فصول في الإمامة
٧٧ فقرة، ج ١ ص ١٩
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٣٧
وأما إمارة الصلاة في الجمع والأعياد والجنائز فالأمراء أخص بها من القضاة وقد قال: أحمد في رواية ابن القاسم "إذا حضر الأمير فهو أحق على ما فعل الحسين بن علي" . فَإِنْ تَاخَمَتْ وِلَايَةُ هَذَا الْأَمِيرِ ثَغْرًا، لَمْ يَبْتَدِئَ جِهَادَ أَهْلِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ عليه دفعهم وحربهم إن هجموا عليه بغير إذن، لِأَنَّ دَفْعَهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْحِمَايَةِ، وَمُقْتَضَى الذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ. وَيُعْتَبَرُ فِي وِلَايَةِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي وَزَارَةِ التَّنْفِيذِ، وَزِيَادَةُ شَرْطَيْنِ، هما: الإسلام، والحرية، لأجل ما تضمنتها من الولاية على الأمور الدينية التي لَا تَصِحُّ مَعَ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ، وَلَا يُعْتَبَرُ فيها العمل والفقه، فإن كَانَ فَزِيَادَةُ فَضْلٍ. فَصَارَتْ شُرُوطُ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ معتبرة بشرو وزارة التفويض، لاستوائهما في عموم النظر، وإن افترقا فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ. وَشُرُوطُ الْإِمَارَةِ الْخَاصَّةِ تَقْصُرُ عَنْ شُرُوطِ الْإِمَارَةِ الْعَامَّةِ، بِشَرْطٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْعِلْمُ، لِأَنَّ لِمَنْ عَمَّتْ إمَارَتُهُ أَنْ يَحْكُمَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِمَنْ خَصَّتْ إمَارَتُهُ.
-
وَلَيْسَ عَلَى أحد من هذين الأمرين مطالعة الخليفة بما أمضياه في عملهما على مقتضى إمارتهما إلا على وجه الاحتياط، فإن حدث غير معهود وقفاه على مطالعة الإمام، وعملا فيه برأيه. فإن خافا من اتساع الخرق - إن وقفاه - قاما بما يدفع الخصومة، حتى يرد عليهما أمر الْخَلِيفَةِ فِيمَا يَعْمَلَانِ بِهِ، لِأَنَّ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ أمضى في الحوادث النازلة لإشرافه على عموم الأمور. فأما إمارة الاستيلاء التي تعقد على اضْطِرَارٍ فَهِيَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ الْأَمِيرُ بِالْقُوَّةِ عَلَى بلاده يُقَلِّدُهُ الْخَلِيفَةُ إمَارَتَهَا، وَيُفَوِّضُ إلَيْهِ تَدْبِيرَهَا وَسِيَاسَتَهَا فيكون الأمير باستيلائه مستبداً بالخليفة في تدبير السياسة، وتنفيذ الأحكام الدينية ليخرج عن الفساد إلى الصحة، وعن الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ. وَهَذَا وَإِنْ خَرَجَ عَنْ عرف التقليد المطلق، ففيه من حقظ القوانين الشرعية ما لا يجوز أن يترك فاسدا، فَجَازَ فِيهِ مَعَ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاضْطِرَارِ مَا امْتَنَعَ في تقليد الاستكفاء والاختيار.
- ج ١ ص ٣٨
والذي يتحفظ بقليد المستولي من قوانين الشرع سبعة: أَحَدُهَا: حِفْظُ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ فِي خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ، وتدبير أمور الملة. الثاني: ظهور الطاعة التي يزول معها حكم العناد، وينتفى بها مأثم المباينة. الثالث: اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر، ليكون المسلمون يداً على من سواهم. الرابع: أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة، وأحكام القضاة نافذة فيها. الخامس: أن يكون استيفاء الأموال بحق، على وجه يبرأ منه المؤدي لها. السادس: أن تكون الحدود مستوفاة بحق. السابع: أن يكون حافظاً للدين، يأمر بحقوق الله، ويدعو إلى طاعته من عصى. فإذا كملت فيه شروط الاختيار كان تقليده حتماً، استدعاء لطاعته، ودفعاً لمشاقته، وَصَارَ بِالْإِذْنِ لَهُ نَافِذَ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِ الملة، وأحكام الأمة، وجاز له أَنْ يَسْتَوْزِرَ وَزِيرَ تَفْوِيضٍ وَوَزِيرَ تَنْفِيذٍ.
-
فَإِنْ لم يكمل في المستولى شروط الاختيار جاز إظْهَارُ تَقْلِيدِهِ اسْتِدْعَاءً لِطَاعَتِهِ، وَحَسْمًا لِمُخَالَفَتِهِ وَمُعَانَدَتِهِ، وكان نفوذ تصرفه في الحقوق والأحكام موقوفا على أن يستنيب لهم الخليفة فيها من قَدْ تَكَامَلَتْ فِيهِ شُرُوطُهَا، لِيَكُونَ كَمَالُ الشُّرُوطِ فيمن أضيف إلى نيابته جبراناً لِمَا أَعْوَزَ مِنْ شُرُوطِهَا فِي نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ التقليد للمستولى، والتنفيذ من المستناب، لأن الضَّرُورَةَ تُسْقِطُ مَا أَعْوَزَ مِنْ شُرُوطِ الْمُكْنَةِ. وإذا صَحَّتْ إمَارَةُ الِاسْتِيلَاءِ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إمَارَةِ الِاسْتِكْفَاءِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ إمارة الاستيلاء متعينة في المستولى، وإمارة الاستكفاء مقصورة على اختيار المستكفى. الثاني: أَنَّ إمَارَةَ الِاسْتِيلَاءِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبِلَادِ الَّتِي غلب عليها المستولي، وَإِمَارَةَ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْبِلَادِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عهد المستكفي. الثالث: إمَارَةَ الِاسْتِيلَاءِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْهُودِ النَّظَرِ وَنَادِرِهِ، وَإِمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَعْهُودِ النَّظَرِ دُونَ نادره. الرابع: أَنَّ وَزَارَةَ التَّفْوِيضِ تَصِحُّ فِي إمَارَةِ الِاسْتِيلَاءِ ولا تصح في إمارة الاستكفاء، ليقع الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَوْلِي وَوَزِيرِهِ فِي النَّظَرِ، لِأَنَّ نَظَرَ الْوَزِيرِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَلِلْمُسْتَوْلِي أَنْ يَنْظُرَ فِي النَّادِرِ وَالْمَعْهُودِ، وَإِمَارَةُ الِاسْتِكْفَاءِ مَقْصُورَةٌ على النظر في الْمَعْهُودِ، فَلَمْ تَصِحَّ مَعَهَا وَزَارَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مثلها من النظر في المعهود، لاشتباه حال الوزير والمستوزر.
- ج ١ ص ٣٩
[تقليد الإمارة على الجهاد] فأما الإمارة على الجهاد فهي مختصة بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ. وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلَى سِيَاسَةِ الْجَيْشِ، وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ، فيعتبر فيها شروط الإمارة الخاصة. والثاني: أَنْ يُفَوَّضَ إلَى الْأَمِيرِ فِيهَا جَمِيعُ أَحْكَامِهَا: مِنْ قَسْمِ الْغَنَائِمِ، وَعَقْدِ الصُّلْحِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شروط الإمارة العامة، وهي أكثر الولايات الخاصة أحكاماً، وأوفرها فصولاً. وَحُكْمُهَا إذَا خُصَّتْ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهَا إذَا عمت.
-
وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ إذَا عَمَّتْ ستة: الأول: في تسيير الجيش، وعليه في ذلك سَبْعَةُ حُقُوقٍ: أَحَدُهَا: الرِّفْقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ الذي يقدر عليه أضعفهم، ويحفظ بِهِ قُوَّةُ أَقْوَاهُمْ، وَلَا يَجِدَّ السَّيْرَ، فَيَهْلَكْ الضعيف. الثاني: أن يتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها، فلا يدخل في خيل الجهاد كبيراً أو صغيراً ولا أعجب هزيلاً، لأنه ربما كان ضعفها وهنا. وقد قال تَعَالَى (٨: ٦٠ - وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومن رباط الخيل) ويمنع من حمل زائد على طاقتها. الثالث: أَنْ يُرَاعِيَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ. وَهُمْ صنفان: مسترزقة، ومتطوعة. أما الْمُسْتَرْزِقَةُ فَهُمْ أَصْحَابُ الدِّيوَانِ، مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ، فيفرض لهم العطاء من بيت المال بحسب الغناء وَالْحَاجَةِ. وَأَمَّا الْمُتَطَوِّعَةُ، فَهُمْ الْخَارِجُونَ عَنْ الدِّيوَانِ من البوادي وَسُكَّانِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، الَّذِينَ خَرَجُوا فِي النَّفِيرِ، اتباعا لقوله تعالى (٩: ٤١ - انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا في بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) . وقد قيل في تأويل قوله تعالى " خفافاً وثقالاً " . أربعة أوجه: أَحَدُهَا: شُبَّانًا وَشُيُوخًا، قَالَهُ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ. وَالثَّانِي: أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ. وَالثَّالِثُ: رُكْبَانًا ومشاة، قاله أبو عمرو. الرابع: ذَا عِيَالٍ، وَغَيْرِ ذِي عِيَالٍ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وقد قيل: إن هؤلاء يعطون من الصدقات ولا يعطون من الفيء، من سهم سبيل الله المذكور في آية الصدقات ولا يعطون مِنْ الْفَيْءِ، لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الصَّدَقَاتِ، وَلَا يعطى أهل الفيء
ج ١ ص ٤٠المسترزقة في الدِّيوَانِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الفيء. وظاهر كلام أحمد رحمه الله يقتضي جواز صَرْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ إلَى كُلِّ واحد من الفريقين، بحسب الحاجة، فقال في رواية الأثرم " يحمل من الزكاة في السبيل" . قال الله تعالى (وفي سبيل الله) قال: وبلغني أن قوما يقولون: لا يحمل منها في السبيل، لا أدري يعني لأي شيء يذهبون ". وقال في رواية عبد الله - في الغني إذا خرج في سبيل الله " يأكل من الصدقة ".
-
فقد أجاز دفعها في سبيل الله، ولم يفرق بين أهل الديوان وبين المتطوعة، واحتج بالآية، وهي عامة. الرابع: أن يعرّف على الفريقين العرفاء، وينقب عليهم النُّقَبَاءَ، لِيَعْرِفَ مِنْ عُرَفَائِهِمْ وَنُقَبَائِهِمْ أَحْوَالَهُمْ، وَيَقْرَبُونَ عليه إذا دعاهم. وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه. وقال تعالى (٤٩: ١٣ - وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) . قيل: إن الشعوب: النسب الأبعد، والقبائل: النسب الأقرب قاله مجاهد. وقيل الشعوب: عرب قحطان، والقبائل: عرب عدنان. وقيل: الشُّعُوبَ: بُطُونُ الْعَجَمِ، وَالْقَبَائِلَ: بُطُونُ الْعَرَبِ. وَالْخَامِسُ: أن يجعل لك طائفة شعاراً يتداعون إليه ليصيروا به متميزين، وبالاجتماع فيه متظاهرين، وقد رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، وَشِعَارَ الْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَمَّى خَيْلَهُ خَيْلَ اللَّهِ". السادس: أن يتصفح الجيش ومن فيه، فيخرج مِنْهُمْ مَنْ كَانَ فِيهِ تَخْذِيلٌ لِلْمُجَاهِدِينَ، وَإِرْجَافٌ بالمسلمين، أو عين عليهم للمشركين، قد رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ابن أبيّ بن سلول في بعض غزواته، لتخذيله المسلمين.
- ج ١ ص ٤١
السابع: أَنْ لَا يُمَالِئَ مَنْ نَاسَبَهُ، أَوْ وَافَقَ رَأْيَهُ وَمَذْهَبَهُ عَلَى مَنْ بَايَنَهُ فِي نَسَبٍ، أَوْ خَالَفَهُ فِي رَأْيٍ وَمَذْهَبٍ، فَيُظْهِرُ مِنْ أحوال المباينة ما تفترق به الكلمة الجامعة، تشاغلاً بالتقاطع والاختلاف. قد أَغْضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ أَضْدَادٌ فِي الدِّينِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمَ الظَّاهِرِ، حَتَّى قَوِيَتْ بِهِمْ الشَّوْكَةُ، وكثر بهم العدد، وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٨: ٤٦ - وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ ريحكم) قيل فيه: المراد بالريح الدولة، قاله أبو عبيد. وقيل: الْمُرَادَ بِهَا الْقُوَّةُ. فَضَرَبَ الرِّيحَ بِهَا مَثَلًا، لأن الريح لها قوة. ومن أحكام هذه الإمارة: تدبير الحرب.
-
والمشركون في دار الحرب على ضربين: أحدهما: من بلغتهم الدعوة، وقلّ أن يكون اليوم قوم لم تبلغهم الدعوة، إلا أن يكون قوم من وراء الترك والروم في مبادي المشرق وأقاصي المغرب، فيحرم عليه الإقدام على قتالهم غرّة قبل إظهار الدعوة، وإعلامهم معجزات النبوة. وقال اللَّهُ تَعَالَى (١٦: ١٢٥ - اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) يعني: ادع إلى دين ربك بالحكمة، قيل: بالنبوة، وقيل: بالقرآن، وقيل: " والموعظة الحسنة" : بالقرآن في لين من القول، وقيل: مَا فِيهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ " وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هي أحسن" : أَيْ يُبَيِّنُ لَهُمْ الْحَقَّ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ الْحُجَّةَ. فَإِنْ بَدَأَ بِقِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ لم يضمن ديات نفوسهم، وكانت دماؤهم هدراً. وإذا تكاملت الصفوف في الحرب جاز لم قاتل من المسلمين أن يعلم بما يشتهر به في الصفوف ويتميز به من جميع الجيش، وأن يَرْكَبَ الْأَبْلَقَ. وَإِنْ كَانَتْ خُيُولُ النَّاسِ دُهْمًا أو شقرا وقد قال أحمد في رواية حنبل " والعصائب في الحرب تستحب. لقوله تعالى (مسوّمين) وذلك لما روي عبيد الله بن عون عن عمير بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: " تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ".
- ج ١ ص ٤٢
وَيَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ إلَى الْبِرَازِ إذَا دُعِيَ إليه، ويدعو إليه ابتداء، نص عليه في رواية المهموني وابن مشيش: في الرجل يعرف نفسه بالجلد يدعو إلى البراز. والوجه فيه ماروي " أن أبيّ بن خلف دعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ أُحُدٍ، فَبَرَزَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ" . وَأَوَّلُ حَرْبٍ شَهِدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ بدر "بزر فيها من المشركين: عتبة ابن ربيعة، وابنه الوليد، وأخوه شيبة، ودعوا للبراز، فبرز إليهم من الأنصار: عَوْفٌ وَمَسْعُودٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رواحة، فقالوا: ليبرز إلينا أكفاؤنا من قومنا. فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم: علي ابن أَبِي طَالِبٍ إلَى الْوَلِيدِ، فَقَتَلَهُ، وَبَرَزَ حَمْزَةُ إلى شيبة، فقتله. وبرز عبيدة بن الحارث إلى عتبة، فاختلفا ضربتين " .
-
ولأن في الدعاء إلى البراز قُوَّةٍ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ. وقد ندب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَأَخَذَ سَيْفًا فَهَزَّهُ، وَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ، سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، فَقَالَ: وَمَا حَقُّهُ يا رسول الله؟ فقال: أن تضرب به فِي الْعَدُوِّ حَتَّى يَنْحَنِيَ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ، وَأَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ، كَانَ إذَا أَعْلَمَ بِهَا عَلِمَ الناس أنه سيقاتل ويبلي".
- ج ١ ص ٤٣
وتجوز المبارزة بشرطين: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَا نَجْدَةٍ وَشَجَاعَةٍ، يَعْلَمُ من نفسه أن لن يعجز عن مقاومة عدو، فَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ مُنِعَ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ زَعِيمًا لِلْجَيْشِ، يُؤَثِّرُ فَقْدُهُ فِيهِمْ. فَإِنَّ فقد الزعيم المدبر يفضي إلَى الْهَزِيمَةِ. وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- إنما أقدم على البراز ثقة بنصر الله تعالى، وَإِنْجَازِ وَعْدِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وَيَجُوزُ لِأَمِيرِ الجيش إذا حضّ على الجهاد أن يعرّض لِلشَّهَادَةِ مِنْ الرَّاغِبِينَ فِيهَا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ قتله في المعركة يؤثر أَمْرَيْنِ: إمَّا تَحْرِيضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ حَمِيَّةً له، أو تخذيل المشركين بالجرأة عليهم في نصر الدين. وقد روي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ مِنْ الْعَرِيشِ يَوْمَ بدر، فحرض الناس على الجهاد، وَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُقَاتِلُهُمْ الْيَوْمَ رجل، فيقتل مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجنة" . وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فِي حَرْبٍ ولا غيرها، ما لم يقاتلوا، لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم- عن قتلهم. وإذا تترسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم، ولم يوصل إلى قتالهم إلا بقتل النساء والأطفال جاز قتلهم، ولا يقصدون النساء والصبيان. وكذلك إن تترسوا بأسارى المسلمين، ولم يتوصل إلى قتلهم إلا بقتل الأسراء، ذكره أبو بكر في كتاب الخلاف. وقد أومأ إليه أحمد في رواية بكر بن محمد: "في القوم يحاصرون فيتقون بأولاد المسلمين، ينصبونهم أمامهم، فأحب إليّ أن لا يعرض لهم، إلا أن يخافوا أن يخرجوا عليهم، ويكون تركهم ضرراً للمسلمين، فيرميهم" .
-
وَيَجُوزُ عَقْرُ خَيْلِهِمْ مِنْ تَحْتِهِمْ إذَا قَاتَلُوا عليها، وقد عقر حنظلة بن أبي عامر فَرَسَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ، واستعلى عليه ليقتله، فرآه ابن شعوب فثار إلى حنظلة. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْقِرَ فَرَسَهُ، لأنها قُوَّةٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِعْدَادِهَا فِي جِهَادِ عدوه بقوله (٨: ٦٠ - وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) . وقد روي " أن جعفر بن أبي طالب اقتحم يوم مؤتة عن فرس له شقراء حين التحم القتال، ثم نزل عنها وعقرها" .فيحتمل أن يكون فعل ذلك لئلا يتقوى به المشركون على المسلمين.
- ج ١ ص ٤٤
ومن أحكام هذه الإمارة ما يلزم أَمِيرِ الْجَيْشِ فِي سِيَاسَتِهِمْ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ فِيهِمْ عشرة أشياء: أحدها: حراسته من غرّة يظفر بها العدو. وذلك بأن يتتبع المكامن فيحفظها عليهم ويحوط أسوارهم بحرس من يؤمنون به على أنفسهم ورحالهم، لِيَسْكُنُوا فِي وَقْتِ الدَّعَةِ، وَيَأْمَنُوا مَا وَرَاءَهُمْ في وقت المحاربة. الثاني: أن يتخير لهم المنازل - موضع نزولهم- لمحاربة عدوهم، بأن يكون أوطأ الأرض مكاناً، وأكثرها مَرْعًى وَمَاءً، وَأَحْرَسَهَا أَكْنَافًا وَأَطْرَافًا، لِيَكُونَ أَعْوَنَ لهم على المنازلة. الثالث: إعداد ما يحتاج إليه الجيش: من زاد وعلوفة، تفرق عليهم في أوقات الْحَاجَةِ حَتَّى تَسْكُنَ نُفُوسُهُمْ إلَى مَادَّةٍ يَسْتَغْنُونَ بها عن طلبهم، لِيَكُونُوا عَلَى الْحَرْبِ أَوْفَرَ" وَعَلَى مُنَازَلَةِ الْعَدُوِّ أقدر. الرابع: أن يعرف أخبار عدوه، حتى يقف عليهم، ويتصفح أحوالهم، فيأمن مكرهم، ويلتمس الغرّة في الهجوم عليهم. الخامس: ترتيب الجيش في مصاف الحرب، والتعويل من كُلِّ جِهَةٍ عَلَى مَنْ يَرَاهُ كُفُؤًا لَهَا، ويتفقد الصفوف من خلل فِيهَا، وَيُرَاعِي كُلَّ جِهَةٍ يَمِيلُ الْعَدُوُّ عَلَيْهَا بمدد يكون عوناً لها. السادس: أَنْ يُقَوِّيَ نُفُوسَهُمْ بِمَا يُشْعِرُهُمْ مِنْ الظَّفَرِ، ويخيل لهم مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، لِيَقِلَّ الْعَدُوُّ فِي أَعْيُنِهِمْ، فيكونون عليه أجرأ. قال تَعَالَى (٨: ٤٣ - إذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) .
-
السابع: أَنْ يَعِدَ أَهْلَ الصَّبْرِ وَالْبَلَاءِ مِنْهُمْ بِثَوَابِ الله، إن كانوا من أهل الآخرة،
ج ١ ص ٤٥والجزاء وَالنَّفَلِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الدنيا. قال تَعَالَى (٣: ١٤٥ - وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) . الثامن: أن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل من الأمور، وَيَرْجِعَ إلَى أَهْلِ الْحَزْمِ فِيمَا أَشْكَلَ، لِيَأْمَنَ من الْخَطَأَ وَيَسْلَمَ مِنْ الزَّلَلِ، فَيَكُونَ مِنْ الظَّفَرِ أقرب. قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم- (٣: ١٥٩ - وشاروهم فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) فقد أمره بالمشاورة مع ما أمدّه من التوفيق، وأعانه من التأييد. التاسع: أَنْ يَأْخُذَ جَيْشَهُ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى من حقوقه، حتى لا يكون بينهم تجوّز في الدين. العاشر: أَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ جَيْشِهِ أَنْ يتشاغل بتجارة أو زراعة، يصرفه الاهتمام بها عن مصابرة العدو. ومن أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مَا يَلْزَمُ الْمُجَاهِدِينَ مَعَهُ مِنْ حُقُوقِ الْجِهَادِ. وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَلْزَمُهُمْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: مَا يلزمهم في حق الأمير عليهم. أما اللَّازِمُ لَهُمْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: مُصَابَرَةُ الْعَدُوِّ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجَمْعَيْنِ، وأن لا ينهزم عدد من مثليه فما دون. فقد كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَرَضَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَاتِلَ عَشَرَةً مِنْ الكفار، بقوله تعالى (٨: ٦٥ - الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مائتين، وإن يكن منكم ألفاً يغلبوا ألفين بإذن الله) . وَحَرَّمَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْهَزِمَ مِنْ مِثْلَيْهِ، إلَّا لِإِحْدَى حَالَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَتَحَرَّفَ لِقِتَالٍ، فَيُوَلِّي لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ لِمَكِيدَةٍ وَيَعُودُ إلَى قتالهم، وإما أن تيحيز إلى فئة أخرى أو متحيزاً إلى فئة قتالهم لقوله تَعَالَى (٨: ١٦ - وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بغضب من الله) . وسواء قربت الفئة التي تحيز إليها أو بعدت. فإن عجز عن
ج ١ ص ٤٦مقاومة مثليه وأشرف على القتال، إن ثبت لم يجز أن يولي عنهم منهزماً.
-
قال الخرقي " ولا يجوز للمسلم أن يهرب من كافرين" ومباح له أن يهرب من ثلاثة فإن خشي الأسر قاتل حتى يقتل ". الثاني: أَنْ يَقْصِدَ بِقِتَالِهِ نُصْرَةَ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وإبطال ما خالفه من الأديان، فيكون مطيعاً لله تعالى في أوامره. وَلَا يَقْصِدُ بِجِهَادِهِ اسْتِفَادَةَ الْمَغْنَمِ، فَيَصِيرُ مِنْ المتكسبين، لا من المجاهدين. والأصل فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لما فادى أسارى بدر بالمال عاتب الله نبيه على ما فعل، فقال تعالى (٨: ٦٧ - مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حتى يثخن في الأرض) . يعني القتل (تريدون عرض الدنيا) يعني مال الفداء (الله يريد الآخرة) يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة. الثالث من حقوق الله: أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ فِيمَا حَازَهُ مِنْ الْغَنَائِمِ، ولا يغل أحد منه شيئاً حتى تقسم بين جميع الغانمين ممن شهد الوقعة، وكانوا على العدوّ يدا واحدة. لأن لكلّ واحد منهم فيها حقا. وَالرَّابِعُ: مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: أَنْ لَا يمالئ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ذَا قُرْبَى، وَلَا يُحَابِي فِي نصرة الله ذا مودة. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٦٠: ١ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ) : نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَقَدْ كتب كتاباً إلى أهل مكة، يعلمهم فيه حال مسير النبي - صلى الله عليه وسلم- إليهم. فأما ما يلزمهم في حق الأمير عليهم أربعة أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: الْتِزَامُ طَاعَتِهِ، وَالدُّخُولُ فِي وِلَايَتِهِ. قال تَعَالَى (٤: ٥٩ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ والرسول وأولي الأمر منكم) . قيل: هم الأمراء. وقيل: هم العلماء. وروى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- قال " مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني".
- ج ١ ص ٤٧
الثاني: أَنْ يُفَوِّضُوا الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ، وَيَكِلُوهُ إلَى تدبيره حتى لا تختلف آراؤهم، وقد قَالَ تَعَالَى (٤: ٨٤ - وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) .
-
فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ صَوَابٌ خَفِيَ عَلَيْهِ بَيَّنُوهُ لهم، وأشاروا به عليه، وقد ندب الله تعالى إلى المشاورة. الثالث: أن يسارعوا إلى امتثال أمره، والوقوف عند نهيه وزجره، فإن توقفوا عما أمرهم، وأقدموا على ما نهاهم عنه، كان له تأديبهم على المخالفة حسب أحوالهم، ولا يغلط فينفر، وقد قال الله تعالى لنبيه (٣: ١٥٩ - وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حولك) . وروى ابن المسيب عن النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "خَيْرُ دينكم أيسره" . الرابع: أن لا ينارعوه في الغنائم إذا قسموها بينهم، ويرضوا فيها بتعديل القسمة عليهم.
-
ومن أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مُصَابَرَةُ الْأَمِيرِ قِتَالَ الْعَدُوِّ وأن يطاول به، ولا يولي عنهم وَفِيهِ قُوَّةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٣: ٢٠٠ - يَا أَيُّهَا الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) . قيل فيه: اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَابِرُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، ورابطوا في سبيل الله. وقيل: اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ، وَصَابِرُوا الْعَدُوَّ، وَرَابِطُوا بِمُلَازَمَةِ الثغر. وَإِذَا كَانَتْ مُصَابَرَةُ الْقِتَالِ مِنْ حُقُوقِ الْجِهَادِ، فَهِيَ لَازِمَةٌ حَتَّى يُظْفَرَ بِخَصْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ خصال: إحداهن: أن يسلموا، فيحرزوا بالإسلام دماءهم وأموالهم. ويتبعهم في الإسلام صغار الأولاد. الثانية: أن يظفره الله تعالى، فيسبي ذراريهم، ويغنم أموالهمن ويقتل من لم يحصل في الأسر. وَيَكُونُ فِي الْأَسْرَى مُخَيَّرًا فِي اسْتِعْمَالِ الْأَصْلَحِ من أربعة أشياء: أن يقتلهم صبراً، فيضرب العنق. الثاني: أن يسرقهم، وَيُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الرِّقِّ: مِنْ بَيْعٍ، أَوْ عتق. الثالث: أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ عَلَى مَالٍ أَوْ أَسْرَى. الرابع: أن يمن عليهم، ويعفو عنهم.
- ج ١ ص ٤٨
الخصلة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَالْمُوَادَعَةِ، فيجوز أن يقبله منهم، ويوادعهم عليه، وهو عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْذُلُوهُ لِوَقْتِهِمْ، وَلَا يَجْعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، فَهَذَا الْمَالُ غَنِيمَةٌ، لِأَنَّهُ مأخوذ بإيجاف الخيل والركاب، فَيُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا لَهُمْ فِي الِانْكِفَافِ بِهِ عَنْ قِتَالِهِمْ فِي هَذَا الْجِهَادِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ جِهَادِهِمْ فِيمَا بَعْدُ. الضرب الثَّانِي: أَنْ يَبْذُلُوهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَيَكُونُ خراجا مستمراً، ويستقر به الأمان، والمأخوذ منهم في العام الأول وغنيمة تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَمَا يُؤْخَذُ فِي الْأَعْوَامِ المستقبلة هو فيء يُقَسَّمُ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يعاد جِهَادَهُمْ مَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ، لاستقرار الموادعة بالأمان عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَإِنْ مَنَعُوا الْمَالَ زَالَتْ الموادعة، وارتفع الأمان، ولزم جهادهم وهم كغيرهم من أهل الحرب. فإن حمل أهل الحرب هدية، ابتدأوا بها، لم يحصل لهم بالهداية عهد، وجاز حربهم بعدها، لأن العهد كناية عن عقد. الخصلة الرابعة: أن يسألوا الأمان والمهادنة.
-
فيجوز ذلك، عند تعذر الظفر بهم، وعند أخذ المال منهم. وقد هَادَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قريشاً عام الحديبية عشر سنين ذكره أبو بكر في كتاب الخلاف. فإن هادنهم أكثر منها بطلت الهدنة فيما زاد. وإذا نقضوا العهد صاروا حربا، يجاهدون من غير إيذان. قَدْ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ فَسَارَ إلَيْهِمْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عام الفتح، حتى فتح مكة عنوة. وإذا نقضوا العهد لم يجز قتل من في أيدينا من رهائنهم. ذكره أبو بكر في الخلاف - في أواخر أبواب السير- فقال: أخبرني أحمد بن الحسين قال: وجدت في كتاب أخي: حدثني المبارك بن سليمان قال " سئل أحمد بن حنبل عن قوم من المشركين، بيننا وبينهم كتاب، لا يغزونا ولا نغزوهم، ولا يقتلون لنا تاجراً، ولا نقتل لهم، ويعطونا على ذلك الرهائن. ثم إنهم نكثوا وقتلوا، فما تقول في الرهائن؟ قال: ليس عليهم شيء" . وظاهر هذه منع قتلهم.
- ج ١ ص ٤٩
ونقلت من مسائل أبي عبد الله النيسابوري - بطالقان - عن أحمد " أنه سئل عن أهل الحرب، إذا أخذوا من المسلمين رهائن وأعطوا رهنا، ثم قتلوا رهننا، هل لنا أن نقتل رهنهم كما قتلوا؟ فكأنه ذهب إلى أن نقتل رهنهم" . والدلالة على أنهم لا يقتلون: ما رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال " أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" . وروي أن الروم نقضوا عَهْدَهُمْ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، وَفِي يَدِهِ رَهَائِنُ، فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مِنْ قَتْلِهِمْ، وَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ، وَقَالُوا " وفاء بغدر خير من غدر بغدر" . وإذا لم يجز قتل الرهائن لم يجب إطلاقهم، ما لم نحاربهم، إذا حوربوا وجب إطلاق رهائنهم، وألحقوا بمأمنهم. ويجوز أن يشترط فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رجالهم، إذا أمنوا على رده، فإن لم يأمنوا لم يجز رده عليهم. ولا يجوز رد من أسلم من نسائهم، فإن شرط رد رهن لم يجز رد رهن. وإذا لم تدع الضرورة إلى عقد الهدنة لم تجز مهادنتهم، ويجوز موادعتهم أربعة أشهر.
-
ويصح الأمان الخاص من الرجل والمرأة والحر والعبد. ومن أحكام هذه الإمارة أنه يجوز لأمير الجيش، في حصار العدو عليهم العرادات والمنجنيقات وقد نصب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ مَنْجَنِيقًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَهْدِمَ عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ، وَيَضَعَ عليهم البيات والتحريق. وإن رأى في قطع نخلهم وشجرهم صلاحاً يضعفهم به ليظفر بهم، أو يدخلوا في السلم
ج ١ ص ٥٠فعل، وإن لم ير ذلك صلاحاً لم يفعله. وقد قطع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كُرُومَ أَهْلِ الطَّائِفِ فكان سببا لإسلامهم. وَأَمَرَ فِي حَرْبِ بَنِي النَّضِيرِ بِقَطْعِ نَوْعٍ مِنْ النَّخْلِ يُقَالُ لَهُ الْأَصْفَرُ، يُرَى نَوَاهُ من وراء اللحاء، وكانت النخلة منها أحب إليهم من الوصيف. وقد نقل الجماعة عن أحمد، منهم المروزي، قال "إن فعلوا بنا فعلنا بهم" وقال " لا أذهب إليه إلا إذا فعلوا بنا ذلك" . وقد منع من البداية وأجازه على المقابلة. ونقل الأثرم عنه قال " أكرهه، إلا أن يكون ذلك يغيظهم ويبلغ منهم" . وقال الميموني: سئل أبو عبد الله " أيماء أكثر: يحرق في بلاد الروم، أو لا يحرق؟ قال: التحريق أكثر وأثبت" . وظاهر هذا: جواز ذلك، إذا كان فيه نكاية. وَيَجُوزُ أَنْ يُغَوِّرَ عَلَيْهِمْ الْمِيَاهَ، وَيَقْطَعَهَا عَنْهُمْ، وإن كان فيهم نساء وأطفال، لأنه أبلغ في الظفر بهم. وَإِذَا اسْتَسْقَى مِنْهُمْ عَطْشَانُ، كَانَ الْأَمِيرُ مُخَيَّرًا بين سقيه ومنعه، كما كان مخيرا بين قتله وتركه. وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَارَاهُ عَنْ الْأَبْصَارِ، وَلَمْ يلزمه تكفينه. قد أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَتْلَى بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّقَ بِالنَّارِ حياً أو ميتاً، لقوله - صلى الله عليه وسلم- " لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ بِعَذَابِ اللَّهِ " . وَقَدْ حرق أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْمًا مِنْ أهل الردة. وَمَنْ قُتِلَ مِنْ شُهَدَاءِ الْمُسْلِمِينَ زُمِّلَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا، وَدُفِنَ بِهَا، وَلَمْ يغسل. وفي الصلاة عليه روايتان.
-
ولا يمنع الجيش من أكل طعامهم، وعلوفة دوابهم في ذلك الحرب، غَيْرَ مُحْتَسِبٍ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَعَدَّوْا الْقُوتَ والعلوفة إلى ما سواها من ملبوس ومركوب، فإن دعتهم ضرورة
ج ١ ص ٥١إلى ذلك كان ما لبسوه وركبوه مُسْتَرْجَعًا مِنْهُمْ فِي الْمَغْنَمِ، إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَمُحْتَسَبًا عَلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ إنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب، في (الصابون) يوجد في بلاد الروم يغسل به الرجل قال " لا" ، ليس هو طعام، ولا يغسل به ". وقال أيضاً - في رواية إسحاق بن إبراهيم - في الرجل يسقطه سوطه يأخذ قضيبا من الشجر يعمل منه مقرعة، فقال " أرى أن يطرح في المغنم، أو يطرح ثمنها في المغنم ". ونقلت من مسائل إسحاق بن إبراهيم - في الرجل يحتاج إلى الدابة من دواب السبي يركبها؟ قال: نعم، ولا يعجفها قيل له: يأخذ السيف، ويلبس الثياب؟ قال: نعم، واحتج بحديث ابن مسعود " أنه أخذ سيف أبي جهل فضربه به ". وقد عمل به في ذلك الوقت. وسئل عن الثياب يحتاج إليها، قال " يلبس ثيابهم، فإذا بلغ المغنم طرحها فيه". وظاهر هذا، أنه جعل له الثياب والسلاح. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً من السبي إلا أن يعطاها بسهمه، ويطؤها بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ. فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ عُزِّرَ، ولم يُحَدُّ، لِأَنَّ لَهُ فِيهَا سَهْمًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ مهرها، يضاف إلَى الْغَنِيمَةِ. فَإِنْ أَحْبَلَهَا لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا، وصارت أم ولد لهم إن ملكها، فإن وَطِئَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي السَّبْيِ حُدَّ، ولم يلحق به ولدها إن علقت. وإذا عقدت هذه الإمارة على غزاة وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ لِأَمِيرِهَا أَنْ يَغْزُوَ غَيْرَهَا سَوَاءٌ غَنِمَ فِيهَا أَوْ لَمْ يَغْنَمْ. وَإِذَا عُقِدَتْ عُمُومًا عَامًا بَعْدَ عَامٍ، لَزِمَهُ مُعَاوَدَةُ الغزو في كل وقت يقدر عليه، وَلَا يَفْتُرُ عَنْهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ إلَّا قَدْرَ الِاسْتِرَاحَةِ. وَأَقَلُّ مَا يَجْزِيهِ: أَنْ لَا يعطل عاما من جهاد. ويلزم هذا الأمير: أن ينظر في أحوال المجاهدين، ويقيم الحدود عليهم، وَلَا يَنْظُرُ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهِمْ مَا كَانَ سائرا إلى ثغره. فإن اسْتَقَرَّ فِي الثَّغْرِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ جَازَ أَنْ ينظر في أحكام جميع أهله من مقاتلة ورعية.
-
وإن كانت إمارته خاصة أجرى عليه أحكام الخصوص. فأما قتال أهل الردة فإنه واجب بعد إنذارهم ثلاثة أيام، سواء كان المرتد رجلاً أو امرأة. وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ بِجِزْيَةٍ ولا عهد، ولا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح منهم امرأة. وَإِذَا قُتِلَ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، لِخُرُوجِهِ بِالرِّدَّةِ عنهم،
ج ١ ص ٥٢ولا في مقابر المشركين، لما تقدمت له من حرمة الإسلام، ولكن يوارى مقبوراً، وَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، مصروفا في أهل الفيء، ولا يرثه عنه وارث مسلم ولا كافر. وإذا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَ مَالُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ إلَى الإسلام أعيد إليه، وإن هلك على الردة صار فيئا. فإن انحازوا في دار ينفردون بها عن المسلمين حتى صاروا فيها ممتنعين، نحو بلد القرمطي وجب قِتَالُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ واستتابتهم، ويقاتلون قتال أهل الحرب مقبلين ومدبرين. ومن أسر منهم قتل صَبْرًا إنْ لَمْ يَتُبْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يسترق رجالهم، وتغنم أموالهمن وتسبى ذراريهم الذين حدثوا بعد الردة. وقد قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية أبي طالب في خرّمية كان لهم سهم في قرية، فخرجوا يقاتلون المسلمين. هم المسلمون فأرضوهم فيء للمسلمين من قاتل عليه حتى أخذ، فيؤخذ خمسة يقسم على خمسة أسهم وأربعة أخماس الذين فاءوا مثل ما أخذ عمر السواد، فقد وقفه على المسلمين. وقال - في رواية الفضل - في رجل ارتد في أرض الترك وتزوج فيهم وولد له " يردّون إلى الإسلام إلا أنهم يكونون عبيداً للمسلمين" . وقال في رواية أحمد بن سعيد في المحمرة الخرمية إذا خرجوا حتى ذراري المرتدين سبا الولدان. والوجه في سبي الولدان والذراري والأموال: أنها دار تجري فيها أحكام أهل الحرب فكانت دار حرب دليله أهل الحرب بالكفر الأصلي. والوجه في استرقاق الولد الحادث بعد الردة: أنه كافر ولد من كافرين فجاز استرقاقه كسائر أولاد أهل الحرب.
-
وما أتلفوا من الأولاد والأنفس في حال تحيزهم بالدار أخذوا بذلك. قال في رواية ابن منصور - في مرتد دار الحرب فقتل أو زنى أو سرق - " يعجبني أن يقام عليه حد ما أصاب هناك" . وكذلك قال في رواية مهنا، في المرتد إذا قطع الطريق ولحق بدار الحرب، فأخذه المسلمون: يقام عليه ويقتص منه.
- ج ١ ص ٥٣
والوجه فيه: أنهم قد التزموا أحكام المسلمين، وليس لهم تأويل سائغ، فكان عليهم الضمان. دليله المحاربون في قطع الطريق. ولا يلزم أهل دار الحرب، لأنهم لم يلزموا أحكام المسلمين، ولا يلزم عليه البغاة، لأن لهم تأويلاً سائغاً. ولا يجوز أن يهادنوا على الموادعة، بخلاف أهل دار الحرب. ولا يصالحون على مال يقروا به على ردتهم، بخلاف أهل دار الحرب. ومن ادعيت عليه الردة فأنكرها، كان القول قوله بغير يمين. ولو قامت البينة عليه بِالرِّدَّةِ لَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بِالْإِنْكَارِ، حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَإِذَا امْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلى الإمام العادل جاحدين لها، كانوا مرتدين يجري عليهم حكم أهل الردة. وإن منعوها مع اعترافهم بها بخلا، قاتلهم الإمام، كما قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لما منعوا الزكاة ن حتى قال قائلهم: أطعنا رسول الله ما كَانَ بَيْنَنَا فَيَا عَجَبًا، مَا بَالُ مُلْكِ أبو بكر؟. فإن امتنعوا قتلهم على ملة الإسلام، كما يقتل المحاربين بعد أن يستتيبهم ثلاثة أيام، وقد قال أحمد في رواية أبي طالب " إذا قال: الزكاة علىّ ولا أزكي، يقال له، مرتين أو ثلاثاً زكّ. فإن لم يزكّ، يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" . فقد نص على قتلهم. وقال في رواية الميموني " إذا منعوا الزكاة، كما منعوا أبا بكر، وقاتلوا عليها، لم يورّثوا ولم يصلّ عليهم" . وهذا محمول على أنهم منعوا مع عدم اعتقاد الوجوب، كما منع أهل الردة، فأما مع الاعتقاد فلا يكفرون. وقد قال في رواية عبدوس " من ترك الصلاة فقد كفر وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة" .
- ج ١ ص ٥٤
وأما قتال أهل البغي وهم الذين يخرجون على الإمام، ويخالفون الجماعة، وينفردون بمذهب ابتدعوه، نظرت. فإن لم يخرجوا به عن المظاهرة بِطَاعَةِ الْإِمَامِ، وَلَا تَحَيَّزُوا بِدَارٍ اعْتَزَلُوا فِيهَا، وَكَانُوا أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ تَنَالُهُمْ الْقُدْرَةُ، وَتَمْتَدُّ إلَيْهِمْ اليد، تركوا ولم يحابوا، وأجريت عليهم أحكام أهل العدل في الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ. وَقَدْ عَرَضَ قَوْمٌ مِنْ الْخَوَارِجِ لعلي - رضي الله عنه - بمخالفة رَأْيِهِ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهِ "لا حكم إلا لله تعالى" . فقال عليّ "كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا" . فَإِنْ تَظَاهَرُوا بِاعْتِقَادِهِمْ، وَهُمْ عَلَى اخْتِلَاطِهِمْ بِأَهْلِ الْعَدْلِ، أوضح لهم الإمام فساد ما اعتقدوه، وبطلان ما ابتدعوه، لِيَرْجِعُوا عَنْهُ إلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّ، وَمُوَافَقَةِ الْجَمَاعَةِ.
- ج ١ ص ٥٥
وجاز للإمام أن يعزّر من تظاهر بالعناد، أدباً وتعزيراً، ولم يتجاوزه إلى قتل ولا حدّ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كفر بعد إيمان، وزنا بعد 'إحصان، وقتل نفس بغير نفس" . وإن اعتزلت هذه الطائفة الْبَاغِيَةُ أَهْلَ الْعَدْلِ، وَتَحَيَّزَتْ بِدَارٍ تَمَيَّزَتْ فِيهَا. نظرت، فإن لم تمتنع من حَقٍّ، وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ طَاعَةٍ، لَمْ يُحَارَبُوا، ما داموا مقيمين على الطاعة، وتأدية الحقوق. وقد اعتزلت طائفة من الخوارج عليا - رضي الله عنه - بِالنَّهْرَوَانِ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ عَامِلًا أَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ زمانا، وهولهم موادع إلى أن قتلوه، فأرسل إليهم سلموا قَاتِلَهُ، فَأَبَوْا، وَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ. قَالَ: فَاسْتَسْلِمُوا إذا أقتلكم. فسار إليهم فقتل أكثرهم.
-
فإن امْتَنَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْبَاغِيَةُ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ، وَمَنَعُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ، وَتَفَرَّدُوا بِاجْتِبَاءِ الأموال، وتنفيذ الأحكام. نظرت، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يُنَصِّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ إمَامًا، كان ما اجتنبوه مِنْ الْأَمْوَالِ غَصْبًا، لَا تَبْرَأُ مِنْهُ ذِمَّةٌ، وما نفذوه من الأحكام مردودا، ولا يثبت به حق، وإن نصبوا إمَامًا اجْتَبَوْا بِقَوْلِهِ الْأَمْوَالَ، وَنَفَّذُوا بِأَمْرِهِ الْأَحْكَامَ، لم يتعرض على أحكامهم بالرد، ولا على ما اجتبوه بالمطالبة، وحوربوا حتى يفيئوا إلى الطاعة. قال تعالى (٤٩: ٩ - وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) . وإذا قلد الإمام أميراً على قتال البغاة، قدم قبل القتال إنذارهم وإعزارهم، ولا يهجم عليهم غرة، ويكون قصده بالقتال ردعهم، ولا يتعمد به قتلهم، بخلاف قتال المشركين والمرتدين، ويقاتلهم مقبلين، ويكف عنهم مدبرين، بخلاف أهل الحرب والمرتدين. ولا يقتل أسراهم، ويجوز قتل أسرى أهل الحرب وَالْمُرْتَدِّينَ. وَيَعْتَبِرَ أَحْوَالَ مَنْ فِي الْأَسْرِ مِنْهُمْ. فَمَنْ أَمِنَتْ رَجْعَتُهُ إلَى الْقِتَالِ أُطْلِقَ، وَمَنْ لم تؤمن منه الرجعة حبس حتى ينجلي الحرب، ثم يطلق ولا يحبس بعدها، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعين على قتالهم بمشرك معاهد، ولا ذمي. وقد منع أحمد من ذلك في قتال أهل الحرب، فأولى في قتال البغاة. ولا يُهَادِنَهُمْ إلَى مُدَّةٍ، وَلَا يُوَادِعَهُمْ عَلَى مَالٍ، فإن هادنهم إلى مدة لم تلزم، وإن
ج ١ ص ٥٦ضَعُفَ عَنْ قِتَالِهِمْ انْتَظَرَ بِهِمْ الْقُوَّةَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ وَادَعَهُمْ عَلَى مَالٍ بَطَلَتْ الْمُوَادَعَةُ، وَنُظِرَ فِي الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فَيْئِهِمْ أَوْ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ، لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَصَرَفَ الصَّدَقَاتِ في أهلها. والفيء في مستحقه. وَإِنْ كَانَ مِنْ خَالِصِ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَجُزْ أني يتملكه عليهم، ووجب رده إليهم، لأنهم بذلوه على ما قد منعوه. ولا يَنْصِبَ عَلَيْهِمْ الْعَرَّادَاتِ، وَلَا يُحْرِقُ عَلَيْهِمْ الْمَسَاكِنَ، ولا يقطع الشجر، لأنها دار الإسلام. وقد حكاه أبو بكر في كتاب الخلاف عن أحمد، في رواية محمد بن الحكم.
-
ولا يرمون بالمنجنيق إذا قاتلوا المحمرة. فإن أحاطوا بأهل العدل، وخافوا منهم الاصطدام، جاز أن يدفعوا عن أنفسهم بما استطاعوا، من اعتمادهم قتلهم، ونصب العرادات عليهم، لأن للمسلم أن يدفع عن نفسه بقتل طالبها، إذا لم يندفع إلا به. ولا يجوز أن يستمتع بدوابهم، ولا بسلاحهم في قتالهم، ولا في غيره. وإذا انجلت الحرب - ومع أهل العدل أموال - ردت عليهم، وما يتلف منها في غير القتال فهو مضمون على متلفه، وما أتلف عليهم فِي نَائِرَةِ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ، فَهُوَ هدر، وما أتلفه أَهْلِ الْعَدْلِ فِي غَيْرِ نَائِرَةِ الْحَرْبِ مِنْ نفس أو مال، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي نَائِرَةِ الحرب فلا ضمان عليهم، وهو هدر. ويصلى على قتلى أهل البغي، ويغسلون. وأما قتلى أهل العلد ففي غسلهم والصلاة عليهم روايتان: إحداهما: لا يغسلون ولا يصلى عليهم، لأن قتالهم للذب عن الدين فهو كقتال الكفار. والثانية: يغسلون ويصلى عليهم، قد صلوا على عمر، وعثمان، وعلي، وغسلوهم، وإن كان قتلهم ظلما. وَإِذَا مَرَّ تُجَّارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِعَشَّارِ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَعَشَّرَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ عُشِّرُوا، وَلَمْ يُجْزِهِمْ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الزكوات، لأنهم مروا بهم مجتازين، والزكاة تؤخذ من المقيمين. وإاذ أَتَى أَهْلُ الْبَغْيِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ حُدُودًا، أقيمت عليهم بعد القدرة عليهم. ولا يرث باغ قتل عادلاً، وأما العادل فإذا قتل باغياً ورثه، وكذلك كل قتل بحق
ج ١ ص ٥٧كالقتل قصاصا، أو دفعا عن نفسه، أو قتل الإمام مورثه، لأنه أقر عنده بقصاص، أو زنا، أو في قطع الطريق. وقد قال أحمد في رواية أبي النضر وبكر بن محمد: في أربعة شهدوا على أختهم بالزنا، فرجمت ورجموا مع الناس، فهم غير قتلة. يرثونها. وقال أبو بكر في كتاب الخلاف: إذا قتل العادل الباغي في الحرب، فإنهما يتوارثان. والوجه فيه: أن أحكام القتل: القصاص، والمأثم، والدم، والكفارة. وهذه الأحكام لا تعلق بالقتل، كذلك حرمان الميراث.
-
وأما قتال المحاربين وقطاع الطريق فإذا اجْتَمَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ عَلَى شَهْرِ السِّلَاحِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وقتل السابلة، فحدودهم مرتبة باختلاف أحوالهم، لَا بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِمْ. فَمَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ: قُتِلَ وَصُلِبَ. وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ: قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ. وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ. وَمَنْ أظهر السلاح، ولم يأخذ المال عزر، ولم يقتل. وتعزيره: نفيه من بلد إلى بلد، ومن قرية إلى قرية.
- ج ١ ص ٥٨
فإن تابوا قبل أن يقدر عليهم الإمام: سقطت عنهم حدود الله تعالى، ولا تسقط حقوق الآدميين. وقتالهم مخالف لقتال أهل البغي من خمسة أوجه: أحدها: يَجُوزُ قِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، لِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُ مَنْ وَلَّى مِنْ أَهْلِ البغي. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور، والفضل، وبكر بن محمد: " إذا ولي فلا تتبعاه" . وهذا محمول على ما إذا ولي ولم يتعلق به حق من قصاص أو مال، لأنه قال في رواية أبي طالب " إذا أخذ المال وهرب اتبعه، فإن ألقاه فلا تتبعه" . الثاني: أنه يجوز أن يتعمد في الحرب قَتْلِ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يتعمد قتل أهل البغي. الثالث: أنهم يؤاخذون بما استهلكوه من مال، ودم في الحرب وغيرها، بخلاف أهل البغي. الرابع: يَجُوزُ حَبْسُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ حَبْسُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ البغي. الخامس: أَنَّ مَا اجْتَبَوْهُ مِنْ خَرَاجٍ، وَأَخَذُوهُ مِنْ صدقات، فهو كالمأخوذ غصبا: لايسقط عن أهل الخراج والصدقات حقاً، بخلاف أهل البغي.
-
وَإِذَا كَانَ الْمَوْلَى عَلَى قِتَالِهِمْ مَقْصُورَ الْوِلَايَةِ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ أَنْ يقيم عليهم الحدود، ولا أن يستوفي منهم حقا، ولزمه حَمْلُهُمْ إلَى الْإِمَامِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ واستيفاء الحقوق منهم
وإذا كَانَتْ وِلَايَتُهُ عَامَّةً عَلَى قِتَالِهِمْ، وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ والحقوق منهم: فلابدّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ لِيَنْفُذَ حكمه فيما يقيمه من حدود، ويستوفيه من حقوق. والكشف عَنْ أَحْوَالِهِمْ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا بِإِقْرَارِهِمْ طوعا من غير إكراه، ولا ضرب، أو بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. فَإِذَا عَلِمَ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَا فَعَلَهُ كل واحد منهم من جرائم نظر. فمن كان منهم قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ بَعْدَ الْقَتْلِ. وهذا القتل محتوم لا يجوز العفو عنه، وإن عفي ولي الدم كان عفوه لغوا، ويصلبه ثلاثة أيام لا يتجاوزها، ثم يحطه. وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قَتَلَهُ، ولم يصلبه، غسله وصلى عليه.
- ج ١ ص ٥٩
ومن أخذ منهم الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خلاف، وكان قَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى لِسَرِقَتِهِ، وَقَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى لمجاهرته. ومن خرج مِنْهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ اقْتَصَّ منه بالخراج، إن كان في مثله قصاص وهو إلى خيار مستحقه يجب بمطالبته، ويسقط بعفوه وليس بمحتم، وإن كان مما لاقصاص فيه وجبت ديته للمجروح إن طالب بها، وتسقط إذا عفاه. ومن كان منهم ردءا أجرى عليهم أحكام قطاع الطريق، وإن لم يباشروا بالفعل. وإن تابوا من جرائمهم بعد القوة عليهم، سقطت عنهم المآثم، دون المظالم، فيؤخذون بما وجب عليهم من الحدود والحقوق. وإن تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، سَقَطَتْ عَنْهُمْ مَعَ المآثم حدود الله تعالى، ولم تسقط حقوق الآدميين. فمن كان قد قتل منهم فالخيار إلى وليّ الدم في القصاص أو العفو، ويسقط بالتوبة انحتام القتل، والقطع، والصلب. وتجري أحكام قطاع الطريق والمحاربين في الأمصار، كما تجري عليهم في الصحاري. وقد سئل أحمد رحمه الله تعالى عن المحاربين في المصر، فتوقف عن الجواب فيهم. وقال الخرقي في مختصره: والمحاربون الذين يعرضون للقوم في الصحراء بالصلاح.
-
وإذا دعوا التوبة قبل القدرة عليهم نظرت، فَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالدَّعْوَى أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى التوبة لم تقبل دعواهم لها في سقوط حدود، وإن اقترفت بدعواهم أمارات تدل على التوبة قبلت، ليكون ذلك شبهة يصح بها درء الحد. وأصل هذا من كلام أحمد رحمه الله ما قاله في رواية أي داود ومهنا، فقال في رواية أبي داود في سرية دخلت بلاد الروم فاستقبلهم أعلاج، فأخذوهم فقالوا: جئنا مستأمنين، فإن استدل عليهم بشيء قيل له: إنهم وقفوا فلم يجردوا سلاحاً. فرأى أن لهم الأمان.
- ج ١ ص ٦٠
وقال في رواية مهنا في سفينة أخذت في البحر فيها روم، فقالوا: نحن جئنا بأمان، فقال: " ينظر في حالهم، إن كان معهم سلاح" . فقد اعتبر الظاهر في حقن دمائهم، وهذا مثله هاهنا. ويتخرج فيه وجه آخر: لا يقبل قولهم في التوبة إلا ببينة تَشْهَدُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهَا حدود قد وجبت، والشبهة ما اقترفت بالفعل، بل تأخرت عنه. وأصل هذا من كلام أحمد رحمه الله تعالى: ما قاله في رواية يعقوب بن بختان في الرجل من المسلمين جاء برجل من العدو، فقال أسرته، وقال العلج: بل أعطاني الأمان، فقال: إذا كان الرجل صالحاً لم يقبل قول العلج. وكذلك قال في رواية محمد بن يحيي الكحال في الأسير يخرج من بلاد الروم ومعه علج، فيقول العلج: أنا خرجب به، ويقول الأسير: أنا خرجت به، فقالك "أولى أن يقبل قول المسلم" . فلم يقبل قوله وإن كان ذلك يعود بحقن دمه.