فصل فأما ولاية القضاة

٥٧ فقرة، ج ١ ص ٦٠

الصفحة ١ من ٢

  1. فلا يجوز تقليد القضاء إلا لمن كملت في سبع شرائط: الذكورية، والبلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعدالة، والسلامة في السمع والبصر، والعلم. أما الذكورية فلأن المرأة تنقص عن كمال الولايات، وقبول الشهادات. أما البلوغ والعقل، فلأن الصبي والمجنون لا يليان على أنفسهما، فأولى أن لا يليان على غيرهما، ولأن طريق الاجتهاد في الحوادث، وأعيان الشهور معدومة فيهما.

    ج ١ ص ٦٠
  2. وأما الحرية فلأن العبد ليس من أهل الولايات، ولا كامل الشهادات.

    ج ١ ص ٦١
  3. وأما الإسلام، فلأن الفاسق المسلم لا يجوز أن يلي فأولى أن لا يلي الكافر. وأما العدالة، فلأن الفاسق متهم في دينه، والقضاء طريقه الأمانات. وأما السلامة في السمع والبصر، فليعرف المدّعي من المنكر، ولا يتحصل هذا للضرير والأطروش. وأما السلامة في بقية الأعضاء فغير معتبرة، لأنه يتأتى منه الحكم. ويفارق الإمامة الكبرى بأن فقد بعض الأعضاء لأنه لا يتأتى استيفاء الحقوق مع عدمها من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل. وأما العلم فلا بدّ أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، ومعرفتها تقف على معرفة أصول أربعة: أحدها: المعرفة من كتاب الله بما تَضَمَّنَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، وَمُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا وعموماً وخصوصاً، ومجملاً ومفسراً. الثاني: عِلْمُهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- الثابتة من أفعاله وأقواله، وَطُرُقِ مَجِيئِهَا فِي التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وما كان على سبب أو إطلاق. الثالث: علمه بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه، واختلفوا فيه، ليتبع الإجماع، ويجتهد رأيه مع الاختلاف. الرابع: عِلْمُهُ بِالْقِيَاسِ الْمُوجِبِ لِرَدِّ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا إلى الأصول المنطوق بها والجمع عليها.

  4. فإذا عرف ذلك صار من أهل الاجتهاد، وجاز له أن يفتي ويقضي. ومن لم يعرف ذلك لم يكن من أهل الاجتهاد ولم يجز له أن يفتي ولا يقضي، فإن قلد القضاء كان حكمه باطلا، وإن وافق الصواب. لعدم الشرط. والعلم بأنه من أهل الاجتهاد يحصل بمعرفة متقدمة، وباختباره، ومسألته. قَدْ قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- علياً قضاء اليمن، ولم يختبره لعلمه به. ولكن صار تَنْبِيهًا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ. فَقَالَ "إذَا حَضَرَ الخصمان بَيْنَ يَدَيْكَ فَلَا تَقْضِ لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ من الآخر، قال عليّ فما أشكلت على قضية بعد" . وبعث معاذاً إلى ناحية اليمن فاختبره. فقال له " بم تقض؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قال: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي" .

    ج ١ ص ٦٢
  5. فأما نفاة القياس فهل يجوز أن يولوا القضاء؟ نظرت، فإن نَفَوْهُ وَاتَّبَعُوا ظَاهِرَ النَّصِّ، وَأَخَذُوا بِأَقَاوِيلِ سَلَفِهِمْ فيما لم يرد فيه نص، واطرحوا الاجتهاد، وعدولوا عن الفكر والاستنباط لم يجز تقليدهم القضاء، لقصورهم عن طرق الأححام. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية بكر ابن محمد بن الحكم في الإمام والحاكم يرد عليه أمر من أمور المسلمين، فلا بدّ للإمام والحاكم من أن يجمع له الناس، ويقيس ويشبه، لأن هذا عليه وعلى الحاكم، لما كتب عمر إلى شريح " أن قس الأمور" . وإن نفى القياس ولكن اجتهد في الأحكام تعلقاً بمضمون الكلام، ومفهوم الخطاب، كأهل الظاهر. احتمل المنع أيضاً للمعنى الذي ذكرنا. وهو ظاهر كلام أحمد، لأنه قال " يقيس ويشبه" . ويحتمل الجواز. لأنهم يعتبرون وَاضِحَ الْمَعَانِي، وَإِنْ عَدَلُوا عَنْ خَفِيِّ الْقِيَاسِ. ويجوز لمن يعقد مذهب أحمد أن يقلد القضاء من يعتقد مذهب الشافعي، لأن على القاضي أن يجتهد رأيه فِي قَضَائِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه. وَإِذَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ بِحُكْمٍ وَتَجَدَّدَ مِثْلُهُ مِنْ بعد أعاد الاجتهاد فيه. ونص بِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ. وَإِنْ خَالَفَ مَا تقدم من حكمه، لأن عمر - رضي الله عنه - قضى في المشتركة بِالتَّشْرِيكِ فِي عَامٍ، وَتَرَكَ التَّشْرِيكَ فِي غَيْرِهِ. فَقِيلَ لَهُ: مَا هَكَذَا حَكَمْتَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي؟ فَقَالَ: تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ على ما نقضي". فإن كان المولى على مذهب فشرط عَلَى مَنْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلا بمذهبه. فهذا شرط باطل. وهل تبطل الولاية؟ نظرت. فإن لم يجعله شرطاً فيها، لكن أخرجه مخرج الأمر والنهي، بأن قال له: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب أحمد على وجه الأمر، ولا تَحْكُمُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ فالولاية صحيحة. والشرط فاسد. وإن أخرجه مَخْرَجَ الشَّرْطِ فِي عَقْدِ الْوِلَايَةِ، فَقَالَ: قَدْ قَلَّدْتُكَ الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ لَا تَحْكُمَ فِيهِ بمذهب أحمد، فهذا عقد شرط فيه شرطا فاسداً، فهل يبطل العقد؟ على روايتين بناء على البيع إذا قارنه شرط فاسد.

    ج ١ ص ٦٣
  6. فإن كان الشرط خاصا في حكم بعينه نظرت أيضا. فإن لم يخرجه مخرج الشرط، لكن أخرجه مخرج الأمر. فقال: أَقِدْ مِنْ الْعَبْدِ بِالْحُرِّ، وَمِنْ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ. فالشرط باطل، والعقد صحيح، وإن جعله شرطا فهل يبطل العقد؟ على الروايتين. وإن كان نهياً، فإن نهاه عَنْ الْحُكْمِ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَالْحُرِّ بالعبد، وأن لا يقضى فيه بوجوب قود، ولا بإسقاطه، جاز لأنه اقتصر بولايته على ما عداه. وإن لم ينه عن الحكم فيه، ونهاه عن القضاء بالقصاص، احتمل أن يكون صرفا عن الحكم فَلَا يَحْكُمُ فِيهِ بِإِثْبَاتِ قَوَدٍ وَلَا بِإِسْقَاطِهِ. ويحتمل أن لايقضي الصرف، ويجري عليه حكم الأمر به، فيبطل حكم الأمر ن ويثبت صحة النظر إذا لم يجعله شرطاً في التقليد، ويحكم بما يؤديه اجتهاده إليه. ولاية القضاء وتنعقد مع الحضور بالمشافهة، ومع الغيبة بالمراسلة والمكاتبة. وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ ضَرْبَانِ: صَرِيحٌ، وكناية. فالصريح أربعة ألفاظ " قد وليتك، وقلدتك، واستخلفتك، واستنبتك" . فإذا وجد أحد هذه الألفاظ انعقدت به ولاية القضاء وغيرها من الولاياتن ولا يحتاج معها إلى قرينة. وأما الكتابة فقد قيل: إنهها سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ: " قَدْ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلَتْ عَلَيْكَ، وَرَدَدْتُ إلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ إلَيْكَ، وَوَكَّلْتُ إليك، وأسندت إليك" . فإن اقترن بها قرينة صارت في حكم الصريح، نحو قوله "قانظر فيما وكلته إليك. واحكم فيها اعتمدت فيه عليك" . فَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ مُشَافَهَةً فَقَبُولُهُ عَلَى الْفَوْرِ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ مُرَاسَلَةً، أَوْ مُكَاتَبَةً: جَازَ أن يكون على التراخي. فإن لم يوجد منه القبول لفظا، لكن وجد منه الشروع في النظر، احتمل أن يجري ذلك مجرى النطق، واحتمل لا يجري لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّظَرِ فَرْعٌ لِعَقْدِ الْوِلَايَةِ فلم ينعقد به قبولها. ويفتقر صحة الولاية إلى شروط:

    ج ١ ص ٦٥أحدها: معرفة المولي للمولى، وأنه عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى مَعَهَا. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَجُوزُ مَعَهَا تِلْكَ الْوِلَايَةُ لَمْ يَصِحَّ تَقْلِيدُهُ.

    ج ١ ص ٦٤
  7. فإن عرفها بعد التقليد استأنفها، ولم يعول على ما تقدمها. الثاني: معرفة المولي أن المولى على الصفة التي تستحق الولاية. الثَّالِثُ: ذِكْرُ مَا تَضْمَنَّهُ التَّقْلِيدُ. مِنْ وِلَايَةِ القضاء، أم إمارة البلاد، أو جباية الخراج، لينظر على أيّ صفة انعقدت. الرابع: ذكر البلاد التي انعقدت الولاية عليها. فإن عقدت مع الجهل لم يصح. ويحتاج فِي لُزُومِ النَّظَرِ إلَى شَرْطٍ زَائِدٍ عَلَى شُرُوطِ الْعَقْدِ، وَهُوَ إشَاعَةُ تَقْلِيدِ الْمُوَلَّى فِي أهل عمله، ليذعنوا بالطاعة له، وَيَنْقَادُوا إلَى حُكْمِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي لُزُومِ الطاعة، وليس بشرط في نفوذ الحكم. وإذا صحت الولاية بما ذكرنا. فقد قيل: إن نَظَرُ الْمُوَلِّي وَالْمُوَلَّى كَالْوَكَالَةِ، لِأَنَّهُمَا مَعًا اسْتِنَابَةٌ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَقَامُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْمُوَلَّى، وكان للمولي عزله متى شاء، وللمولى الانعزال عَنْهَا إذَا شَاءَ، غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلَى بِالْمُوَلِّي أن لا يعزله إلا بعذر. وأن لا يعتزل المتولي إلَّا مِنْ عُذْرٍ، لِمَا فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ من حقوق المسلمين. وقد قيل: ليس للمولي عزله ما كان مقيماً على الشرائط، لأنه بالولاية يصير ناظراً للمسلمين على سبيل المصلحة لا عن الإمام. ويفارق الموكل، فإن له عزله وكيله، لأنه ينظر في حق موكله خاصة. وقد قال أحمد في رواية يوسف بن موسى، وقد سئل عن الإمام يعزل، فيصلي بالناس الجمعة؟ قال " لا بأس: قد كان الحسن يأمر من يصلى بالناس في فتنة المهلب" . وظاهر هذا أنه أجاز عزله. لأنه لم ينكر سؤالهم عزله. والظاهر: أن المراد به عزل إمامة الخلافة.لأنه استشهد بفعل الحسن في قصة المهلب. وإذا عَزَلَ أَوْ اعْتَزَلَ وَجَبَ إظْهَارُ الْعَزْلِ، كَمَا وَجَبَ إظْهَارُ التَّقْلِيدِ، حَتَّى لَا يَقْدَمُ عَلَى إنْفَاذِ حُكْمٍ، وَلَا يَغْتَرُّ بِالتَّرَافُعِ إلَيْهِ خَصْمٌ. فإن حكم بعد عزله - وقد عرف العزل - لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، وَإِنْ حَكَمَ غَيْرَ عَالِمٍ بعزله كان في نفوذه حكمه وجهان مبنيان على الوكالة، إذا تصرف الوكيل بعد العزل وقبل العلم. وإذا كانت ولاية القاضي عامة فنظره يشتمل على عشرة أحكام: أحدها: فصل الْمُنَازَعَاتِ، وَقَطْعُ التَّشَاجُرِ، وَالْخُصُومَاتِ.

  8. إمَّا صُلْحًا عَنْ تراض، أو إجباراً بحكم بات. الثاني: استيفاء الحقوق من الممتنع منها وإيصالها إلى مستحقها بعد ثبوت استحقاقها بالإقرار، أو البينة، ولا يجوز الحكم بعلمه.

  9. الثالث: ثبوت الولاية على من كان ممنوعاً من التصرف لجنون أَوْ صِغَرٍ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، حِفْظًا لِلْأَمْوَالِ عَلَى مسحقيها. الرابع: النظر في الأوقاف بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وقبض غلتها، وصرفها في سبلها، فإن كان عليها مستحق للنظر راعاه، وإن لم يكن تولاه. الخامس: تَنْفِيذُ الْوَصَايَا عَلَى شُرُوطِ الْمُوصِي فِيمَا أَبَاحَهُ الشرع، فإن كانت لمعينين نفذها بالإقباض، وإن كانت لغير معينين كان تنفيذها إلى اجتهاد النظر. السادس: تزويج الأيامى بالأكفاء، إذا عدم الأولياء، ودعين إلى النكاح. السابع: إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى تَفَرَّدَ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ غَيْرِ مطالب، إذا ثبت بالإقرار أو البينة، وإن كانت من حقوق الآدميين وقفت على طلب مستحقيها. الثامن: النَّظَرُ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ، مِنْ الْكَفِّ عَنْ التعدى في الطرقات والأفنية، وإخراج الْأَجْنِحَةِ وَالْأَبْنِيَةِ، وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ فِيهَا، وإن لم يحضر خصم. التاسع: تصفح شهوده وأمنائه، واختبار النَّائِبِينَ عَنْهُ مِنْ خُلَفَائِهِ، فِي إقْرَارِهِمْ وَالتَّعْوِيلِ عليهم، مع السَّلَامَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَصَرْفِهِمْ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهِمْ، مَعَ ظُهُورِ الْجُرْحِ وَالْخِيَانَةِ، وَمَنْ ضَعُفَ مِنْهُمْ عَمَّا يُعَانِيهِ كان بالخيار، بين أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، أو يضم إليه غيره. وقد قال أحمد، في رواية حنبل " ينبغي للرجل أن يسأل عن شهوده كل قليل، لأن الرجل يتغير حاله إلى حال" . العاشر: التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والشريف والمشروف، ولا يتبع هواه في الحكم.

    ج ١ ص ٦٦
  10. وقد روي عن شريح أنه قال " أصاب أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - درعاً له - سقطت منه، وهو يريد صفين - مع يهودي، فقال: يا يهودي هذه الدرع سقطت مني ليلاً، وأنا أريد صفين، فقال: بل هي درعي وفي يدي، فقدمه إلى شريح، فارتفع عليّ على اليهودي. ثم قال لشريح: لولا أنه ذميّ لجلست معه مجلس الخصوم.

  11. وليس هذا الْقَاضِي - وَإِنْ عَمَّتْ وِلَايَتُهُ - جِبَايَةُ الْخَرَاجِ، لِأَنَّ مصرفه موقوف على رأي ولاة الجيوش. وأما أموال الصدقات، فإن اختصت بناظر خرجت من عُمُومِ وِلَايَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُنْدَبْ لَهَا نَاظِرٌ، فقد قيل: تدخل في عموم ولايته، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَنْ سَمَّاهُ، وقيل: لا تدخل في ولايته، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى اجتهاد الأئمة.

    ج ١ ص ٦٧
  12. وكذلك القول في إمامة الجمعة والأعياد. فإن كانت ولايته خاصة فيه مقصورة النظر على ما تصمنته، كمن جعل له الْقَضَاءَ فِي بَعْضِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ، أو في الحكم بالإقرار دُونَ الْبَيِّنَةِ، أَوْ فِي الدُّيُونِ دُونَ الْمَنَاكِحِ، أو في مقدار من المال، فيصح التقليد، ولا يجوز أن يتعداه، لأنها ولاية فصحت عموماً وخصوصاً كالوكالة. وقد نص أحمد على صحتها في قدر المال، فقال، في رواية أحمد بن النضر: في رجل أشهد على ألف درهم، وكان الحاكم لا يحكم إلا في مائة ومائتين، فقال: "لا تشهد إلا ما أشهدت عليه" . وكذلك قال، في رواية الحسن بن محمد، في رجل أشهد على ألف، ولا يحكم في البلاد إلا على مائة " لا تشهد إلا بألف" . فقد نص على جواز القضاء في قدر من المال. ووجهه: ما ذكرنا.

    ج ١ ص ٦٨
  13. ومنع من تبعيض الشهادة إذا كانت بقدر يزيد على ما جعل له فيه، بل يشهد بذلك، ويحكم الحاكم من ذلك بما جعل له لأنه إذا شهد بخمسمائة عند هذا القاضي، وشهد بالخمس المائة الأخرى عند قاض آخر، ربما ادعى المقر أن هذه الخمس المائة الثانية هي التي شهد بها أولاً، فتسقط إحداهما على قول من يحمل تكرار الإقرار في مجلسين بألف واحدة، وقد شهد لذلك قوله تعالى (٥: ١٠٨ - ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها) . وإذا بعضها فلم يأت بها على وجهها. ويجوز أن يكون القاضي عام النظر في خصوص الْعَمَلِ فَيُقَلَّدُ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِي محلة من البلد، فتنفذ جميع أحكامه في المحلة التي عينت له، وله أن يحكم فيه بين ساكنيه والطارئين إلَيْهِ، لِأَنَّ الطَّارِئَ إلَيْهِ كَالسَّاكِنِ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَقْتَصِرَ بِهِ عَلَى النَّظَرِ بَيْنَ سَاكِنِيهِ دون الطارئ إليه فلا يتعداهم. وقد نص أحمد على صحتها في مكان مخصوص، فقال في رواية مهنا في قرية مثل قطر بل والربذة والتغلبية وأشباهها من القرى - يكون فيها القاضي: يجوز فيها قضاؤه. وإن استخلفه قاض آخر، ولم يستخلفه الخليفة، فقد نص أحمد على جواز القضاء في قرية مفردة. والوجه فيه: ما ذكرنا من جواز تخصيصه بقدر من المال. ونص على جواز استخلاف القاضي لقاض آخر، ولم يفرق بين أن يكون الخليفة أذن له في ذلك أو أطلق من غير إذن ولا نهي، لأنه إذا ولاه صار ناظراً للمسلمين، لا عن من

    ج ١ ص ٦٩ولاه، فيكون في البلد في حكم الإمام في كل بلد، وإذا كان الإمام وجب أن يولي من ينوب عنه في موضع نظره. ويفارق الوكيل، لأنه لا يوكل على الروايتين، لأنه في حق موكله، بدليل أن له عزله، وليس للإمام عزله ما كان على الصفات المشروطة. فإن قلد جميع البلد كان له أن يحكم في أي موضع شاء منه، فإن شرط عليه في عقد الولاية موضعا مخصوصا، إما في داره أو مسجده بطلت الولاية، لأن الولاية عامة، فلا يجوز الحجر عليه في موضع جلوسه.

  14. فإن قلد الحكم بين من ورد إليه في داره أو مسجده، صح، ولم يجز له أَنْ يَحْكُمَ فِي غَيْرِ دَارِهِ وَلَا فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ وِلَايَتَهُ مَقْصُورَةً عَلَى من ورد إلى داره ومسجده، وهم لا يتعينون إلا بالورود إليها. فإن قلد قاضيين على بلد، نظرت فإن رد إلَى أَحَدِهِمَا، مَوْضِعًا مِنْهُ، وَإِلَى الْآخَرِ غَيْرُهُ صح، وَيَقْتَصِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النَّظَرِ فِي موضعه، وكذلك إن رد إلَى أَحَدِهِمَا نَوْعٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَإِلَى الْآخَرِ غَيْرُهُ، كَرَدِّ الْمُدَايَنَاتِ إلَى أَحَدِهِمَا، وَالْمَنَاكِحِ إلَى الآخر، فيجوز ذلك ويقتصر كل واحد منها عَلَى النَّظَرِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَاصِّ فِي البلد كله. وإن ردّ إلى كل واحد منهما جميع البلد، فقد قيل: لا يصح، لأنه يفضي إلى التشاجر في تجاذب الخصوم إليهما. وقيل: يصح لأنها استنابة فهي كَالْوَكَالَةِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ عِنْدَ تَجَاذُبِ الْخُصُومِ قَوْلَ الطالب غير الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ إلَيْهِمَا، فإن تساويا أقرع بينهما، وقيل: يمنعان من التخاصم حتى يتفقا على أحدهما، والأول أشبه بقولنا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وِلَايَةُ الْقَاضِي مَقْصُورَةً عَلَى حكومة معينة بين خصمين، وتكون ولايته عليهما بَاقِيَةً مَا كَانَ التَّشَاجُرُ بَيْنَهُمَا بَاقِيًا، فَإِذَا بتّ الحكم بينهما زالت ولايته، فإن تَجَدَّدَتْ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ أُخْرَى لَمْ يَنْظُرْ بَيْنَهُمَا إلا بإذن مجدد. فإن لم يعين الخصوم، لكن جعل النظر مقصوراً على الأيام، فقال " قد قَلَّدْتُكَ النَّظَرَ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ خاصة" جاز نظره فيه بين جميع الْخُصُومِ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى، وَتَزُولُ وِلَايَتُهُ بِغُرُوبِ الشمس منه. فإن قلد النَّظَرَ فِي كُلِّ يَوْمِ سَبْتٍ جَازَ أَيْضًا، وكان مقصوراً على النَّظَرِ فِيهِ، فَإِذَا خَرَجَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ تَزُلْ وِلَايَتُهُ، لِبَقَائِهَا عَلَى أَمْثَالِهِ مِنْ الْأَيَّامِ.

  15. فإن قال ولم يسم أحدا - من نظر يَوْمِ السَّبْتِ بَيْنَ الْخُصُومِ فَهُوَ خَلِيفَتِي، لَمْ يَجُزْ، لِلْجَهْلِ بِالْمُوَلَّى، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. فإن قَالَ: مَنْ نَظَرَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ خَلِيفَتِي لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِلْجَهْلِ بِهِ، ولأنه يكون تَمْيِيزَ الْمُجْتَهِدِ، مَوْكُولًا إلَى رَأْيِ غَيْرِهِ مِنْ الخصوم.

    ج ١ ص ٧٠
  16. فإن قلت: من نظر فيه من مفتي أصحاب أحمد، أو أصحاب أبي حنيفة، أو أصحاب الشافعي لَمْ يَجُزْ. وَكَذَلِكَ لَوْ سَمَّى عَدَدًا، فَقَالَ: مَنْ نَظَرَ فِيهِ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ فُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي لَمْ يَجُزْ، سَوَاءٌ قَلَّ الْعَدَدُ أو كثر، لأن المولي منهم مجهول. فإن قال: قد وردت النظر فيه إلى فلان وفلان، فأيهم نظر فيه فهو خليفتي، جَازَ، سَوَاءٌ قَلَّ الْعَدَدُ أَوْ كَثُرَ، لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ مُوَلَّى. فَإِذَا نَظَرَ فِيهِ أَحَدُهُمْ تَعَيَّنَ وَزَالَ نَظَرُ الْبَاقِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهُمْ عَلَى النَّظَرِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ بِهِ أَحَدَهُمْ، فَإِنْ جَمَعَهُمْ على النظر فيه، لم يجز مع كثرتهم. وهل يجوز مع قلتهم على الاحتمال الذي ذكرنا في الجمع بين قاضيين. فأما طلب القضاء وخطبة الولاة عليه، نظرت، فإن كان من غير أهل الاجتهاد كان تعرضه لطلبه محظورا، وكان بذلك مجروحا، وإن كان من أهله وممن يجوز له النظر فيه، نظرت. فإن كان الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، إمَّا لِنَقْصِ عِلْمِهِ، أو لِظُهُورِ جَوْرِهِ، فَيَخْطُبُ الْقَضَاءَ دَفْعًا لِمَنْ لَا يستحقه، ليكون فيمن هو بالقضاء أحق، ففيه روايتان: إحداهما: يكره له طلب القضاء. وأصل هذا من كلام أحمد رحمه الله: ما قاله في رواية ابنه عبد الله، في الرجل يكون في بلد لا يكون فيه أحد أولى بالقضاء منه، لعلمه ومعرفته، فقال " لا يعجبني أن يدخل الرجل في القضاء، هو أسلم له" . فقد كره له الدخول فيه مع الحاجة إليه. والوجه فيه: ما رواه أبو حفص بإسناده، عن أنس قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " من سأل القضاء وكل إلى نفسه. ومن أجبر عليه نزل ملك يسدد" . وفي لفظ آخر " من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل عليه ملك يسدد" .

  17. وبإسناده عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال له " يا أبا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسئلة أعنت عليها" . وذكر مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه أبي موسى الأشعري قال " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، أنا ورجلان من بني عمى.

    فقال أحد الرجلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرنا على بعض ما ولاك الله، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله. فما ولى أحد". والثانية: لا يكره. وأصل هذا من كلامه: ما قاله في رواية المروذي " لابدّ للمسلمين من حاكم، أفتذهب حقوق الناس" . والوجه فيه: أن هذا رفع منكر. فعلى هذه الرواية ينظر. فإن كان أكثر قصده به إزَالَةَ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ كَانَ مَأْجُورًا. وَإِنْ كَانَ أكثره اختصاصه بالنظر فيه كان مكروهاً أو مباحاً. وإن كان القضاء في مستحقه، وهو من أَهْلُهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْهُ إمَّا لِعَدَاوَةٍ بينهما، أو لِيَجُرَّ بِالْقَضَاءِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، فَهَذَا الطَّلَبُ محظور، وهو مجروح بذلك. وإن لم يكن في القضاء ناظر، نظرت. فإن كان له رغبة في إقامة الحق، وخوفه من أن يتعرض له غير مستحق، تخرج على الروايتين اللتين تقدّمتا.

    ج ١ ص ٧١
  18. وإن قصد بطلبه المنزلة والمباهاة كره له ذلك، رواية واحدة، لأن طلب المباهاة فِي الدُّنْيَا مَكْرُوهٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢٨: ٨٣ - تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) . وذهب قوم إلى نفي الكراهة، لأن نبي الله يوسف عليه السلام رغب إلَى فِرْعَوْنَ فِي الْوِلَايَةِ وَالْخِلَافَةِ، فَقَالَ (١٢: ٥٥ - اجْعَلْنِي على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) . وهذا لا يدل على جواز الطلب من غيره، لأن يوسف عليه السلام كان نبياً معصوماً من الظلم والجور فيما يليه من الأعمال. وهذا المعنى غير مأمون في حق غيره. فأما بذل المال على طلب القضاء فمحظور في حق الباذل والمبذول لفه، لما روي أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " لعن الله الراشي والمرتشي" . فالراشي: باذل الرشوة، والمرتشي: قابلها. ولا يَجُوزُ لِمَنْ تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً من أهل عمله، لم تجر عادته بمهاداته، سواء كان خصماً أو غيره، لأنه قد يستعديه فيما يليه. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: " هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ" .

    ج ١ ص ٧٢
  19. فَإِنْ قَبِلَهَا وَعَجَّلَ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا مَلَكَهَا. وَإِنْ لم يعجل المكافأة عليها كانت لبيت المال، إن تعذر ردها على المهدي لها. وَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَأْخِيرُ الْخُصُومِ إذَا تَنَازَعُوا إلَيْهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يحتجب إلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يحكم لأحد من والديه، ولا من مولوديه لِأَجْلِ التُّهْمَةِ، وَيَحْكُمُ عَلَيْهِمْ لِارْتِفَاعِهَا. وَكَذَلِكَ لَا يشهد لهم، ويشهد عليهم، ولا يشهد على عدوه، ويشهد له، ويحكم لعدوه، ولا يحكم عليه. وقال أبو بكر في كتاب الخلاف " يحكم عليهم ولهم، لأن أسباب الحكم ظاهرة، وأسباب الشهادة خفية، فانتفت التهمة عنه بالحكم، وَتَوَجَّهَتْ إلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ" . وَإِذَا مَاتَ الْقَاضِي، فقد قيل: انعزل خلفاؤه. ولو مات الإمام لم ينعزل قضاته، وقيل: لا ينعزلون لأنه ناظر للمسلمين لا لمن ولاه. ولهذا لو أراد عزله لم يملك ذلك. ولو أن أهل بلد قد خلا من قاض أجمعوا على أن قلدوا عليهم قاضيا، نظرت. فإن كان الإمام مَوْجُودًا بَطَلَ التَّقْلِيدُ. وَإِنْ كَانَ مَفْقُودًا صَحَّ، وَنَفَذَتْ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِمْ. فَإِنْ تَجَدَّدَ بَعْدَ نَظَرِهِ إمام، لم يستدم النظر إلا بعد إذنه، ولم ينقض ما تقدم من حكمه. وقد نص أحمد رحمه الله تعالى على أن نفسين لوحكما عليهما نفذ حكمه عليهما. ونص أيضا على الرفقة إذا مات بهم ميت في موضع لا حاكم فيه وكان معه ما يخاف عليه، جاز لأهل الرفقة أن يتولوا بيع ذلك سوى الجواري.

    ج ١ ص ٧٣
  20. فصل فأما ولاية المظالم والنظر في المظالم:
  21. هو قود المتظلمين إلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ، وَزَجْرُ الْمُتَنَازِعَيْنِ عَنْ التَّجَاحُدِ بالهيبة. ومن شرط النَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ جَلِيلَ الْقَدْرِ، نَافِذَ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهراً الْعِفَّةِ، قَلِيلَ الطَّمَعِ كَثِيرَ الْوَرَعِ. لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ في نظره إلى سطوة الحماة، وتثبت القضاة. فاحتاج إلى الجمع بين صفتي الفريقين. فإن كان ممن يملك الأمور العامة كالخلفاء، أو من فوض إليه الخلفاء في الأمور العالمة كَالْوُزَرَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، لَمْ يَحْتَجْ النَّظَرُ فِيهَا إلَى تقليد. وكان له - لعموم وِلَايَتِهِ - النَّظَرُ فِيهَا.

  22. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ عُمُومُ النَّظَرِ. احْتَاجَ إلَى تَقْلِيدٍ وَتَوْلِيَةٍ، إذَا اجْتَمَعَتْ فيه الشروط المتقدمة. وإنما يصح هذا فِيمَنْ يَجُوزُ أَنْ يُخْتَارَ لِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، أَوْ لِوِزَارَةِ التَّفْوِيضِ، أَوْ لِإِمَارَةِ الْأَقَالِيمِ، إذَا كَانَ نَظَرُهُ فِي الْمَظَالِمِ عَامًّا. فَإِنْ اقْتَصَرَ بِهِ على تنفيذ ما عجز القضاء عن تنفيذه جاز أن يكون دون هذه المرتبة في القدر والخطر، بعد أن لا يستخفه الطمع إلى رشوة. وقد نظر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَظَالِمَ فِي الشُّرْبِ الذي تنازعه الزبير بن العوام، ورجل من الأنصار. فحضره بنفسه، وقال لِلزُّبَيْرِ: " اسْقِ أَنْتَ يَا زُبَيْرُ. ثُمَّ الْأَنْصَارِيُّ. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من قَوْلِهِ وَقَالَ: يَا زُبَيْرُ أَجْرِهِ عَلَى بَطْنِهِ حتى يبلغ الماء الكعبين" . وإنما "أجره على بطنه" أدباً لجرأته عليه. وَلَمْ يُنْتَدَبْ لِلْمَظَالِمِ مِنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَحَدٌ. لأنهم في الصدر الأول، وظهور الدين عليهم بين، يقودهم إلى التناصف وإلى الحق. وَإِنَّمَا كَانَتْ الْمُنَازَعَاتُ تَجْرِي بَيْنَهُمْ فِي أُمُورٍ مشتبهة يوضحها حكم القضاة. فإن تجور من جفاة أعرابهم متجور لناه الوعظ أن يدبر، وقاده العنف أن يخشن. فَاقْتَصَرَ خُلَفَاءُ السَّلَفِ عَلَى فَصْلِ التَّشَاجُرِ بَيْنَهُمْ بالحكم والقضاء. وَاحْتَاجَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ تَأَخَّرَتْ إمامته، واختلط الناس فيها، وتجوروا إلى فضل صرامة في السياسة.

    ج ١ ص ٧٤
  23. ثم انتشر الأمر من بعده حتى تجاهر الناس بالظلم، ولم تكفهم زواجر الفطنة، فاحتاجوا في ردع المتغلبين إلى ناظر المظالم الذي يمتزج به قوة السلطنة. فكان أول من أفرد للظلامات يوماً تصفح فيه قصص المتظلمين - من غير مباشرة النظر - عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ. فَكَانَ إذَا وَقَفَ مِنْهَا عَلَى مُشْكِلٍ، أَوْ احْتَاجَ فِيهَا إلَى حُكْمٍ مُنَفَّذٍ، رَدَّهُ إلَى قَاضِيهِ أَبِي إدْرِيسَ الأودي، فينفذ فيه أحكامه. فَكَانَ أَبُو إدْرِيسَ هُوَ الْمُبَاشِرُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ الْآمِرُ.

    ج ١ ص ٧٥
  24. ثُمَّ زَادَ مِنْ جَوْرِ الْوُلَاةِ، وَظُلْمِ الْعُتَاةِ مَا لَمْ يَكْفِهِمْ عَنْهُ إلَّا أقوى الأيادي، فكان عمر ابن عبد العزيز أول من ندب نفسه للمظالم، وردّ مظالم بني أمية على أهلها. ثم جلس لها خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ جَمَاعَةٌ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جلس لها منهم: الْمَهْدِيُّ، ثُمَّ الْهَادِي، ثُمَّ الرَّشِيدُ، ثُمَّ الْمَأْمُونُ، وآخر من جلس لها منهم، الْمُهْتَدِي، حَتَّى عَادَتْ الْأَمْلَاكُ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا. وَقَدْ كَانَ مُلُوكُ الْفُرْسِ يَرَوْنَ ذَلِكَ مِنْ قَوَاعِدِ الملك، وقوانين العدل.

  25. وإذا نَظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَنْ اُنْتُدِبَ لَهَا جُعِلَ لنظره يوما معروفا، يقصده فيه المتظلمون. ليكون سِوَاهُ مِنْ الْأَيَّامِ لِمَا هُوَ مَوْكُولٌ إلَيْهِ مِنْ السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عمال المظالم المتفردين بها، فَيَكُونُ مَنْدُوبًا لِلنَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ. وَلْيَكُنْ سَهْلَ الْحِجَابِ، نَزِهَ الْأَصْحَابِ. وَيُسْتَكْمَلُ مَجْلِسُ نَظَرِهِ بِحُضُورِ خَمْسَةِ أَصْنَافٍ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمْ، وَلَا يَنْتَظِمُ نَظَرُهُ إلَّا بِهِمْ. أَحَدُهُمْ. الْحُمَاةُ، وَالْأَعْوَانُ، لجذب القوي، وتقويم الجريء. الثَّانِي: الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ، لِاسْتِعْلَامِ مَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ من الحقوق. الثَّالِثُ: الْفُقَهَاءُ، لِيَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِيمَا أَشْكَلَ، وَيَسْأَلَهُمْ عما اشتبه. الرَّابِعُ: الْكُتَّابُ: لِيُثْبِتُوا مَا جَرَى بَيْنَ الْخُصُومِ، وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق. الْخَامِسُ: الشُّهُودُ، لِيُشْهِدَهُمْ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ مِنْ حَقٍّ، وَأَمْضَاهُ مِنْ حُكْمٍ. فَإِذَا اسْتَكْمَلَ مَجْلِسَ الْمَظَالِمِ بِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ شَرَعَ حينئذ في نظره ويشتمل النظر في المظالم عن عشرة أقسام. الْأَوَّلُ: النَّظَرُ فِي تَعَدِّي الْوُلَاةِ عَلَى الرَّعِيَّةِ، فيتصفح عن أحوالهم، لِيُقَوِّيَهُمْ إنْ أَنْصَفُوا، وَيَكُفَّهُمْ إنْ عَسَفُوا، وَيَسْتَبْدِلَ بهم إن لم ينصفوا. الثاني: جور العمال فيما يحتبونه من الأموال. فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها. وَيَنْظُرُ فِيمَا اسْتَزَادُوهُ، فَإِنْ رَفَعُوهُ إلَى بَيْتِ الأموال أَمَرَ بِرَدِّهِ. وَإِنْ أَخَذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ اسْتَرْجَعَهُ لِأَرْبَابِهِ.

    ج ١ ص ٧٦
  26. والثالث: كتاب الدواوين. لأنهم أمناء المسلمين على بيوت الأموال فيما يستوفونه، ويوفونه، فيتصفح أحوالهم فيما وكل من زيادة أو نقصان.

    ج ١ ص ٧٧
  27. الرَّابِعُ: تَظَلُّمُ الْمُسْتَرْزِقَةِ مِنْ نَقْصِ أَرْزَاقِهِمْ، أَوْ تأخرها عنهم، وإجحاف النظار بِهِمْ فَيَرْجِعُ إلَى دِيوَانِهِ فِي فَرْضِ الْعَطَاءِ الْعَادِلِ، فَيُجْرِيهِمْ عَلَيْهِ: وَيَنْظُرُ فِيمَا نَقَصُوهُ أَوْ مَنَعُوهُ مِنْ قَبْلُ: فَإِنْ أَخَذَهُ وُلَاةُ أُمُورِهِمْ استرجعه لهم، وإن لم يأخذوه قضاهم من بيت المال. الخامس: رد المغصوب , وَهِيَ ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا: غُصُوبٌ سُلْطَانِيَّةٌ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا وُلَاةُ الْجَوْرِ، كَالْأَمْلَاكِ الْمَقْبُوضَةِ عَنْ أَرْبَابِهَا، تعديا على أهلها. فإن عَلِمَ بِهِ وَالِي الْمَظَالِمِ عِنْدَ تَصَفُّحِ الْأُمُورِ أَمَرَ بِرَدِّهِ قَبْلَ التَّظَلُّمِ إلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَرْبَابِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ عِنْدَ تَظَلُّمِهِمْ إلَى دِيوَانِ السَّلْطَنَةِ. فَإِذَا وَجَدَ فِيهِ ذِكْرَ قَبْضِهَا عن مالكها عمل عليه، وأمر بردها إليه، ويرجع فيه إلَى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ وَكَانَ مَا وَجَدَهُ في الديوان كافياً.

  28. الضرب الثاني من المغصوب: ما تغلب عليه ذوو الأيدي القوية، وتصرفوا فيه تصرف المالكين بالقهر والغلبة، فهو مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَرْبَابِهِ , وَلَا يُنْتَزَعُ مِنْ أحدهم إلَّا بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ. إمَّا بِاعْتِرَافِ الْغَاصِبِ. وإما بِعِلْمِ وَالِي الْمَظَالِمِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عليه بعلمه، على اختلاف فيه. وإما ببينة الأخبار التي ينتفي عنها التواطؤ. لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا فِي الْأَمْلَاكِ بِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ كَانَ حُكْمُ وُلَاةِ الْمَظَالِمِ بذلك أحق. السَّادِسُ: مُشَارَفَةُ الْوُقُوفِ. وَهِيَ ضَرْبَانِ: عَامَّةٌ، وَخَاصَّةٌ. أما الْعَامَّةُ فَيَبْدَأُ بِتَصَفُّحِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا متظلم، ليجريها على سبلها، ويمضيها على شروط واقفيها، إذَا عَرَفَهَا مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. إمَّا مِنْ دَوَاوِينِ الْحُكَّامِ الْمَنْدُوبِينَ لِحِرَاسَةِ الْأَحْكَامِ. وَإِمَّا مِنْ دَوَاوِينِ السَّلْطَنَةِ، عَلَى مَا جَرَى فِيهَا مِنْ مُعَامَلَةٍ، أَوْ ثَبَتَ لَهَا مِنْ ذِكْرٍ وتسمية. وإما من كتب فيها قديمة يقع في النفس صحتها، وإن لم يشهد بِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَتَعَيَّنُ الْخَصْمُ فِيهَا، فَكَانَ الحكم فيها أوسع منه من الْوُقُوفِ الْخَاصَّةِ. وَأَمَّا الْوُقُوفُ الْخَاصَّةُ، فَإِنَّ نَظَرَهُ فِيهَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَهْلِهَا عِنْدَ التَّنَازُعِ فيها، لوقوفها عَلَى خُصُومٍ مُتَعَيِّنِينَ، فَيَعْمَلُ عِنْدَ التَّشَاجُرِ فِيهَا على ما تثبت به الحقوق عند الحكام.

    ج ١ ص ٧٨
  29. ولا يجوز أن يرجع فيها إلَى دِيوَانِ السَّلْطَنَةِ، وَلَا إلَى مَا يَثْبُتُ مِنْ ذِكْرِهَا فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ إذَا لَمْ يشهد بها شهود معدّلون. السابع: تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة، لضعفهم عن إنفاذه، وَعَجْزِهِمْ عَنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِتَعَزُّزِهِ، وَقُوَّةِ يَدِهِ، أَوْ لِعُلُوِّ قَدْرِهِ، وَعِظَمِ خَطَرِهِ، فَيَكُونُ نَاظِرُ المظالم أقوى يد، وَأَنْفَذَ أَمْرًا، فَيُنَفِّذُ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ عليه، بِانْتِزَاعِ مَا فِي يَدِهِ، أَوْ بِإِلْزَامِهِ الْخُرُوجَ مما في ذمته. الثامن: النظر فيما عجز عنه الناظرون في الحسبة، من الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، كَالْمُجَاهَرَةِ بِمُنْكَرٍ ضَعُفَ عَنْ دَفْعِهِ، وَالتَّعَدِّي فِي طَرِيقٍ عَجَزَ عَنْ مَنْعِهِ. وَالتَّحَيُّفِ في حق لم يقدر على ردعه، فَيَأْخُذُهُمْ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِهِ. وَيَأْمُرُ بحملهم على موجبه. التَّاسِعُ: مُرَاعَاةُ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ. كَالْجُمَعِ، وَالْأَعْيَادِ، وَالْحَجِّ، والجهاد، من تقصير فيها، أو إخلال بشروطها، فإن حقوق الله تعالى أَوْلَى أَنْ تُسْتَوْفَى، وَفُرُوضَهُ أَحَقُّ أَنْ تُؤَدَّى. الْعَاشِرُ: النَّظَرُ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَالْحُكْمُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ، فَلَا يَخْرُجُ فِي النَّظَرِ بَيْنَهُمْ عَنْ

    ج ١ ص ٧٩موجب الحق ومقتضاه، ولا يجوز أن يحكم بينهم بما لا يَحْكُمُ بِهِ الْحُكَّامُ وَالْقُضَاةُ. وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ حُكْمُ المظالم على الناظرين فيها. فيجوز في أحكامهم، ويخرجون إلى الحد الذي لا يسوغ منها. [الفرق بين نظر القضاة ونظر ناظر المظالم] وقد ذكر بعض أهل العلم الفرق بَيْنَ نَظَرِ الْمَظَالِمِ وَنَظَرِ الْقُضَاةِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ لِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ مِنْ فَضْلِ الهيية، وَقُوَّةِ الْيَدِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ فِي كَفِّ الخصوم عن التجاحد، ومنع الظلمة عن التغالب والتجاذب. الثاني: أَنَّ نَظَرَ الْمَظَالِمِ يَخْرُجُ مِنْ ضِيقِ الْوُجُوبِ إلَى سِعَةِ الْجَوَازِ فَيَكُونُ النَّاظِرُ فِيهِ أَفْسَحَ مجالا، وأوسع مقالاً. الثالث: أنه يستعمل في فَضْلِ الْإِرْهَابِ، وَكَشْفِ الْأَسْبَابِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ، وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ اللَّائِحَةِ: مَا يُضَيِّقُ عَلَى الْحُكَّامِ، فَيَصِلُ بِهِ إلَى ظُهُورِ الْحَقِّ، وَمَعْرِفَةِ الْمُبْطِلِ مِنْ المحق. الرابع: أَنْ يُقَابِلَ مَنْ ظَهَرَ ظُلْمُهُ بِالتَّأْدِيبِ، وَيَأْخُذَ من بان عداوته بالتقويم والتهذيب.

  30. الخامس: أَنَّ لَهُ مِنْ التَّأَنِّي فِي تَرْدَادِ الْخُصُومِ عند اشتباه أمورهم، لِيُمْعِنَ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَسْبَابِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ -: مَا لَيْسَ لِلْحُكَّامِ إذَا سَأَلَهُمْ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فَصْلَ الْحُكْمِ، فَلَا يَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ الْحَاكِمُ، وَيَسُوغُ أن يؤخره والى المظالم. السادس: أن له رد الخصوم إذا أعضلوا إلى وَسَاطَةَ الْأُمَنَاءِ، لِيَفْصِلُوا التَّنَازُعَ بَيْنَهُمْ صُلْحًا عَنْ تَرَاضٍ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَضِيَ الخصمين بالرد. السابع: أنه يُفْسِحَ فِي مُلَازَمَةِ الْخَصْمَيْنِ إذَا وَضَحَتْ أَمَارَاتُ التَّجَاحُدِ، وَيَأْذَنَ فِي إلْزَامِ الْكَفَالَةِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ التَّكَفُّلُ، لِيَنْقَادَ الْخُصُومُ إلَى التَّنَاصُفِ، وَيَعْدِلُوا عن التجاحد والتكاذب. الثامن: أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ شَهَادَاتِ الْمَسْتُورِينَ مَا يَخْرُجُ عن عرف القضاة في شهادة المعدلين. التاسع: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إحْلَافُ الشُّهُودِ عِنْدَ ارْتِيَابِهِ بهم إذا بذلوا أَيْمَانَهُمْ طَوْعًا، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ عَدَدِهِمْ، لِيَزُولَ عَنْهُ الشك وينتفي عنه الارتياب وليس كذلك الحكام. العاشر: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِاسْتِدْعَاءِ الشُّهُودِ، وَيَسْأَلَهُمْ عما عندهم في تنازع الخصوم فهذه الوجه العشرة يقع الفلق بها بين نظر المظالم ونظر القضاة في التشاجر والتنازع، وسنوضح من تفصيلها ما يبين بِهِ إطْلَاقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْفُرُوقِ.

  31. [فصل] وإذا كان كذلك فلا يخلو حَالُ الدَّعْوَى عِنْدَ التَّرَافُعِ فِيهَا إلَى وَالِي المظالم من ثلاثة أوجه: إما أن يقترن بها من يقويها، أو مَا يُضْعِفُهَا، أَوْ تَخْلُوَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ. فَإِنْ اقترن بها ما يقويها، فلوجوه الْقُوَّةِ سِتَّةُ أَحْوَالٍ، تَخْتَلِفُ بِهَا قُوَّةُ الدَّعْوَى على التدريج. أحدها: أن تظهر معها كتاب فيه شهود معدلون حضور. فإذا حضر الشُّهُودُ، فَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ فِي الْمَظَالِمِ مِمَّنْ يُجَلُّ قَدْرُهُ، كَالْخَلِيفَةِ أَوْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ، أَوْ أمير الإقليم، راعى من أحوال المتنازعين ما تقضيه السياسة في مباشرة النظر بَيْنَهُمَا، إنْ جَلَّ قَدْرُهُمَا، أَوْ رَدَّ ذَلِكَ إلَى قَاضِيهِ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ، إنْ كَانَا مُتَوَسِّطَيْنِ، أَوْ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ، إنْ كَانَا خَامِلَيْنِ.

    ج ١ ص ٨٠
  32. الحالة الثَّانِيَةُ: فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى: أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا كِتَابٌ فِيهِ مِنْ الشُّهُودِ الْمُعَدَّلِينَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ، فَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِ الْمَظَالِمِ، فِي مِثْلِ هذه الدعوى أربعة أشياء. إرهاب الخصم المدعى عليه. فربما يعجل مِنْ إقْرَارِهِ بِقُوَّةِ الْهَيْبَةِ مَا يُغْنِي عَنْ سماع البينة، والتقدم بِإِحْضَارِ الشُّهُودِ، إذَا عَرَفَ مَكَانَهُمْ، وَلَمْ يُدْخِلْ الضرر الشاق عليهم. والأمر بملازمة المدعى عليه، ثلاثاً، ويجتهد رأيه في الزيادة عليها. وأن يَنْظُرَ فِي الدَّعْوَى، فَإِنْ كَانَتْ مَالًا فِي الذِّمَّةِ، كَلَّفَهُ إقَامَةَ كَفِيلٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا قائمة كالعقار حجر عليه فيها حجرا لا يرتفع بِهِ حُكْمُ يَدِهِ، وَرَدَّ اسْتِغْلَالَهَا إلَى أَمِينٍ يحفظه على مستحقه منهما. وإن تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ وَوَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْ حُضُورِ الشُّهُودِ جَازَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ دُخُولِ يَدِهِ، مَعَ تَجْدِيدِ إرْهَابِهِ، فَإِنَّ مالك بن أنس كان يرى في مثل هذه الْحَالِ سُؤَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ سَبَبِ دُخُولِ يده، وإن كان غيره من الفقهاء لم يره، فللناظر في المظالم استعمال الحالين. فَإِنْ أَجَابَ بِمَا يَقْطَعُ التَّنَازُعَ أَمْضَاهُ، وَإِلَّا فصل بينهما بموجب الشرع ومقتضاه.

  33. الحالة الثَّالِثَةُ: فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى: أَنْ يَكُونَ فِي الكتاب المقترن بها شهود حضور لكنهم عير معدلين عند الحاكم، فالذي يختص بالمظالم: أن يتقدم الناظر فيها بإحضارهم وسير أحوالهم، فإنه يجدهم على أحوال ثلاث: إمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، وَأَهْلِ الصيانات، فالثقة بشهادتهم أقوى. وإما أن يكونوا أرذالا، فلا يعول عليهم، لكن يقوى إرهاب الخصم بهم. وإما أن يكونوا أوساطا: فيجوز في نظر المظالم - بعد الكشف عن أحوالهم - أن يستظهر بأخلاقهم، إنْ رَأَى قَبْلَ الشَّهَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا. ثُمَّ هو في شهادة هذين الصنفين بين ثلاثة أمور: إمَّا أَنْ يَسْمَعَهَا بِنَفْسِهِ، فَيَحْكُمُ بِهَا. وَإِمَّا أيَرُدَّ إلَى الْقَاضِي سَمَاعَهَا لِيُؤَدِّيَهَا الْقَاضِي إلَيْهِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ بِهَا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا بِشَهَادَةِ مَنْ تثبت عِنْدَهُ عَدَالَتُهُ.

    ج ١ ص ٨١
  34. وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّ سَمَاعَهَا إلَى الشهود المعدلين، فإذا رَدَّ إلَيْهِمْ نَقْلَ شَهَادَتِهِمْ إلَيْهِ لَمْ يُلْزِمْهُمْ استكشاف أحوالهم، وإن رد إليهم الشهادة عنده بما يصح عنده من شهادتهم، لزمهم الكشف عما يقتضيه قبول شهادتهم، ليشهدوا بها بعد العلم بصحتهان ليكون تنفيذه الحكم بحسبها. الحالة الرَّابِعَةُ، فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى: أَنْ يَكُونَ فِي الكتاب المقترن بها شهود موتى معدلون، وَالْكِتَابُ مَوْثُوقٌ بِصِحَّتِهِ، فَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِنَظَرِ الْمَظَالِمِ فيها ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: إرْهَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يضطره إلى الصدق والاعتراف بالحق. الثاني: سُؤَالُهُ عَنْ دُخُولِ يَدِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ من جوابه ما يتضح به الحق، ويعرف به المحق من المبطل. الثالث: أَنْ يَكْشِفَ عَنْ الْحَالِ مِنْ جِيرَانِ الْمِلْكِ، ومن جيران المتنازعين فيه، ليتوصل بهم إلَى وُضُوحِ الْحَقِّ، وَمَعْرِفَةِ الْمُحِقِّ. فَإِنْ لَمْ يصل إليه بواحد من هذه الثلاثة، ردهما إلَى وَسَاطَةِ مُحْتَشَمٍ مُطَاعٍ، لَهُ بِهِمَا مَعْرِفَةً، وبما تنازعاه خبرة، ليضطرهما بطول المدى وكثرة التردد إلى التصادق أو التصالح، فإن أفضى الأمر بهما إلى أحدهما، وإلا بت الحكم بينهما على ما يوجبه حكم القضاة. الْخَامِسَةُ، فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى: أَنْ يَكُونَ مَعَ المدعي خط المدعى عليه بما يتضمنه الدَّعْوَى، فَنَظَرُ الْمَظَالِمِ فِيهِ يَقْتَضِي سُؤَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْخَطِّ، وَأَنْ يُقَالَ لَهُ: أَهَذَا خَطُّكَ؟ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ، يُسْأَلُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ عن صحته ماتضمنه، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِصِحَّتِهِ صَارَ مُقِرًّا وَأُلْزِمَ حُكْمَ إقْرَارِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ، فَمِنْ وُلَاةِ المظالم من يحكم عَلَيْهِ بِخَطِّهِ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شَوَاهِدِ الْحُقُوقِ، اعتباراً بالعرف.

  35. وذهب جماعة - وهم الأكثر_ إلى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ مِنْهُمْ، أَنْ يَحْكُمَ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ، حَتَّى يَعْتَرِفَ بِصِحَّةِ مَا فِيهِ، لِأَنَّ نَظَرَ الْمَظَالِمِ لَا يُبِيحُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ، وَنَظَرُ

    ج ١ ص ٨٢الْمَظَالِمِ فِيهِ: أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا يَذْكُرُهُ من في خَطِّهِ، فَإِنْ قَالَ: كَتَبْتُهُ لِيُقْرِضَنِي وَمَا أَقْرَضَنِي، أَوْ لِيَدْفَعَ إلَيَّ ثَمَنَ مَا بِعْتُهُ، وَمَا ذفع إليّ، فَهَذَا مِمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ أَحْيَانًا، وَنَظَرُ الْمَظَالِمِ فِي مِثْلِهِ: أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ مِنْ الْإِرْهَابِ بِحَسَبِ مَا يَشْهَدُ بِهِ الْحَالُ، وَتَقْوَى بِهِ الْأَمَارَةُ، ثُمَّ يُرَدُّ إلَى الْوَسَاطَةِ، فَإِنْ أَفْضَتْ إلَى الصُّلْحِ، وَإِلَّا بَتَّ الْقَاضِي الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا بِالتَّحَالُفِ. وَإِنْ أَنْكَرَ الْخَطَّ، فَمِنْ وُلَاةِ الْمَظَالِمِ مَنْ يَخْتَبِرُ الْخَطَّ بِخُطُوطِهِ الَّتِي كَتَبَهَا، وَيُكَلِّفُهُ من كثرة الكتابة ما يمنع التَّصَنُّعِ فِيهَا، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ، فَإِذَا تَشَابَهَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جعل اعترافه بالخط مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِهِ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ أنهم لا يفعلون ذلك الحكم عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لِإِرْهَابِهِ. وَتَكُونُ الشُّبْهَةُ مَعَ إنْكَارِهِ للخط أضعف منها مع اعترافهخ به، وترتفع الشُّبْهَةُ إنْ كَانَ الْخَطُّ مُنَافِيًا لِخَطِّهِ، وَيَعُودُ الْإِرْهَابُ عَلَى الْمُدَّعِي، ثُمَّ يُرَدَّانِ إلَى الْوَسَاطَةِ، فإن أفضت إلى الصلح، وإلا بتّ الحاكم الحكم بينهما بالأيمان. الحالة السَّادِسَةُ" فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى: إظْهَارُ الْحِسَابِ بِمَا تقتضيه الدعوى، وهكذا يَكُونُ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَلَا يَخْلُو حَالُ الْحِسَابِ من أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ حِسَابَ الْمُدَّعِي أَوْ حِسَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ حِسَابَ الْمُدَّعِي فالشبهة فيه أضعف، ونظر المظالم يرفع فِي مِثْلِهِ إلَى مُرَاعَاةِ نَظْمِ الْحِسَابِ، فَإِنْ كان مجملاً، ويظن فيه الإدغال كان مطرحا، وهو يضعف الدَّعْوَى أَشْبَهُ مِنْهُ بِقُوَّتِهَا وَإِنْ كَانَ نَظْمُهُ مُتَّسِقًا وَنَقْلُهُ صَحِيحًا، فَالثِّقَةُ بِهِ أَقْوَى، فَيَقْتَضِي مِنْ الْإِرْهَابِ بِحَسَبِ شَوَاهِدِهِ، ثُمَّ يُرَدَّانِ إلَى الوساطة، ثم إلى الحاكم الْبَاتِّ.

  36. وَإِنْ كَانَ الْحِسَابُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَانَتْ الدعوى به أقوى، ولا يخلو إما أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَى خَطِّهِ أَوْ خَطِّ كاتبه، فإن كان منسوبا إلى خطه، فنظر الْمَظَالِمِ فِيهِ، أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أهو خَطُّكَ؟ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ قِيلَ: أَتَعْلَمُ مَا فيه؟ فإن أقر بمعرفته، قال له: أَتَعْلَمُ صِحَّتَهُ؟ فَإِنْ أَقَرَّ بِصِحَّتِهِ صَارَ بِهَذِهِ الثلاثة مقرا بمقتضى الحساب فيؤخذ بما فيه، وإن اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ خَطُّهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَا فِيهِ، وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ، فَمَنْ حَكَمَ بِالْخَطِّ مِنْ وُلَاةِ الْمَظَالِمِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمُوجَبِ حِسَابِهِ، وإن لم يعترف بصحته لم يحكم به، لِأَنَّ الْحِسَابَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَبْضُ مَا لم يقبض. وذهب الأكثر إلى أنه لا يحكم به، لأن الحساب بالذي لم يعترف بصحة ما فيه لكن يَقْتَضِي مِنْ فَضْلِ الْإِرْهَابِ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا اقتضاه الخط المرسل، ثُمَّ يُرَدَّانِ بَعْدَهُ إلَى الْوَسَاطَةِ، ثُمَّ إلَى بتّ القضاء.

  37. وإذا كَانَ الْخَطُّ مَنْسُوبًا إلَى كَاتِبِهِ، سُئِلَ عَنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ سُؤَالِ كَاتِبِهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِمَا فِيهِ أُخِذَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ سئل عنه كاتبه، فإن أنكر ضعفت الشبهة بإنكاره. وأرهب إن كان متهوما" وَلَمْ يُرْهَبْ إنْ كَانَ مَأْمُونًا، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ وَبِصِحَّتِهِ، صَارَ شَاهِدًا بِهِ عَلَى الْمُدَّعَى عليه، فيحكم عليه بشهادته، إن كان ممن يقضي بالشاهد وباليمين، إما مذهبا أو سِيَاسَةً تَقْتَضِيهَا شَوَاهِدُ الْحَالِ، فَإِنَّ لِشَوَاهِدِ الْحَالِ فِي الْمَظَالِمِ تَأْثِيرًا فِي اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ، وَلِكُلِّ حَالٍ مِنْهَا فِي الْإِرْهَابِ حَدٌّ لَا يَتَجَاوَزُهُ. تمييزا بين الأحوال بمقتضى شواهدها. فأما إن اقترن بالدعوى ما يضعفها، وذلك من سِتَّةُ أَحْوَالٍ تُنَافِي أَحْوَالَ الْقُوَّةِ، فَيَنْتَقِلُ الْإِرْهَابُ بِهَا مِنْ جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى جَنْبَةِ المدعي. الأولى: أن يقابل الدعوى بكتاب فيه شهود حُضُورٌ مُعَدَّلُونَ، يَشْهَدُونَ بِمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الدَّعْوَى، وَذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْهَدُوا عليه ببيع ما ادعاه. الثاني: أن يشهدوا على إقراره أن لا حق له فيما ادعاه. الثالث: أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى إقْرَارِ أَبِيهِ ... الَّذِي ذَكَرَ أنه انتقل الملك عنه أن لا حق له فيما ادعاه.

    ج ١ ص ٨٣
  38. الرابع: أَنْ يَشْهَدُوا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا ادعاه عليه، فتبطل دعواه بهذه الشهادة ويقتضي نظر المظالم تَأْدِيبِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ. فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عليه بالابتياع، كان على سبيل الرهب والإلجاء، وهذا يَفْعَلُهُ النَّاسُ أَحْيَانًا فَيُنْظَرُ فِي كِتَابِ الِابْتِيَاعِ، فإن ذكر فيه أنه غَيْرِ رَهَبٍ وَلَا إلْجَاءٍ ضَعُفَتْ شُبْهَةُ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِيهِ قَوِيَتْ به الشبهة للدعوى، وَكَانَ الْإِرْهَابُ فِي الْجِهَتَيْنِ بِمُقْتَضَى شَوَاهِدِ الْحَالَيْنِ، ورجع إلى الكشف بالمجاورين وبالخلطاء. فَإِنْ بَانَ مَا يُوجِبُ الْعُدُولَ عَنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ عَمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْنِ كَانَ إمْضَاءُ الْحُكْمِ بِمَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الِابْتِيَاعِ أَحَقَّ، فَإِنْ سَأَلَ إحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ ابْتِيَاعَهُ كَانَ حَقًّا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الرهب ولا تلجئة، احتمل إحلافه لأن ما ادعاه ممكن، واحتمل أن لايحلف، لأن متقدم إقراره يكذب متأخر دعواه، ولولي المظالم أن يعمل بما تقتضيه شواهد الحالين. وكذلك لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، فَأَظْهَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كِتَابَ بَرَاءَةٍ مِنْهُ، فَذَكَرَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ وَلَمْ يَقْبِضْ، كَانَ إحْلَافُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى ما تقدم. الحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْكِتَابِ الْمُقَابِلِ لِلدَّعْوَى عُدُولًا غَائِبِينَ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَضَمَّنَ إنْكَارُهُ اعْتِرَافًا بِالسَّبَبِ، كَقَوْلِهِ: لَا حَقَّ له في هذه الصيغة، لأني ابتعتها منه ودفعت إليه ثمنها، وَهَذَا كِتَابُ عَهْدِي بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ الْمُدَّعِي عليه مُدَّعِيًا بِكِتَابٍ قَدْ غَابَ شُهُودُهُ، فَيَكُونُ عَلَى مَضَى، وَلَهُ زِيَادَةُ يَدٍ وَتَصَرُّفٍ، فَتَكُونُ الْأَمَارَةُ

    ج ١ ص ٨٤أَقْوَى، وَشَاهِدُ الْحَالِ أَظْهَرَ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بها ملك، فيرهبهما حسبما تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ أَحْوَالِهِمَا، وَيَأْمُرُ بِإِحْضَارِ الشُّهُودِ إنْ أَمْكَنَ، وَيَضْرِبُ لِحُضُورِهِمْ أَجَلًا يَرُدُّهُمَا فِيهِ إلَى الْوَسَاطَةِ، فَإِنْ أَفْضَتْ إلَى صُلْحٍ عَنْ تَرَاضٍ استقر به الحكم، وعدل عن سماع الشهادة إذا حضرت، فإن لم يتبرم بينهما صلح أمعن في الكشف من جِيرَانِهِمَا وَجِيرَانِ الْمِلْكِ.

  39. وَكَانَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ رَأْيُهُ في زمن الكشف، في خصلة من ثلاث، يفعل منها ما يؤدي اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، بِحَسَبِ الْأَمَارَاتِ وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ. إمَّا أَنْ يَرَى انْتِزَاعَ الضَّيْعَةِ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَسْلِيمَهَا إلَى الْمُدَّعِي إلَى أَنْ تَقُومَ عليه بينة بالبيع أالإبراء، ويسلمها إلَى أَمِينٍ تَكُونُ فِي يَدِهِ، وَيَحْفَظُ اسْتِغْلَالَهَا عَلَى مُسْتَحَقِّهِ. وَإِمَّا أَنْ يُقِرَّهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَحْجُرَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَيُنَصِّبَ أَمِينًا لاستغلالها. ويكون حالها عَلَى مَا يَرَاهُ وَالِي الْمَظَالِمِ فِي خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ مَا كَانَ رَاجِيًا أَحَدَ أَمْرَيْنِ: مِنْ ظُهُورِ الْحَقِّ بِالْكَشْفِ، أَوْ حُضُورِ الشهود للأداء، فإن وقع اليأس منهما بَتَّ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا، فَلَوْ سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إحلاف المدعي أحلفه له، وكان ذلك بناء للحكم بينهما. الضرب الثاني: أن لا تضمن إنْكَارُهُ اعْتِرَافًا بِالسَّبَبِ، وَيَقُولُ: هَذِهِ الضَّيْعَةُ لِي لا حق فيها لهذا المدعي، وتكون شهادة الكتاب على المعي من أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنْ لَا حقّ له فيها. وإما على إقراره أنها مِلْكُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَالضَّيْعَةُ مُقَرَّةٌ فِي يَدِ المدعى عليه، ولا ينتزعها مِنْهُ، فَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِيهَا وَحِفْظُ اسْتِغْلَالِهَا مُدَّةَ الْكَشْفِ وَالْوَسَاطَةِ فَمُعْتَبَرٌ بِشَوَاهِدِ أَحْوَالِهِمَا، وَاجْتِهَادِ والي المظالم فيها يَرَاهُ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا. الحالة الثالثة: أن يكون شهود الكتاب المقابل لهذه الدعوى حضوراً غَيْرُ مُعَدَّلِينَ، فَيُرَاعِي وَالِي الْمَظَالِمِ فِيهِمْ مَا قدمناه فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي مِنْ أَحْوَالِهِمْ الثَّلَاثِ، وَيُرَاعَى حال إنكاره هل يتضمن اعترافاً بالسبب أولاً؟ فيعمل والي المظالم في ذلك بما قدمنا، تعويلاً على اجتهاد رأيه في شواهد الأحوال. الحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْكِتَابِ مَوْتَى مُعَدَّلِينَ، فَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ إلَّا فِي الْإِرْهَابِ المجرد الذي يقتضي فضل الكشف، ثم يعمل فِي بَتِّ الْحُكْمِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْإِنْكَارُ من الاعتراف بالسبب أم لا. الحالة الْخَامِسَةُ: أَنْ يُقَابِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخَطِّ الْمُدَّعِي بما يوجب إكذابه في الدعوى، فيعمل فيه بما قدمناه في الخطوط، ويكون الإرهاب معتبراً بشاهد الحال.

  40. الحالة السَّادِسَةُ: أَنْ يَظْهَرَ فِي الدَّعْوَى حِسَابٌ يَقْتَضِي بطلان الدعوى، فيعمل فيه بما قدمناه في الحساب، ويكون الإرهاب والكشف والمطاولة معتبراً بشواهد الأحوال، ثم بتّ الحكم بعد الإياس قطعاً للنزاع.