ لِلْمَوْلُودِ حتى يفطم وأنا أُكْرِهُهُ عَلَى الْفِطَامِ حَتَّى يَفْرِضَ لَهُ، فَقَالَ " يا ويل عمر، كم احتمل مِنْ وِزْرٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ " ، ثُمَّ أَمَرَ فنادى " لا تعجلوا أولادكم بالفطام، فإنه يفرض لِكُلِّ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَام" . ثُمَّ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْعَوَالِي - وَكَانَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ الْقُوتَ - فَأَمَرَ بِجَرِيبٍ مِنْ الطَّعَامِ فَطُحِنَ، ثُمَّ خُبِزَ، ثُمَّ ثرد بزيت، ثم دعا بثلاثين رجلا فأكلوا منه غداءهم حَتَّى أَصَدَرَهُمْ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الْعَشَاءِ مِثْلَ ذلك، فقال " يكفي الرجل جريبان كل شهر" . وكان يرزق الرجل والمرأة والمملوك جريبين جَرِيبَيْنِ فِي كُلِّ شَهْرٍ. وَكَانَ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى صَاحِبِهِ قَالَ لَهُ: رفع الله عنك جريبك. فكان الديوان موضوعا على دعوة العرب. وترتيب الناس فيه معتبرا بالنسب، وتفضيل العطاء معتبر بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَحُسْنِ الْأَثَرِ فِي الدِّينِ، ثُمَّ رُوعِيَ فِي التَّفْضِيلِ عِنْدَ انْقِرَاض أَهْلِ السوابق: التقدم في الشجاعة، والبلاء في الجهاد. فَهَذَا حُكْمُ دِيوَانِ الْجَيْشِ فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِهِ على الدعوة العربية والترتيب الشرعي.
- ج ١ ص ٢٤٠
وقد حكى أحمد اختلاف الصحابة، وأخذ بقول من فضل. فقال في رواية المروزي " أما أبو بكر فلم يفضل أحدا على أحد، وعمر قد أعطى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفضلهن، وأعطى عبد الرحمن بن عوف وفضله، وأعطي المهاجرين الأولين وفضلهم على من سواهم، وأنا عثمان فأعطى وفضل، وأما علي فلم يفضل. وكذلك عمر فضل، فلما كان عثمان مضى ست سنين على الأمر، ثم فضل قوما " فهذا حكايته عنهم الاختلاف.
-
وأما اختياره التفضيل فقال في رواية الحسن بن علي بن الحسن الاسكافي " الفيء للمسلمين عامة، إلا أن الإمام يفضل قوما على قوم" . وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه: " لكل المسلمين فيه حق وهو على ما يرى الإمام، أليس عمر قد فرض لأمهات المؤمنين في ألفين ولأبناء المهاجرين سوى العطاء؟ فإذا كان الإمام عادلا أعطى منه على ما يرى فيه، يجتهد" . فأما الذي يشتمل عليه ديوان السلطنة فينقسم أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ بِالْجَيْشِ مِنْ إثْبَاتٍ وَعَطَاءٍ. وَالثَّانِي: مَا يَخْتَصُّ بِالْأَعْمَالِ مِنْ رُسُومٍ وَحُقُوقٍ. وَالثَّالِثُ: مَا يَخْتَصُّ بِالْعُمَّالِ مِنْ تَقْلِيدٍ وَعَزْلٍ. وَالرَّابِعُ: مَا يَخْتَصُّ بِبَيْتِ الْمَالِ من دخل وخرج. أما القسم الأول فيما يختص بالجيش مِنْ إثْبَاتٍ وَعَطَاءٍ: فَإِثْبَاتُهُمْ فِي الدِّيوَانِ مُعْتَبَرٌ بثلاثة شروط: أحدها: الوصف الذي يجوز به إثباتهم. والثاني: النسب الذي يستحقون به ترتيبهم. والثالث: الحال الذي يتقدم به عطاؤهم.
- ج ١ ص ٢٤١
فَأَمَّا شَرْطُ جَوَازِ إثْبَاتِهِمْ فِي الدِّيوَانِ فَيُرَاعَى فيه خمسة أوصاف: أحدها: البلوغ، فإن الصبب من جملة الذراري. والثاني: الحرية، وأصله: أنه لا يجوز إفراد العبيد بالعطاء في ديوان المقاتلة، وهو قول عمر، وهو طاهر كلام أحمد في رواية المروزي، وذكر حديث عمر قال " ما أحد من المسلمين إلا وله فيه نصيب، إلا العبيد، فليس لهم فيه شيء" . وبه قال الشافعي. وحكى عن بعض العراقيين إفراد العبيد بالعطاء في ديوان المقاتلة، وهو قول أبي بكر. وَالثَّالِثُ: الْإِسْلَامُ، لِيَدْفَعَ عَنْ الْمِلَّةِ بِاعْتِقَادِهِ، وَيُوَثِّقَ بنصحه واجتهاده، فإن أثبت فيهم ذمي لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ ارْتَدَّ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ سَقَطَ. وهذا قياس قول أحمد، لأنه منع أن يستعان بالكفار في الجهاد. الرابع: السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْقِتَالِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَمِنًا، وَلَا أَعْمَى، وَلَا أقطع، ويجوز أن يكون أخرس وأصم، فَأَمَّا الْأَعْرَجُ، فَإِنْ كَانَ فَارِسًا أُثْبِتَ، وَإِنْ كان راجلا أسقط.
-
الخامس: أن يكون منه إقْدَامٌ عَلَى الْحُرُوبِ، وَمَعْرِفَةٌ بِالْقِتَالِ، فَإِنْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ عَنْ الْإِقْدَامِ، أَوْ قَلَّتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ، لِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِمَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ. فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ كَانَ إثْبَاتُهُ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ مَوْقُوفًا عَلَى الطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ، فَيَكُونُ مِنْهُ الطَّلَبُ إذَا تَجَرَّدَ عن كل عمل، ويكون من ولي الأمر الإجابة، إذا دعت إليه الحاجة، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورَ الِاسْمِ نَبِيهَ الْقَدْرِ لَمْ يَحْسُنْ إذَا أُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ أَنْ يُحَلَّى فيه أو ينعتـ وإن كَانَ مِنْ الْمَغْمُورِينَ فِي النَّاسِ حُلِّيَ وَنُعِتَ، فذكر سنه، وقدره، ولونه، وحلي وجهه، ووصف بما يتميز عن غيره، لئلا تتفق الأسماء أة يدعي وَقْتَ الْعَطَاءِ، وَضُمَّ إلَى نَقِيبٍ عَلَيْهِ أَوْ عريف له يكون مأخوذا بدركه. وَأَمَّا تَرْتِيبُهُمْ فِي الدِّيوَانِ إذَا أُثْبِتُوا فِيهِ فَمُعْتَبَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَامٌّ، وَالْأُخَرُ خَاصٌّ. فَأَمَّا الْعَامُّ: فَهُوَ تَرْتِيبُ الْقَبَائِلِ وَالْأَجْنَاسِ، حَتَّى يتميز كُلُّ قَبِيلَةٍ عَنْ غَيْرِهَا، وَكُلُّ جِنْسٍ عَمَّنْ يخالفه، فلا يجمع فيه بين المختلفين، لا يفرق بين المؤتلفين، لتكون دعوة الديوان على نسق معروف السبب يزول معه التَّنَازُعُ وَالتَّجَاذُبُ. وَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا. فَإِنْ كَانُوا عَرَبًا تَجْمَعُهُمْ أَنْسَابٌ وَتُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ أنساب، ترتبت قبائلها بِالْقُرْبَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - كما فعل عمر حِينَ دَوَّنَهُمْ فَيُبْدَأُ بِالتَّرْتِيبِ فِي أَصْلِ النَّسَبِ، ثم مما تفرع عنه.
- ج ١ ص ٢٤٢
والعرب: عدنان وقحطان، فيقدم عَدْنَانُ عَلَى قَحْطَانَ، لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وَعَدْنَانُ يجمع ربيعة ومضر، فيقدم مُضَرُ عَلَى رَبِيعَةَ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وَمُضَرُ يجمع قريشا وغير قريش، فيقدم قريشا لأن النبوة فيهم، وقريش تجمع بني هاشم وغيرهم، فيقدم بني هَاشِمٍ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ. فَيَكُونُ بَنُو هَاشِمٍ قطب الترتيب، ثم من يليهم من أقرب الأنساب إليهم، حتى يستوعب قريشا، ثم من يَلِيهِمْ فِي النَّسَبِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ مُضَرَ، ثم من يليهم حتى يستوعب جميع عدنان. وَإِنْ كَانُوا عَجَمًا لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى نَسَبٍ، فالذي يجمعهم عند فقد النسب أحد أمرين: إمَّا أَجْنَاسٌ، وَإِمَّا بِلَادٌ.
-
فَالْمُتَمَيِّزُونَ بِالْأَجْنَاسِ، كَالتُّرْكِ، والهند، ثم يتميز التُّرْكُ أَجْنَاسًا، وَالْهِنْدُ أَجْنَاسًا، وَالْمُتَمَيِّزُونَ بِالْبِلَادِ، كَالدَّيْلَمِ، والجبل، ثم يتميز الديلم بلدانا، والجيل بلدانا. فإذا تَمَيَّزُوا بِالْأَجْنَاسِ أَوْ الْبُلْدَانِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ سابقة قدم فِي الْإِسْلَامِ تَرَتَّبُوا عَلَيْهَا فِي الدِّيوَانِ، وَإِنْ لم يكن لَهُمْ سَابِقَةٌ تَرَتَّبُوا بِالْقُرْبِ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وإن تساووا فالسبق إلَى طَاعَتِهِ. وَأَمَّا التَّرْتِيبُ الْخَاصُّ، فَهُوَ تَرْتِيبُ الواحد بعد الواحد، فيرتب بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنْ تَكَافَئُوا فِي السَّابِقَةِ تَرَتَّبُوا بِالدَّيْنِ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهِ تَرَتَّبُوا بِالسِّنِّ، فإن تقاربوا في السن تَرَتَّبُوا بِالشَّجَاعَةِ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهَا فَوَلِيُّ الْأَمْرِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، أَوْ يُرَتِّبَهُمْ على رأيه واجتهاده. وأما تقدير العطاء فعتبر بِالْكِفَايَةِ حَتَّى يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الْتِمَاسِ مَادَّةٍ تَقْطَعُهُ عَنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ. وَالْكِفَايَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثلاثة أوجه: أحدها: عدة مَنْ يَعُولُهُ مِنْ الذَّرَارِيِّ وَالْمَمَالِيكِ. وَالثَّانِي: عَدَدُ مَا يَرْتَبِطُهُ مِنْ الْخَيْلِ وَالظَّهْرِ. وَالثَّالِثُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّهُ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، فَيُقَدِّرُ كِفَايَتَهُ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ لِعَامِهِ كُلِّهِ، فَيَكُونُ هَذَا المقدر في عطائه، ثم يعرض حَالُهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَإِنْ زَادَتْ رَوَاتِبُهُ الماسة زيد وإن نقصت نقص.
- ج ١ ص ٢٤٣
وإذا تَقَدَّرَ رِزْقُهُ بِالْكِفَايَةِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عليها إذا اتسع المال؟ ظاهر كلام أحمد: أنه يجوز زِيَادَتَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا اتَّسَعَ الْمَالُ لَهَا، لأنه قال في رواية أبي النضر العجلي: " والفيء بين الغني والفقير" . فقد جعل للغني فيها حقا، والغني إنما يكون فيما فضل عن حاجته، وهو قول أبي حنيفة، خلافا للشافعي في قوله: لا يجوز ذلك. وَيَكُونُ وَقْتُ الْعَطَاءِ مَعْلُومًا يَتَوَقَّعُهُ الْجَيْشُ عِنْدَ الاستحقاق. وهو معتبر بالوقت الذي يستوفي فِيهِ حُقُوقُ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ السَّنَةِ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي وَقْتَيْنِ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مرتين.
-
وإن كانت تستوفي كُلِّ شَهْرٍ جُعِلَ الْعَطَاءُ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ، لِيَكُونَ الْمَالُ مَصْرُوفًا إلَيْهِمْ عِنْدَ حُصُولِهِ فَلَا يُحْبَسُ عَنْهُمْ إذَا اجْتَمَعَ، وَلَا يُطَالِبُونَ به إذا تأخر. وإذا تأخر العطاء عنهم عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ، وَكَانَ حَاصِلًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، كَانَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ كَالدُّيُونِ الْمُسْتَحَقَّةِ. وَإِنْ أَعْوَزَ بَيْتُ الْمَالِ - لِعَوَارِضَ - أَبْطَلَتْ حُقُوقَهُ، أَوْ أَخَّرَتْهَا كَانَتْ أَرْزَاقُهُمْ دَيْنًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ: وَلَيْسَ لَهُمْ مُطَالَبَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِهِ، كَمَا لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مُطَالَبَةُ مَنْ أَعْسَرَ بِدَيْنِهِ. وَإِذَا أَرَادَ وَلِيُّ الْأَمْرِ إسْقَاطَ بَعْضِ الْجَيْشِ بسبب أَوْجَبَهُ أَوْ لِعُذْرٍ اقْتَضَاهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ سَبَبٍ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُمْ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ فِي الذَّبِّ عَنْهُمْ. وَإِذَا أَرَادَ بَعْضُ الْجَيْشِ إخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْ الدِّيوَانِ جَازَ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ إلَّا أن يكون معذورا. وإذا جرد الجيش للقتال، فامتنعوا - وهم أكفاء من جاربهم - سقطت أرزاقهم. وإن ضعفوا عنه لَمْ تَسْقُطْ. وَإِذَا نَفَقَتْ دَابَّةُ أَحَدِهِمْ فِي حَرْبٍ عُوِّضَ عَنْهَا، وَإِنْ نَفَقَتْ فِي غَيْرِ حَرْبٍ لَمْ يُعَوَّضْ. وَإِذَا اُسْتُهْلِكَ سِلَاحُهُ فِيهَا عوض عنه إن لم يَدْخُلُ فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ، وَلَمْ يُعَوَّضْ إنْ دَخَلَ فِيهِ. وَإِذَا جُرِّدَ لِسَفَرٍ أُعْطِيَ نَفَقَةَ سفره، وإن لم يدخل في تقدير عطائه، ولم يعط إن دخل فيه. وإذا مات أحدهم أو قتل وكان ما استحقه مِنْ عَطَائِهِ مَوْرُوثًا عَنْهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ دَيْنٌ لِوَرَثَتِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فأما استيفاء نَفَقَاتِ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ عَطَائِهِ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ فيحتمل أن تسقط نَفَقَتُهُمْ مِنْ دِيوَانِ الْجَيْشِ لِذَهَابِ مُسْتَحَقِّهِ. وَيُحَالُونَ على مال الغنيمة والصدقة من سهم الفقراء والمساكين. ويحتمل أن يَسْتَبْقِي مِنْ عَطَائِهِ نَفَقَاتِ ذُرِّيَّتِهِ، تَرْغِيبًا لَهُ في المقام، وبعثا له على الإقدام. فإن حدث به زمانة، فهل يسقط عطاؤه؟ يحتمل أن يَسْقُطُ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ قَدْ عُدِمَ، ويحتمل أنه باق في العطاء ترغيبا في التجنيد والارتزاق.
- ج ١ ص ٢٤٤
وأما القسم الثاني فيما يختص بالأعمال من رسوم وحقوق فتشتمل عَلَى سِتَّةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا تَحْدِيدُ الْعَمَلِ بِمَا يتميز به عن غَيْرِهِ، وَتَفْصِيلُ نَوَاحِيهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا، فَيَجْعَلُ لكل بلد حدا لا يشارك غيره فيه.
-
وتفصيل نَوَاحِيَ كُلِّ بَلَدٍ إذَا اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ نَوَاحِيهِ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ الضِّيَاعِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ فُصِلَتْ ضِيَاعُهُ. كَتَفْصِيلِ نَوَاحِيهِ. وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ اقتصر على تفصيل النواحي دون الضياع.
-
الفصل الثاني أن يذكر حال البلد، هل فتحت عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا؟ وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ أَرْضِهِ: مِنْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ، وَهَلْ اخْتَلَفَتْ أحكام نواحيه أَوْ تَسَاوَتْ؟ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ أَرْضَ عُشْرٍ، أو يكون جَمِيعُهُ أَرْضَ خَرَاجٍ، أَوْ يَكُونَ بَعْضُهُ عُشْرًا وَبَعْضُهُ خَرَاجًا. فَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ أَرْضَ عُشْرٍ لَمْ يَلْزَمْ إثْبَاتُ مَسَائِحِهِ، لِأَنَّ الْعُشْرَ عَلَى الزَّرْعِ دُونَ الْمِسَاحَةِ. وَيَكُونَ مَا اُسْتُؤْنِفَ زَرْعُهُ مَرْفُوعًا إلَى دِيوَانِ الْعُشْرِ، لَا مُسْتَخْرَجًا مِنْهُ. وَيَلْزَمُ تَسْمِيَةُ أَرْبَابِهِ عِنْدَ رَفْعِهِ إلَى الدِّيوَانِ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْعُشْرِ فِيهِ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَابِهِ دُونَ رِقَابِ الْأَرْضِينَ. وَإِذَا رُفِعَ الزَّرْعُ بِأَسْمَاءِ أَرْبَابِهِ ذُكِرَ مَبْلَغُ كَيْلِهِ وَحَالُ سَقْيِهِ بِسَيْحٍ أَوْ عمل، لاختلاف حكمه، ويستوفي عَلَى مُوجِبهِ. وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ أَرْضَ خَرَاجٍ لَزِمَ إثْبَاتُ مَسَائِحِهِ، لِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمِسَاحَةِ وإن كان الخراج في حكم الأجرة لم يلزم أرباب تَسْمِيَةُ أَرْبَابِ الْأَرْضِينَ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِإِسْلَامٍ وَلَا كُفْرٍ. وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الجزية لزم تسمية أربابه ووصفهم بإسلام أو كفر لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِ بِاخْتِلَافِ أَهْلِهِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ عُشْرًا وَبَعْضُهُ خَرَاجًا فُصِلَ فِي دِيوَانِ الْعُشْرِ مَا كَانَ مِنْهُ عُشْرًا. وَفِي دِيوَانِ الْخَرَاجِ ما كان خراجا، لاختلاف الحكم فيهما، وَأُجْرِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَخْتَصُّ بحكمه.
-
الفصل الثَّالِثُ أَحْكَامُ خَرَاجِهِ وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَى مَسَائِحِهِ. هَلْ هُوَ مُقَاسَمَةٌ عَلَى زَرْعِهِ، أَوْ هُوَ ورق مقدر على جريانه؟ فإن كان مقاسمة لزم إذا خرجت مسائح أرضين مِنْ دِيوَانِ الْخَرَاجِ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهَا مَبْلَغُ الْمُقَاسَمَةِ: مِنْ رُبْعٍ أَوْ ثُلُثٍ، أَوْ نِصْفٍ، وَيُرْفَعُ إلَى الدِّيوَانِ مَقَادِيرُ الْكُيُولِ، لِتُسْتَوْفَى الْمُقَاسَمَةُ على موجبها.
- ج ١ ص ٢٤٥
وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ وَرِقًا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَسَاوِيًا مَعَ اخْتِلَافِ الزُّرُوعِ، أَوْ مختلفا فإن تساوى مَعَ اخْتِلَافِ الزُّرُوعِ أُخْرِجَتْ الْمَسَائِحُ مِنْ دِيوَانِ الْخَرَاجِ لِيَسْتَوْفِيَ خَرَاجَهَا. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ إلَّا مَا قُبِضَ مِنْهَا.
-
وَإِنْ كَانَ الْخَرَاجُ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الزُّرُوعِ لَزِمَ إخْرَاجُ الْمَسَائِحِ من ديوان الخراج. وإن لم يرفع إليه أجناس الزروع استوفى خَرَاجَ الْمِسَاحَةِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الزَّرْعِ.
-
الفصل الرابع ذكر من في كل ناحية من أخل الذِّمَّةِ، وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ، فإن كانت مختلفة باليسار والإعسار سموا الدِّيوَانِ مَعَ ذِكْرِ عَدَدِهِمْ، لِيُخْتَبَرَ حَالُ يَسَارِهِمْ وَإِعْسَارِهِمْ. وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ جاز الاقتصاد عَلَى ذِكْرِ عَدَدِهِمْ، وَوَجَبَ مُرَاعَاتُهُمْ فِي كُلِّ عام، ليثبت من بلغ، ويسقط مات أو أسلم، ليحصر بذلك ما يستحق من جزيتهم.
-
الفصل الْخَامِسُ إنْ كَانَ مِنْ بُلْدَانِ الْمَعَادِنِ: أَنْ يذكر أجناس معادنه، وعدد كل جنس، لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّ الْمَعْدِنِ مِنْهَا. وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِمِسَاحَةٍ، وَلَا يَنْحَصِرُ بِتَقْدِيرٍ لِاخْتِلَافِهِ، وَإِنَّمَا ينضبط الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إذَا أَعْطَى وَأَنَالَ. وَلَا يَلْزَمُ فِي أَحْكَامِ الْمَعَادِنِ أَنْ يُوصَفَ فِي الدِّيوَانِ أحكام فتوحها، وهل هي أرض عشر أو أرض خَرَاجٍ؟ لِأَنَّ الدِّيوَانَ فِيهَا مَوْضُوعٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقَّ مِنْ نِيلِهَا، وَحَقُّهَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ فُتُوحِهَا وأحكام أرضها. وإنما يختلف ذلك باختلاف العاملين فيها والآخذين لها، فلزم تسميتهم ووصفهم. وقد تقدم القول في أجناس ما يؤخذ حق المعدن منها وفي قدر المأخوذ منها. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَقَ لِلْأَئِمَّةِ فِيهَا حكم اجتهد والي الوقت رأيه فِي الْجِنْسِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ، وَفِي الْقَدْرِ المأخوذ منه، وعمل عليه في الأمرين جميعا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ سَبَقَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ قَدْ اجْتَهَدَ رأيه في الجنس الذي يجب فيه، وقي القدر المأخوذ منه وحكم به فيهما حكما أيده وأمضاه استقر حُكْمُهُ فِي الْأَجْنَاسِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا حَقُّ الْمَعْدِنِ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَعْدِنِ، لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي الْجِنْسِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَعْدِنِ الْمَوْجُودِ، وَحُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَعْدِنِ المفقود.
-
الفصل السَّادِسُ إنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا يُتَاخِمُ دَارَ الحرب، وكانت أموالهم إذا دَخَلَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ مَعْشُورَةً عَنْ صُلْحٍ اسْتَقَرَّ معهم، أثبت في الديوان عَقْدِ صُلْحِهِمْ، وَقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ: مِنْ عُشْرٍ، أو خمس، أو زيادة عليه، أو نقصان منه.
- ج ١ ص ٢٤٦
وإن كَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ فُصِلَتْ فِيهِ، وَكَانَ الدِّيوَانُ مَوْضُوعًا لِإِخْرَاجِ رُسُومِهِ وَلِاسْتِيفَاءِ مَا يُرْفَعُ إلَيْهِ مِنْ مَقَادِيرِ الْأَمْتِعَةِ الْمَحْمُولَةِ إلَيْهِ. فأما أَعْشَارُ الْأَمْوَالِ الْمُنْتَقِلَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَمُحَرَّمَةٌ لَا يُبِيحُهَا شَرْعٌ، وَلَا يُسَوِّغُهَا اجْتِهَادٌ وَلَا هِيَ مِنْ سِيَاسَاتِ العدل، وقلما تكون إلا في البلاد الجائرة، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لا يدخل الجنة صاحب مكس " وفي لفظ آخر " إن صاحب المكس في النار " يعني العاشر. وفي لفظ آخر " إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه" . وروي أبو عبيدة هذه الأخبار في كتاب الأموال. فإذا غَيَّرَتْ الْوُلَاةُ أَحْكَامَ الْبِلَادِ وَمَقَادِيرَ الْحُقُوقِ فِيهَا، اُعْتُبِرَ مَا فَعَلُوهُ. فَإِنْ كَانَ مُسَوِّغًا فِي الِاجْتِهَادِ لِأَمْرٍ اقْتَضَاهُ لَا يَمْنَعُ الشَّرْعُ مِنْهُ، لحدوث سبب سوغ الشرع لأجله الزيادة أو النقصان. جَازَ، وَصَارَ الثَّانِي هُوَ الْحَقَّ الْمُسْتَوْفَى دُونَ الأول. فإذا استخرجت حَالُ الْعَمَلِ مِنْ الدِّيوَانِ، جَازَ أَنْ يُقْتَصَرَ على إخراج الحالة الثانية دون الأولة، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُخْرِجَ الْحَالَيْنِ، لِجَوَازِ أَنْ يَزُولَ السَّبَبُ الْحَادِثُ، فَيَعُودَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ كَانَ ما أحدثه الْوُلَاةُ مِنْ تَغْيِيرِ الْحُقُوقِ غَيْرَ مُسَوَّغٍ فِي الشَّرْعِ، وَلَا لَهُ وَجْهٌ فِي الِاجْتِهَادِ كَانَتْ الحقوق على الحكم الأول، وكان الثاني حيفا مردودا، سواء غيروه إلى الزيادة أَوْ نُقْصَانٍ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ظُلْمٌ فِي حُقُوقِ الرَّعِيَّةِ، وَالنُّقْصَانَ ظُلْمٌ فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ. فإذا استخرجت حال العمل من الديوان وجب على رافعها مِنْ كُتَّابِ الدَّوَاوِينِ إخْرَاجُ الْحَالَيْنِ، إنْ كَانَ الْمُسْتَدْعِي لِإِخْرَاجِهَا مِنْ الْوُلَاةِ لَا يَعْلَمُ حَالَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا لَمْ يلزم إخراج الحالة الأولة إلَيْهِ، لِأَنَّ عِلْمَهُ بِهَا قَدْ سَبَقَ وَجَازَ الاقتصار على إخراج الحالة الثانية مع وصفها بأنها مستحدثة.
- ج ١ ص ٢٤٧
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِيمَا اخْتَصَّ بِالْعُمَّالِ مِنْ تَقْلِيدٍ وَعَزْلٍ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا ذكر من يصح منه تقليد العمالة، وهو معتبر بنفوذ الأمر، وجواز النظر، وكل مَنْ جَازَ نَظَرُهُ فِي عَمَلٍ نَفَذَتْ فِيهِ أَوَامِرُهُ، وَصَحَّ مِنْهُ تَقْلِيدُ الْعُمَّالِ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةٍ: إمَّا مِنْ السُّلْطَانِ المستولي على كل الأمور ن وَإِمَّا مِنْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ، وَإِمَّا مِنْ عَامِلِ عام العمالة، كعامل إقليم، أو مصر عظيم، يقلد في خصوص الأعمال عملا. فَأَمَّا وَزِيرُ التَّنْفِيذِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ تَقْلِيدُ عامل إلا بعد المطالعة والاستثمار.
-
الفصل الثَّانِي مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْعِمَالَةَ، وَهُوَ مَنْ اسْتَقَلَّ بِكِفَايَتِهِ، وَوُثِقَ بِأَمَانَتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عمالة تفويض تفتقر إلَى اجْتِهَادٍ، رُوعِيَ فِيهَا الْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ. وَإِنْ كَانَتْ عِمَالَةَ تَنْفِيذٍ لَا اجْتِهَادَ لِلْعَامِلِ فِيهَا، لم تفتقر إلى الحرية ولا الإسلام.
-
الفصل الثالث ذكر العمل الذي يتقلده، وَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: تَحْدِيدُ النَّاحِيَةِ بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا. وَالثَّانِي: تَعْيِينُ الْعَمَلِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِهِ فِيهَا: مِنْ جباية، أو خراج، أو عشر. الثالث: الْعِلْمُ بِرُسُومِ الْعَمَلِ وَحُقُوقِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَنْتَفِي عَنْهُ الْجَهَالَةُ. فَإِذَا اُسْتُكْمِلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ في عمل علم بها المولي والمولى صح التقليد ونفذ.
-
الفصل الرابع في النظر، ولا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقدر بِمُدَّةٍ مَحْصُورَةِ الشُّهُورِ أَوْ السِّنِينَ. فَيَكُونُ تَقْدِيرُهَا بهذه المدة مجوزا النظر فيها، ومانعا من النظر بعد تقضيها. فلا يكون النظر في المدة المقدرة لازما من جهة المولي، وله صرفه والاستبدال بِهِ إذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا. فَأَمَّا لُزُومُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ الْمُوَلَّى فَمُعْتَبَرٌ بِحَالٍ جَارِيَةٍ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ الْجَارِي مَعْلُومًا بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْأُجُورُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي الْمُدَّةِ إلَى انْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّ الْعِمَالَةَ فِيهَا تَصِيرُ مِنْ الْإِجَارَاتِ الْمَحْضَةِ، وَيُؤْخَذُ الْعَامِلُ فِيهَا بِالْعَمَلِ إلَى انْقِضَائِهَا إجبارا.
- ج ١ ص ٢٤٨
والفرق بينهما في تخيير المولي والإجبار المولى أَنَّهَا فِي جَنْبَةِ الْمُوَلِّي مِنْ الْعُقُودِ الْعَامَّةِ لنيابته فيها عن الكافة فروعي فيها حكم الْأَصْلَحُ فِي التَّخْيِيرِ، وَهِيَ فِي جَنْبَةِ الْمُوَلَّى مِنْ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ لِعِقْدِهِ لَهَا فِي حَقِّ نفسه، فيجرى عليها حكم اللزوم في الإجبار. وإن لم تقدر جَارِيهِ بِمَا يَصِحُّ فِي الْأُجُورِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْمُدَّةُ، وَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْعَمَلِ إذَا شاء بد أن ينتهي إلَى مُولِيهِ حَالَ تَرْكِهِ، حَتَّى لَا يَخْلُوَ عمله من ناظر فيه. الحالة الثانية: أن يقدر بالعمل. فيقول المولي: قلدتك خراج ناحية كذا في هذا السَّنَةِ، أَوْ قَلَّدْتُكَ صَدَقَاتِ بَلَدِ كَذَا فِي هذا العام، فتكون مدة نظه مقدرة بفراغه من عمله، فإذا فرغ منه انعزل، وه٨وقبل فراغه منه عَلَى مَا ذَكَرْنَا، يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَلِّي، وعزله لنفسه معتبر بصحة جارية وفساده. الحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا، فَلَا يُقَدَّرُ بمدة ولا عمل، فيقول: قَدْ قَلَّدَتْكَ خَرَاجَ الْكُوفَةِ، أَوْ أَعْشَارَ الْبَصْرَةِ، أَوْ حِمَايَةَ بَغْدَادَ، فَهَذَا تَقْلِيدٌ صَحِيحٌ وَإِنْ جهلت مدته لأن المقصود منه الإذن بجواز النَّظَرِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ اللُّزُومَ الْمُعْتَبَرَ فِي عقود الإجارات. وَإِذَا صَحَّ التَّقْلِيدُ وَجَازَ النَّظَرُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَدِيمًا أَوْ مُنْقَطِعًا، فَإِنْ كَانَ مُسْتَدِيمًا، كَالنَّظَرِ في الجباية والقضاء، وحقوق المعادن، صح نَظَرُهُ فِيهَا عَامًا بَعْدَ عَامٍ، مَا لَمْ يُعْزَلْ. وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مَعْهُودَ الْعَوْدِ فِي كل عام كالمولي على قسمة غنيمة فيعزل بعد فراعه مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِي قِسْمَةِ غَيْرِهَا من الغنائم. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَائِدًا فِي كُلِّ عَامٍ، كالخراج الذي إذا استخراج في عام عاد فيما يليه، فهل يكون تَقْلِيدِهِ مَقْصُورًا عَلَى نَظَرِ عَامِهِ، أَوْ مَحْمُولًا على كل عام ما لم يعزل؟. يحتمل أن يكون مقصور النظر عَلَى الْعَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. فَإِذَا اسْتَوْفَى خَرَاجَهُ، أَوْ أَخَذَ أَعْشَارَهُ انْعَزَلَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعَامِ الثَّانِي إلَّا بتقليد مستجد اقتصارا على التعيين.
-
ويحتمل أن يحمل على حوالة النظر في كل عام ما لم ينعزل، اعتبارا بالعرف.
-
الفصل الْخَامِسُ فِي جَارِي الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ، وَلَا يخلو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُسَمِّيَ مَعْلُومًا. وَالثَّانِي: أَنْ يُسَمِّيَ مَجْهُولًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يسمي بمعلوم ولا مجهول. فَإِنْ سَمَّى مَعْلُومًا اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى إذَا وَفَّى الْعِمَالَةَ حَقَّهَا، فَإِنْ قَصَّرَ فِيهَا رُوعِيَ تَقْصِيرُهُ. فَإِنْ كَانَ لِتَرْكِ بَعْضِ الْعَمَلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ جَارِيَ مَا قَابَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لِخِيَانَةٍ مِنْهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ، اسْتَكْمَلَ جَارِيَهُ وَارْتَجَعَ مَا خان فيه.
- ج ١ ص ٢٤٩
وَإِنْ زَادَ فِي الْعَمَلِ رُوعِيَتْ الزِّيَادَةُ، فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي حُكْمِ عَمَلِهِ كَانَ نَظَرُهُ فِيهَا مَرْدُودًا لَا يَنْفُذُ. وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَهُ فِي حُكْمِ نَظَرِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَهَا بِحَقٍّ أو ظلم. فإن أَخَذَهَا بِحَقٍّ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِهَا لَا يَسْتَحِقُّ لَهَا زِيَادَةً عَلَى الْمُسَمَّى فِي جَارِيهِ. وَإِنْ كانت ظُلْمًا وَجَبَ رَدُّهَا عَلَى مَنْ ظَلَمَ بِهَا، وكان عدوانا من العامل يؤخذ بجريرته. وإن سمى جارية مجهولا استحق جاري مثله في مثل عمله فإن كان جاري العمل مقررا فِي الدِّيوَانِ وَعَمِلَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُمَّالِ صَارَ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ جَارِيَ الْمِثْلِ، وَإِنْ لم يعمل إلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مَأْلُوفًا فِي جاري المثل. وإن لم يسم جاريه بمعلوم ولا مجهول، فهل يستحق الأجرة على عمله قياس المذهب أنه إنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَى عَمَلِهِ فله جاري مثله، وإن لم يشتهر بأخذ الجاري عليه فَلَا جَارِيَ لَهُ. وَإِذَا كَانَ فِي عَمَلِهِ مال يجتبي فجاريه يستحق فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ فَجَارِيهِ في بيت المال يستحق في أسهم المصالح. الفصل السادس فيما يصح به التقليد نظرت فإن كان نطقا تلفظ به المولي صح التقليد، كما يصح في سَائِرُ الْعُقُودِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَوْقِيعِ الْمُوَلِّي بِتَقْلِيدِهِ خَطًّا لَا لَفْظًا صَحَّ التَّقْلِيدُ وَانْعَقَدَتْ بِهِ الْوِلَايَاتُ السُّلْطَانِيَّةُ إذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ شَوَاهِدُ الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ بِهِ الْعُقُودُ الْخَاصَّةُ اعتبارا بالعرف الجاري فيه مع أن في العقود نظرا. هذا إذا كان التقليد مقصورا عليه ما يتعداه إلى استنابة غيره فيه ولا يصح إن كان عَامًّا مُتَعَدِّيًا.
-
فَإِذَا صَحَّ التَّقْلِيدُ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ، وَكَانَ الْعَمَلُ قَبْلَهُ خَالِيًا مِنْ نَاظِرٍ تَفَرَّدَ هَذَا الْمُوَلِّي بِالنَّظَرِ وَاسْتَحَقَّ جَارِيَهُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ نَظَرِهِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي العمل ناظر قبل تقليده للعمل
ج ١ ص ٢٥٠نَظَرَ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يصح فيه الاشتراك كَانَ تَقْلِيدُهُ الثَّانِيَ عَزْلًا لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ رُوعِيَ الْعُرْفُ الْجَارِي فيه، فإن لم يجز بالاشتراك فِيهِ كَانَ تَقْلِيدُهُ الثَّانِيَ عَزْلًا لِلْأَوَّلِ. وَإِنْ جَرَى الْعُرْفُ بِالِاشْتِرَاكِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ تَقْلِيدُ الثَّانِي عَزْلًا لِلْأَوَّلِ وَكَانَا عَامِلَيْنِ عَلَيْهِ وَنَاظِرَيْنِ فِيهِ. فَإِنْ قُلِّدَ عَلَيْهِ مُشْرِفٌ كَانَ الْعَامِلُ مُبَاشِرًا لِلْعَمَلِ وَكَانَ الْمُشْرِفُ مُسْتَوْفِيًا لَهُ، يَمْنَعُ من زيادة عليه أو نقصان فيه، أو تفرد به. وحكم المشرف مخالف لحكم صَاحِبِ الْبَرِيدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ دُونَ الْمُشْرِفِ وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ دُونَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ. وَالثَّانِي: أَنَّ لِلْمُشْرِفِ مَنْعَ الْعَامِلِ مِمَّا أَفْسَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْبَرِيدِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ المشرف لا يلزمه الْإِخْبَارُ بِمَا فَعَلَهُ الْعَامِلُ مِنْ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ إذا انتهى عنه، ويلزم صاحب البريد أن يخبر بما فعله مِنْ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، لِأَنَّ خَبَرَ الْمُشْرِفِ اسْتِعْدَاءٌ وَخَبَرَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ إنْهَاءٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ خَبَرِ الْإِنْهَاءِ وَخَبَرِ الِاسْتِعْدَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ خَبَرَ الْإِنْهَاءِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ، وَخَبَرَ الاستعداء يختص بِالْفَاسِدِ دُونَ الصَّحِيحِ. وَالثَّانِي: أَنَّ خَبَرَ الْإِنْهَاءِ فِيمَا رَجَعَ عَنْهُ الْعَامِلُ وَفِيمَا لَمْ يَرْجِعْ عنه، وخبر الاستعداء يختص بِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، دُونَ مَا رَجَعَ عَنْهُ. وَإِذَا أَنْكَرَ الْعَامِلُ اسْتِعْدَاءَ الْمُشْرِفِ أَوْ إنْهَاءَ صَاحِبِ الْبَرِيدِ، لَمْ يَكُنْ قَوْلُ وَاحِدٍ منهما مقبولا عليه حتى يبرهن عليه. فإن اجتمعا على الاستعداء والإنهاء صارا شاهدين فيقبل قولهما عليه إذا كانا مأمونين لم يظهر بينهم عداوة أو خصام. وَإِذَا طُولِبَ الْعَامِلُ بِرَفْعِ الْحِسَابِ فِيمَا تَوَلَّاهُ، لَزِمَهُ رَفْعُهُ فِي عِمَالَةِ الْخَرَاجِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَفْعُهُ فِي عِمَالَةِ الْعُشْرِ، لِأَنَّ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَمَصْرِفَ الْعُشْرِ إلَى أَهْلِ الصدقات.
-
وعند أبي حنيفة: رفع الْحِسَابِ فِي الْمَالَيْنِ لِاشْتِرَاكِ مَصْرِفِهِمَا عِنْدَهُ. وَإِذَا ادَّعَى عَامِلُ الْعُشْرِ صَرْفَ الْعُشْرِ فِي مُسْتَحَقِّهِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ. وَلَوْ ادَّعَى عَامِلُ الْخَرَاجِ دَفْعَ الْخَرَاجِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِتَصْدِيقٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ الْعَامِلُ أن يستخلف على عمله فذلك على ضربين: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ مَنْ يَنْفَرِدُ بِالنَّظَرِ فيه دونه، فهذا غير جائز، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِبْدَالِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ غَيْرَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ جَازَ لَهُ عَزْلُ نفسه. والثاني: أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ مُعِينًا لَهُ فَيُرَاعَى مَخْرَجُ التقليد، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
ج ١ ص ٢٥١أَحَدُهَا: أَنْ يَتَضَمَّنَ إذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ، فَيَجُوزَ لَهُ أن يستخلفه، ويكون من استخلفه نائبا عنه ينعزل بعزله، وإن لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِي الْإِذْنِ، فَإِنْ سَمَّى له من يستخلفه فهل ينعزل بعزله؟ قد قيل: ينعزل، وقيل: لَا يَنْعَزِلُ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَضَمَّنَ التَّقْلِيدُ نَهْيًا عَنْ الِاسْتِخْلَافِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ فِيهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ كَانَ التَّقْلِيدُ فَاسِدًا، فَإِنْ نَظَرَ مَعَ فَسَادِ التَّقْلِيدِ صَحَّ نظره فيما اختص بالإذن من أمر أو نهي، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ مَا اخْتَصَّ بِالْوِلَايَةِ مِنْ عَقْدٍ وَحَلٍّ. وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا لَا يَتَضَمَّنُ إذْنًا وَلَا نَهْيًا، فَيُعْتَبَرُ حال العمل فإن قدر على النظر فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لم يقدر على التفرد بالنظر فيه كان لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَمْ يجز أن يستخلف فيما قدر عليه. وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فِيمَا اخْتَصَّ بِبَيْتِ الْمَالُ مِنْ دَخْلٍ وَخَرْجٍ. فَهُوَ: أَنَّ كُلَّ مَالٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مِنْهُمْ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا قُبِضَ صَارَ بِالْقَبْضِ مُضَافًا إلَى حُقُوقِ بَيْتِ الْمَال، سَوَاءٌ أُدْخِلَ إلَى حِرْزِهِ أَوْ لَمْ يُدْخَلْ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ عِبَارَةٌ عَنْ الْجِهَةِ لَا عَنْ الْمَكَانِ.
-
وَكُلُّ حَقٍّ وَجَبَ صَرْفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ حَقٌّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا صرف في وجه صَارَ مُضَافًا إلَى الْخَرَاجِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، سواء أخرج مِنْ حِرْزِهِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ، لِأَنَّ مَا صَارَ إلَى عُمَّالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ خَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَحُكْمُ بَيْتِ الْمَالِ جَارٍ عَلَيْهِ فِي دخله إليه وخرجه عنه. وإذا كان كذلك في الأموال الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الْمُسْلِمُونَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: فَيْءٌ، وغنيمة، وصدقة. فأما الفيء ففي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ مَصْرِفَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى رأي الإمام. وَأَمَّا الْغَنِيمَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ لأنها مستحقة للغانمين الذين تعينوا بحضور الوقعة لا يختلف مصرفها برأي الإمام ولا اجتهاده في منعهم، فلم تصر من حقوق بيت المال إلا في الأرضين. فقد حكينا فيها روايتين: إحداهما: أنه لا رأي له فيها كغيرها من الأموال. والثانية: له فيها رأي في وقفها وفيء قسمتها. فأما خُمُسُ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ مِنْهُ يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ سهم الرسول المصروف في المصالح العامة، الموقوف مَصْرِفِهِ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ.
- ج ١ ص ٢٥٢
وقسم منه لا يكون لَا يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِجَمَاعَتِهِمْ فَتَعَيَّنَ مالكوه، وخرج عن حقوق بيت المال بخروجه عن اجتهاد الإمام. وقسم منه يكون بيت المال فيه حافظا له على أهله وَهُوَ سَهْمُ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إنْ وَجَدُوا دُفِعَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ فَقَدُوا أُحْرِزَ لَهُمْ. وأما الصدقة فضربان أحدهما: صَدَقَةُ مَالٍ بَاطِنٍ: فَلَا يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ لِجَوَازِ أَنْ يَنْفَرِدَ أَرْبَابُهُ بِإِخْرَاجِ زكاته في أهله. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: صَدَقَةُ مَالٍ ظَاهِرٍ، كَأَعْشَارِ الزُّرُوعِ والثمار، وصدقات المواشي. فذهب أحمد إلى أنه ليس من حقوق بيت المال أيضا، لأنه لجهات معينة لا يجوز مصرفه في غير جهاته، ولا هو محل لإحرازه عند تعذر جهاته، لأنه لا يجب دَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إليه. وقد نقل جعفر بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله قيل له " يشتري الصدقات والعشر من السلطان؟ قال: لا بأس، إذا كان على وجهه" .
-
وقال في موضع آخر " لا تعد في صدقتك. قيل له: فإن كانت صدقة غيرى؟ قال: لا بأس، إذا كان على وجهه" . فظاهر هذا أنه [من حقوق بيت المال] . وَأَمَّا الْمُسْتَحَقُّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ فِيهِ حِرْزًا، فَاسْتِحْقَاقُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوُجُودِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَوْجُودًا فِيهِ كان مصرفه في جهاته مستحقا وعدمه مسقط لاستحقاقه. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيْتُ الْمَالِ لَهُ مُسْتَحِقًّا، فهو عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحِقًّا عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، كَأَرْزَاقِ الْجُنْدِ، وَأَثْمَانِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، فَاسْتِحْقَاقُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالْوُجُودِ، وَهُوَ مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ مَعَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ. فَإِنْ كَانَ موجودا عجل دفعه كالديوان مَعَ الْيَسَارِ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا وَجَبَ فِيهِ الإنظار كالديوان مع الإعسار.
- ج ١ ص ٢٥٣
وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ مُسْتَحِقًّا عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وَالْأَرْفَاقِ دُونَ الْبَدَلِ، فَاسْتِحْقَاقُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي بيت المال وجب فيه وسقط فرضه على المسلمين، وإن كان معدوما سقط وجوبه عن بيت المال. وكان - وإن عَمَّ ضَرَرُهُ - مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَقُومَ بِهِ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ كَالْجِهَادِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعُمُّ ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس غيره طريقا بَعِيدًا، أَوْ انْقِطَاعِ شُرْبٍ يَجِدُ النَّاسُ غَيْرَهُ شُرْبًا فَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ بالعدم سقط وجوبه عن الكافة لِوُجُودِ الْبَدَلِ. فَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ حَقَّانِ، ضَاقَ عَنْهُمَا وَاتَّسَعَ لِأَحَدِهِمَا صُرِفَ فِيمَا يصير منهما دينا فيه. ولو ضاق عن كل واحد منهما كان لولي الأمر إذا خاف الضرر والفساد أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ مَا يَصْرِفُهُ في الديون دون الأرفاق، وَكَانَ مَنْ حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ الْوُلَاةِ مَأْخُوذًا بِقَضَائِهِ إذَا اتَّسَعَ لَهُ بَيْتُ الْمَالِ. وَإِذَا فَضُلَتْ حُقُوقُ بَيْتِ الْمَالِ عَنْ مَصْرِفِهَا فَقَدْ قيل: إنها تدخر فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حادث، وقيل: إنها تفرق على من يعم به صلاح المسلمين ولا تدخر، لأن النوائب يتعين فَرْضُهَا عَلَيْهِمْ إذَا حَدَثَتْ. فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ التي وضعت عليها قواعد الديوان.
-
فأما كاتب الديوان وهو صاحب زمامه فَالْمُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ شَرْطَانِ: الْعَدَالَةُ، وَالْكِفَايَةُ. أما الْعَدَالَةُ، فَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حَقِّ بَيْتِ الْمَالِ وَالرَّعِيَّةِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِي الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ على صفات المؤتمنين. وقد قال في كاتب القاضي " يكون عدلا" . وَأَمَّا الْكِفَايَةُ فَلِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِعَمَلٍ يَقْتَضِي أَنْ يكون في القيام به، مستقلا بكفاية المباشرين. فإذا صح التقليد فَاَلَّذِي نُدِبَ لَهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: حِفْظُ الْقَوَانِينِ، واستيفاء الحقوق، وإثبات الرقوع، ومحاسبات العمال، وإخراج الأموال، وَتَصَفُّحُ الظَّلَّامَاتِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا وَهُوَ حِفْظُ الْقَوَانِينِ عَلَى الرُّسُومِ الْعَادِلَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ تتحيف يها الرعية، أو نقصان يثلم به
ج ١ ص ٢٥٤حَقُّ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ قُرِّرَتْ فِي أَيَّامِهِ ببلاد استؤنف فتحها أو لموات ابتدئ بإحيائه أثبتها في ديوان الناحية وديوان الناحية وديوان بيت المال الجامع على الحكم المستقر فيهما. وَإِنْ تَقَدَّمَتْهُ الْقَوَانِينُ الْمُقَرَّرَةُ فِيهَا رَجَعَ فِيهَا إلَى مَا أَثْبَتَهُ أُمَنَاءُ الْكُتَّابِ إذَا وَثِقَ بخطوطهم، وتسلمه من أمنائهم تحت ختومهم، وَكَانَتْ الْخُطُوطُ الْخَارِجَةُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ مُقْنِعَةً فِي جَوَازِ الْأَخْذِ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا فِي الرسوم الديوانية، والحقوق السلطانية، وإن لم يقنع بها في أحكام القضاء والشهادات، عتبارا بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِيهَا، كَمَا يَجُوزُ لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يروي ما وجده من سماعه بالخط الذي يثق به، ولأن القضاء والشهادة من الحقوق الخاصة التي يكثر المباشرة لها والقيام بها فلم يضق عليه الحفظ لها بالقلب، فلذلك لم يجز أن يعول فيها على مجر الْخَطِّ، وَأَنَّ الْقَوَانِينَ الدِّيوَانِيَّةَ مِنْ الْحُقُوق الْعَامَّةِ التي يقل المباشر لها مع كثرة انتشارها فَضَاقَ حِفْظُهَا بِالْقَلْبِ، فَلِذَلِكَ جَازَ التَّعْوِيلُ فِيهَا على مجرد الخط، وكذلك رواية الحديث، مع أن الرواية مختلفة عن أحمد في الشاهد إذا عرف خطه، والحاكم إذا وجد في ديوانه حكما جاز الحكم والشهادة. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ، فَهُوَ عَلَى ضربين: أحدهما: استيفاؤها ممن وجبت عَلَيْهِ مِنْ الْعَامِلِينَ.