فصل فأما ولاية القضاة

٥٧ فقرة، ج ١ ص ٦٠

الصفحة ٢ من ٢

  1. فَأَمَّا إنْ تَجَرَّدَتْ الدَّعْوَى عَنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا مَا يُقَوِّيهَا، وَلَا ما يضعفها، فنظر المظالم يقتضي اعتبار حَالِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: أن يعتدلا فِيهِ. وَاَلَّذِي يُؤْثِرُهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي إحْدَى الجهتين: هو إرهابهما، وتغليب الكشف من وجهتها، وَلَيْسَ لِفَصْلِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا تَأْثِيرٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ الظنوم الْغَالِبَةُ. فَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي، وَكَانَتْ الرِّيبَةُ مُتَوَجِّهَةً إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يكون المدعي - مع خلوه من حجة يظهرها- ضعيف الْيَدِ، مُسْتَلَانَ الْجَنْبَةِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ذَا بَأْسٍ وقدرة، فإذا دعى عَلَيْهِ غَصْبَ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ، غَلَبَ فِي الظَّنِّ أَنَّ مِثْلَهُ مَعَ لِينِهِ وَاسْتِضْعَافِهِ لَا يَتَجَوَّزُ فِي دَعْوَاهُ عَلَى مَنْ كَانَ ذَا نجدة وبأس وسطوة. الثاني: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَشْهُورًا بِالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، فَيَغْلِبُ فِي الظَّنِّ صدق المدعى في دعواه. الثالث: أَنْ تَتَسَاوَى أَحْوَالُهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ أن للمدعي يداً مُتَقَدِّمَةٌ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِدُخُولِ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَبَبٌ حَادِثٌ. فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظَرُ الْمَظَالِمِ فِي هذه الأحوال الثلاث شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: إرْهَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِتَوَجُّهِ الرِّيبَةِ إليه.

    ج ١ ص ٨٥
  2. وَالثَّانِي: سُؤَالُهُ عَنْ سَبَبِ دُخُولِ يَدِهِ، وَحُدُوثِ ملكه، فإن مالكا يَرَى ذَلِكَ مَذْهَبًا فِي الْقَضَاءِ مَعَ الِارْتِيَابِ، فكان نظر المظالم به أولى، وربما أنف المدعى عليه لنفسه مَعَ عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ عَنْ مُسَاوَاةِ خَصْمِهِ فِي المحاكمة، فيترك ما في يده لخصمه عفوا وَرُبَّمَا تَلَطَّفَ وَالِي الْمَظَالِمِ فِي إيصَالِ الْمُتَظَلِّمِ إلى حقه بما يحفظ معه حشمه المتظلم منه، أَوْ مُوَاضَعَةَ الْمَطْلُوبِ عَلَى مَا يَحْفَظُ بِهِ حشمة نفسه، أن يكون منسوباً إلى تحيف ومنع من حق.

  3. فأما إنْ كَانَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أحدها: أن يكون المدعي مشهورا بالتظلم وَالْخِيَانَةِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَشْهُورًا بِالنَّصَفَةِ وَالْأَمَانَةِ. وَالثَّانِي: أن يكون المدعي دنيئاً متبذلا، والمدعى عليه نزها مصونا، فَيَطْلُبُ إحْلَافَهُ قَصْدًا لِبِذْلَتِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِدُخُولِ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَبَبٌ مَعْرُوفٌ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِدَعْوَى الْمُدَّعِي سَبَبٌ. فَيَكُونُ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالرِّيبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلَى الْمُدَّعِي. فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: إن كانت دعواه في مثل هذه الأحوال لعين قَائِمَةٍ، لَمْ يَسْمَعْهَا إلَّا بَعْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ الموجب لها، وإن كانت في مال في الذِّمَّةِ، لَمْ يَسْمَعْهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عليه معاملة، وقد روي عن أحمد نحو هذا. فأما في نَظَرُ الْمَظَالِمِ الْمَوْضُوعُ عَلَى الْأَصْلَحِ، فَعَلَى الْجَائِزِ دون الواجب، فيسوغ فيه مثل هذه عِنْدَ ظُهُورِ الرِّيبَةِ وَقَصْدِ الْعِنَادِ. وَيُبَالِغُ فِي الْكَشْفِ بِالْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى ظُهُورِ الْحَقِّ، وَيَصُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا اتَّسَعَ فِي الْحُكْمِ. فَإِنْ وقع الأمر على التحالف، فهو غَايَةُ الْحُكْمِ الْبَاتِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ دَفْعُ طَالِبٍ عَنْهُ فِي نَظَرِ الْقَضَاءِ، وَلَا فِي نظر المظالم، إذا لم يكفه عنه إرهاب ولا وعظ. فَإِنْ فَرَّقَ دَعَاوِيَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ فِي كل مجلس منها على يعضها قصداً لإعناته وبذلته. فإنه يمنع من ذلك ويؤمر بِجَمْعِ دَعَاوِيهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِعْنَاتِ مِنْهُ، وَإِحْلَافِ الْخَصْمِ عَلَى جَمِيعِهَا يَمِينًا وَاحِدَةً.

    ج ١ ص ٨٦
  4. فَأَمَّا إنْ اعْتَدَلَتْ حَالُ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَتَقَابَلَتْ بَيِّنَةُ الْمُتَشَاجِرَيْنِ، وَلَمْ يترجح أحدهما بأمارة، أو ظنة فيساوى بينهما في العظة. وتختص ولاية المظالم - بعد العظة - بالإرهاب لهما معا، ليساويهما. ثُمَّ بِالْكَشْفِ عَنْ أَصْلِ الدَّعْوَى وَانْتِقَالِ الْمِلْكِ، فإن ظهر بالكشف ما يعرف به المحق مِنْهُمَا عَمِلَ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بِالْكَشْفِ ما يفصل تَنَازُعُهُمَا، رَدَّهُمَا إلَى وَسَاطَةِ وُجُوهِ الْجِيرَانِ وَأَكَابِرِ

    ج ١ ص ٨٧الْعَشَائِرِ. فَإِنْ نَجَزَ بِهَا مَا بَيْنَهُمَا؛ وَإِلَّا كان فصل القضاء بينهما هو غاية أَمْرِهِمَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ لِبَتِّ الْحُكْمِ وَالِاسْتِنَابَةِ فِيهِ. وَرُبَّمَا تَرَافَعَ إلَى وُلَاةِ المظالم في غوامض الأحكام، ومشكلات الخصومات ما يرشده إليه الْجُلَسَاءِ، وَيَفْتَحُهُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، فَلَا يُنْكِرُ مِنْهُمْ الابتداء، ولا يستكبر أن يعمل به الانتهاء.

  5. [توقيعات الناظر في المظالم] فأما توقيعات النَّاظِرُ فِي الْمَظَالِمِ فِي قَصَصِ الْمُتَظَلِّمِينَ إلَيْهِ بالنظر بينهم، فلا يخلو حَالُ الْمُوَقَّعِ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ وَالِيًا عَلَى مَا وُقِّعَ بِهِ إلَيْهِ، أَوْ غَيْرَ والٍ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ والياً عليه، كتوقيعه إلى القاضي بأن ينظر بينهما، فلا يخلو حال ما تضمنه المتوقع مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ إذْنًا بِالْحُكْمِ، أَوْ إذْنًا بِالْكَشْفِ وَالْوَسَاطَةِ، فَإِنْ كَانَ إذْنًا بِالْحُكْمِ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِأَصْلِ الولاية، ويكوم التَّوْقِيعُ تَأْكِيدًا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ قُصُورُ مَعَانِيهِ، وإن كان إذناً في كشف الصورة أو التوسط بين الخصمين، فإن كان التَّوْقِيعِ بِذَلِكَ نَهْيُهُ عَنْ الْحُكْمِ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ هَذَا النَّهْيُ عَزْلًا لَهُ عَنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ

    ج ١ ص ٨٨هل عُمُومِ وِلَايَتِهِ فِيمَا عَدَاهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أن تكون الولاية نوعين: عامة، أو خاصة. جاز أن يكون العزل عَامًّا وَخَاصًّا. وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ فِي التَّوْقِيعِ عن الحكم بينهما حين أمره بالكشف والوساطة، فقد قيل: إن نظرة عَلَى عُمُومِهِ فِي جَوَازِ حُكْمِهِ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ أَمْرَهُ بِبَعْضِ مَا إلَيْهِ لَا يَكُونُ مَنْعًا من غيره. وقيل: يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، مَقْصُورًا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ مِنْ الْكَشْفِ وَالْوَسَاطَةِ، لِأَنَّ فَحَوَى التَّوْقِيعِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ كان التوقيع بالوساطة، لم يلزم إنْهَاءُ الْحَالِ إلَيْهِ بَعْدَ الْوَسَاطَةِ، وَإِنْ كَانَ يكشف الصورة لزمه إنهاء حالها إلَيْهِ، لِأَنَّهُ اسْتِخْبَارٌ مِنْهُ، فَلَزِمَهُ إجَابَتُهُ عَنْهُ. فَهَذَا حُكْمُ تَوْقِيعِهِ إلَى مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ. فأما الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ، وَهُوَ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ، كَتَوْقِيعِهِ إلَى فَقِيهٍ، أَوْ شَاهِدٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ تَوْقِيعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أحوال: إما أن يكون بكشف الصورة، أو يكون بالوساطة، أو بِالْحُكْمِ.

  6. فَإِنْ كَانَ التَّوْقِيعُ بِكَشْفِ الصُّورَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَهَا، وَيُنْهِيَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، لِيَجُوزَ لِلْمُوَقِّعِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ؛ فَإِنْ أَنْهَى مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ يه، كَانَ خَبَرًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْمُوَقِّعُ، وَلَكِنْ يَجْعَلُهُ فِي نَظَرِ الْمَظَالِمِ مِنْ الْأَمَارَاتِ الَّتِي يَغْلِبُ بِهَا حَالُ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ في الإرهاب وفضل الكشف. وإن كان التوقيع بالوساطة بينهما لم يَقِفْ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ مِنْ تَخْصِيصِ الْوَسَاطَةِ، لِأَنَّ الْوَسَاطَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى تَقْلِيدٍ ولا ولاية، وإنما يقيد بِالْوَسَاطَةِ تَعْيِينَ الْوَسِيطِ بِاخْتِيَارِ الْمُوَقِّعِ، وَقَوَدِ الْخَصْمَيْنِ إليه إجباراً. فإذا أَفْضَتْ الْوَسَاطَةُ إلَى صُلْحِ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ إنهاؤها، وكان شاهداً فيها، متى استدعوه لِلشَّهَادَةِ أَدَّاهَا، وَإِنْ لَمْ تُفْضِ الْوَسَاطَةُ إلَى صُلْحِهِمَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْهِمَا فِيمَا اعْتَرَفَا بِهِ عِنْدَهُ، يُؤَدِّيهِ إلَى النَّاظِرِ فِي الْمَظَالِمِ، إنْ عَادَ الْخَصْمَانِ إلَى التَّظَلُّمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إنْ لَمْ يَعُودَا. وَإِنْ كَانَ التَّوْقِيعُ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، فَهَذِهِ وِلَايَةٌ يُرَاعَى فِيهَا مَعَانِي التَّوْقِيعِ، ليكون نظره محمولا على ما يوجبه. وإذا كان كذلك فللتوقيع حالتان: إحداهما: أَنْ يُحَالَ بِهِ عَلَى إجَابَةِ الْخَصْمِ إلَى ملتمسه، فيعتبر حينئذ فيه مَا سَأَلَ الْخَصْمُ فِي ظُلَامَتِهِ، وَيَصِيرُ النَّظَرُ مقصورا عليه، فإن سأل الوساطة، أو كشف الصورة، كَانَ التَّوْقِيعُ مُوجِبًا لَهُ، وَكَانَ النَّظَرُ مَقْصُورًا عليه، سواء خَرَجَ التَّوْقِيعُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ، كَقَوْلِهِ: أَجِبْهُ إلَى ما يلتمسه، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ، كَقَوْلِهِ: رَأْيُكَ فِي إجَابَتِهِ إلَى مُلْتَمَسِهِ، كَانَ مُوَقَّعًا، لِأَنَّهُ لَا يقتضي ولاية يلزم حكمها، وكان أمرها أخف.

  7. وإن سَأَلَ الْمُتَظَلِّمُ فِي قِصَّتِهِ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا، فَلَا بد من أن يكون الخصم في القصة مُسَمًّى، وَالْخُصُومَةُ مَذْكُورَةً، لِتَصِحَّ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لم يسم الخصم، ولم يذكر الْخُصُومَةُ لَمْ تَصِحَّ الْوِلَايَةُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وِلَايَةً عَامَّةً، فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا، وَلَا خَاصَّةً لِلْجَهْلِ بها.

    ج ١ ص ٨٩
  8. فإن سَمَّى رَافِعُ الْقِصَّةِ خَصْمَهُ وَذَكَرَ خُصُومَتَهُ، نُظِرَ فِي التَّوْقِيعِ بِإِجَابَتِهِ إلَى مُلْتَمَسِهِ فَإِنْ خَرَجَ مخرج الأمر فوقع " أجبه إلى ملتمسه" أو " اعمل بِمَا الْتَمَسَهُ" صَحَّتْ وِلَايَتُهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا بهذا التَّوْقِيعُ. وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ لِلْحَالِ، فَوَقَّعَ " رأيك في إجابته إلى ملتمسه موفقا" . فَهَذَا التَّوْقِيعُ خَارِجٌ فِي الْأَعْمَالِ السُّلْطَانِيَّةِ مَخْرَجَ الْأَمْرِ، وَالْعُرْفُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا مُعْتَادٌ. فَأَمَّا فِي الأحكام الدينية، فقد أجازه طائفة من الفقهاء، اعتبارا بالعرف فيه، وصحت الْوِلَايَةُ، وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ جَوَازِهِ، وَانْعِقَادِ الولاية، حتى يقترن به أمر تنعقد به الولاية، اعْتِبَارًا بِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ. فَلَوْ كَانَ رَافِعُ الْقِصَّةِ سَأَلَ التَّوْقِيعَ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا فَوَقَّعَ بِإِجَابَتِهِ إلَى ملتمسه، فمن اعتبر العرف المعتاد صحح الولاية بهذا التوقيع. ومن اعتبر معاني الألفاظ لم يصحح بِهِ الْوِلَايَةُ، لِأَنَّهُ سَأَلَ التَّوْقِيعَ بِالْحُكْمِ، وَلَمْ يسأل الحكم. الحالة الثانية من التَّوْقِيعَاتِ: أَنْ يُحَالَ فِيهِ عَلَى إجَابَةِ الْخَصْمِ إلَى مَا سَأَلَ، وَيُسْتَأْنَفَ فِيهِ الْأَمْرُ بِمَا تَضَمَّنَهُ، فَيَصِيرُ مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْقِيعُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ في الولاية. وإذا كَانَ كَذَلِكَ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالُ كَمَالٍ، وحال جواز، وحال تخلو عن الأمرين: أما الحال الَّتِي يَكُونُ التَّوْقِيعُ فِيهَا كَمَالًا فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ، فَهُوَ أَنْ يَتَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْأَمْرُ بالنظر. والثاني: الأمر بالحكم فيه، فَيَذْكُرُ فِيهِ " اُنْظُرْ بَيْنَ رَافِعِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، وَاحْكُمْ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ، وَمُوجَبِ الشَّرْعِ" . فهو أكمل التوقيعات. وإن لم يذكر في التوقيع " بالحق وموجب الشرع" جَازَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْحَقِّ الذي يوجبه حُكْمُ الشَّرْعِ. وَإِنَّمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ فِي التَّوْقِيعَاتِ، وصفاً لا شرطاً. فإذا كان التَّوْقِيعُ جَامِعًا لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: مِنْ النَّظَرِ، وَالْحُكْمِ، فَهُوَ التَّوْقِيعُ الْكَامِلُ، وَيَصِحُّ بِهِ التَّقْلِيدُ وَالْوِلَايَةُ.

  9. وأما الحالة التي يكون التوقيع فيها جَائِزًا، مَعَ قُصُورِهِ عَنْ حَالِ الْكَمَالِ، فَهُوَ أن يتضمن الأمر بالحكم دون النظر فيه، فَيَذْكُرُ فِي تَوْقِيعِهِ " اُحْكُمْ بَيْنَ رَافِعِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ" أَوْ يَقُولُ " اقْضِ بَيْنَهُمَا" فتصح الولاية بذلك، لأن الحكم والقضاء لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ النَّظَرِ، فَصَارَ الْأَمْرُ بِهِ مُتَضَمِّنًا لِلنَّظَرِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو منه.

  10. وأما الحال الَّتِي يَكُونُ التَّوْقِيعُ فِيهَا خَالِيًا مِنْ كَمَالٍ وجواز، فهو ان يذكر فيه " اُنْظُرْ بَيْنَهُمَا" فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَذَا التَّوْقِيعِ وِلَايَةٌ، لِأَنَّ النَّظَرَ بَيْنَهُمَا قَدْ يَحْتَمِلُ الْوَسَاطَةَ الْجَائِزَةَ، وَيَحْتَمِلُ الْحُكْمَ اللَّازِمَ، وَهُمَا فِي الِاحْتِمَالِ سَوَاءٌ، فلم تنعقد به مع الاحتمال الولاية. فإن ذَكَرَ فِيهِ " اُنْظُرْ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ" فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْوِلَايَةَ بِهِ مُنْعَقِدَةٌ، لِأَنَّ الْحَقَّ مَا لَزِمَ. وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ بِهِ لِأَنَّ الصُّلْحَ والوساطة حق وإن لم يلزم.

    ج ١ ص ٩٠
  11. فصل في ولاية النقابة على ذوي الأنساب

    وهي مَوْضُوعَةٌ عَلَى صِيَانَةِ ذَوِي الْأَنْسَابِ الشَّرِيفَةِ عَنْ وِلَايَةِ مَنْ لَا يُكَافِئُهُمْ فِي النَّسَبِ. وَلَا يساويهم في الشرف، ليكون عليهم أحنى، وأمره فيهم مضي. رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال " اعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكن، فَإِنَّهُ لَا قُرْبَ بِالرَّحِمِ إذَا قُطِعَتْ وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً. وَلَا بُعْدَ بِهَا إذَا وُصِلَتْ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً" . وَوِلَايَةُ هَذِهِ النِّقَابَةِ: تَصِحُّ مِنْ إحْدَى ثَلَاثِ جِهَاتٍ: إمَّا مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ الْأُمُورِ. وَإِمَّا مِمَّنْ فَوَّضَ الْخَلِيفَةُ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الْأُمُورِ، كَوَزِيرِ التَّفْوِيضِ، أو أمير الإقليم. وإما من نقيب عام الولاية، واستخلف نقيبا جعله خَاصَّ الْوِلَايَةِ. فَإِذَا أَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يُوَلِّيَ على الطالبيين نقيبا، وعلى العباسيين نقيبا، تخير مِنْهُمْ أَجَلَّهُمْ بَيْتًا، وَأَكْثَرَهُمْ فَضْلًا، وَأَجْزَلَهُمْ رَأْيًا وولاه عليهم، ليجمع شُرُوطُ الرِّيَاسَةِ وَالسِّيَاسَةِ، فَيُسْرِعُوا إلَى طَاعَتِهِ بِرِيَاسَتِهِ، وَتَسْتَقِيمُ أُمُورُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ. وَالنِّقَابَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: خَاصَّةٌ ,وعامة. فأما الخاصة: فهي أَنْ يَقْتَصِرَ بِنَظَرِهِ عَلَى مُجَرَّدِ النِّقَابَةِ مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ لَهَا إلَى حُكْمٍ، وَإِقَامَةِ حَدٍّ، فَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ مُعْتَبَرًا فِي شُرُوطِهَا.

  12. وَيَلْزَمُهُ فِي النِّقَابَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ حُقُوقِ النَّظَرِ اثْنَا عَشَرَ حَقًّا: أَحَدُهَا: حِفْظُ أَنْسَابِهِمْ مَنْ دَاخِلٍ فِيهَا وَلَيْسَ مِنْهَا، أَوْ خَارِجٍ عَنْهَا وَهُوَ مِنْهَا. فَيَلْزَمُهُ حِفْظُ الْخَارِجِ مِنْهَا، كَمَا يَلْزَمُهُ حِفْظُ الدَّاخِلِ فِيهَا، لِيَكُونَ النَّسَبُ مَحْفُوظًا على صحته، معزوا

    ج ١ ص ٩١إلى جهته. والثاني: أن يميز بطونهم ومعرفة أنسابهم، حتى لا يخفى علهي منهم بنو أب، فيذكره على تمييز أنسابهم. الثالث: معرفة من يولد من ذكورهم وإناثهم فَيُثْبِتُهُ، وَمَعْرِفَةُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَيَذْكُرُهُ، حَتَّى لَا يَضِيعَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ إنْ لَمْ يُثْبِتْهُ. وَلَا يَدَّعِي نَسَبَ الْمَيِّتِ غَيْرُهُ، إنْ لَمْ يذكره. الرابع: أن يأخذهم من الآداب بما يضاهي شريف أنسابهم، وكريم مُحْتَدِّهِمْ، لِتَكُونَ حِشْمَتُهُمْ فِي النُّفُوسِ مَوْفُورَةً، وَحُرْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهِمْ محفوظة. الخامس: أن ينزههم عن المكاسب الدنية، ويمنعهم من المطامع الخبيثة، حتى لا يستقل منهم متبذل، ولا يستضام منهم متذلل. السادس: أَنْ يَكُفَّهُمْ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَآثِمِ، وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ انتهاك المحامرم، لِيَكُونُوا عَلَى الدِّينِ الَّذِي نَصَرُوهُ أَغْيَرَ، وَلِلْمُنْكَرِ الذي أزالوه أنكر، فلا ينطلق بذمهم لسان. السابع: أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ التَّسَلُّطِ عَلَى الْعَامَّةِ لِشَرَفِهِمْ، وَالتَّشَطُّطِ عَلَيْهِمْ لِنَسَبِهِمْ، فَيَدْعُوهُمْ ذَلِكَ إلَى الْمَقْتِ وَالْبُغْضِ، وَيَبْعَثُهُمْ عَلَى الْمُنَاكَرَةِ وَالْبُعْدِ. وَيَنْدُبُهُمْ إلَى استعطاف القلوب، وتألف النُّفُوسِ، لِيَكُونَ الْمَيْلُ إلَيْهِمْ أَوْفَى، وَالْقُلُوبُ لَهُمْ أصفى. الثامن: أَنْ يَكُونَ عَوْنًا لَهُمْ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، حَتَّى لَا يَضْعُفُوا عَنْهَا، وَعَوْنًا عَلَيْهِمْ فِي أَخْذِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ، حَتَّى لَا يُمْنَعُوا مِنْهَا، ليصيروا لهم منتصفين، وبالمعونة عليهم منصفين، لأن من عدل السيرة فيهم: إنصافهم وانتصافهم. التاسع: أَنْ يَنُوبَ عَنْهُمْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِمْ الْعَامَّةِ: من سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمْ، حَتَّى يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، بِحَسَبِ ما أوجبه الله تعالى لهم. العاشر: أن يمنع الأيامى من نسائهم أن يتزوجن بغير الأكفاء، صِيَانَةً لِأَنْسَابِهِنَّ. وَتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِنَّ أَنْ يُزَوِّجَهُنَّ غَيْرَ الولاة، أو ينكحهن غير الكفاة.

  13. الحادي عَشَرَ: أَنْ يَقُومَ ذَوِي الْهَفَوَاتِ مِنْهُمْ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ، بِمَا لَا يَبْلُغُ بِهِ حَدًّا، ولا ينهر به دما. ويقيل ذا الْهَيْئَةِ مِنْهُمْ عَثْرَتَهُ، وَيَغْفِرُ بَعْدَ الْوَعْظِ زَلَّتَهُ. الثاني عَشَرَ: مُرَاعَاةُ وُقُوفِهِمْ بِحِفْظِ أُصُولِهَا، وَتَنْمِيَةِ فُرُوعِهَا، وإذا لم ترد إليه جباتها راعى الجباة فِيمَا أَخَذُوهُ، وَرَاعَى قِسْمَتَهَا إذَا قَسَّمُوهُ، وَمَيَّزَ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا إذَا خُصَّتْ وَرَاعَى أَوْصَافَهُمْ فِيهَا إذا شرطت، حتى لا يخرج منها مستحق، ولا يدخل فيها غير محق. وَأَمَّا النِّقَابَةُ الْعَامَّةُ: فَعُمُومُهَا أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ في النقابة عليهم مع ما قدمناه مِنْ حُقُوقِ النَّظَرِ

    ج ١ ص ٩٢خمسة أشياء: أحدها: الحكم بينهم فيما تنازعوه. الثاني: الولاية على أيتامهم فيما ملكوه. الثالث: إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه. الرابع: تزويج الأيامى اللائي لَا يَتَعَيَّنُ أَوْلِيَاؤُهُنَّ، أَوْ قَدْ تَعَيَّنُوا فَعَضَلُوهُنَّ. الخامس: إيقاع الحجر على من جن منهم أوسفه، وفكه إذا أفاق أو رشد. فيصير بهذه الخمسة عام النِّقَابَةِ، فَيُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ فِي صِحَّةِ نِقَابَتِهِ وَعَقْدِ وِلَايَتِهِ. أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، ليصح حكمه، وينفذ قضاؤه. وإذا انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ صَرْفَ الْقَاضِي عَنْ النظر في أحكامهم، أو لا يتضمن. فإذا كَانَتْ وِلَايَتُهُ مُطْلَقَةَ الْعُمُومِ، لَا تَتَضَمَّنُ صَرْفَ الْقَاضِي عَنْ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ تَقْلِيدُ النَّقِيبِ لِلنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ مُوجِبًا لِصَرْفِ الْقَاضِي عَنْهَا، جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقِيبِ والقاضي الظر في أحكامهم. أما النقيب فبخصوص ولايته التي عينوا فيها. وأما القاضي فبعموم ولايته التي أوجبت دخولهم فيها. فأيهما حكم بينهم فِي تَنَازُعِهِمْ وَتَشَاجُرِهِمْ، وَفِي تَزْوِيجِ أَيَامَاهُمْ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَجَرَى أَمْرُهُمَا فِي الْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ مَجْرَى قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ. فَأَيُّهُمَا حكم بين متنازعيه نفذ حكمه ولم يكن للآخر نقضه. فإن اخْتَلَفَ مُتَنَازِعَانِ مِنْهُمْ، فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى حُكْمِ النَّقِيبِ وَدَعَا الْآخَرُ إلَى حُكْمِ الْقَاضِي.

  14. فَقَدْ قيل: إن الداعي إلى حكم النَّقِيبِ أَوْلَى لِخُصُوصِ وِلَايَتِهِ، وَقِيلَ: بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فَيَكُونَانِ كَالْمُتَنَازِعِينَ فِي التَّحَاكُمِ إلَى قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ، فَيُغَلَّبُ قَوْلُ الطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ. فإن تساويا كانا على ما قدمناه، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيُعْمَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَرَعَ منهما. فَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَةِ النَّقِيبِ صَرْفُ الْقَاضِي عَنْ النَّظَرِ بَيْنَ أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ، لَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ، سواء استدعى إليه منهم مستدع أو لم يستدع. وَخَالَفَ ذَلِكَ حَالَ الْقَاضِيَيْنِ فِي جَانِبَيْ بَلَدٍ، إذَا اسْتَعْدَى إلَيْهِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ مُسْتَعْدٍ لزمه أن يعديه على خصمه، وذلك لأن وِلَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ مَحْصُورَةٌ بِمَكَانِهِ. فَاسْتَوَى حُكْمُ الطَّارِئِ إلَيْهِ وَالْقَاطِنِ فِيهِ، لِأَنَّهُمَا يَصِيرَانِ مِنْ أَهْلِهِ، وَوِلَايَةُ النِّقَابَةِ مَحْصُورَةٌ بِالنَّسَبِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ.

  15. فَلَوْ تَرَاضَى الْمُتَنَازِعَانِ مِنْ أَهْلِ هَذَا النَّسَبِ بِحُكْمِ الْقَاضِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ بَيْنَهُمَا ولا الحكم لَهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ بِالصَّرْفِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكَانَ النَّقِيبُ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ التَّنَازُعُ بَيْنَهُمْ لَا يَتَعَدَّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ. فَإِنْ تَعَدَّاهُمْ، فَتَنَازَعَ طَالِبِيٌّ وَعَبَّاسِيٌّ، فَدَعَا الطَّالِبِيُّ إلَى حُكْمِ نَقِيبِهِ، وَدَعَا الْعَبَّاسِيُّ إلَى حُكْمِ نَقِيبِهِ، لم يجب على واحد منهما الإجابة إلى حكم نقيبه، لخروجه من وِلَايَتِهِ. فَإِذَا أَقَامَا عَلَى تَمَانُعِهِمَا مِنْ الْإِجَابَةِ إلى نقيب. اجتمع النقيبان وأحضر كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ. وَيَشْتَرِكَانِ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى، وَيَنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمَا نَقِيبُ الْمَطْلُوبِ دُونَ الطَّالِبِ، لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ أَهْلِهِ حُقُوقَ مُسْتَحِقِّيهَا. فَإِنْ تَعَلَّقَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ عَلَى أَحَدِهِمَا، أَوْ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا أَحَدُهُمَا سَمِعَ الْبَيِّنَةَ نَقِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ نَقِيبِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَأَحْلَفَ نَقِيبَ الْحَالِفِ دُونَ نَقِيبِ الْمُسْتَحْلِفِ لِيَصِيرَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا هُوَ نقيب المطلوب دون الطالب. فإن تَمَانَعَ النَّقِيبَانِ أَنْ يَجْتَمِعَا، لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِمَا في الوجه الأول مأثم، ويتوجه عَلَيْهِمَا الْمَأْثَمُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَكَانَ أَغْلَظَ النَّقِيبَيْنِ مَأْثَمًا نَقِيبُ الْمَطْلُوبِ مِنْهُمَا، لِاخْتِصَاصِهِ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ.

    ج ١ ص ٩٣
  16. فَلَوْ تَرَاضَى الطَّالِبِيُّ وَالْعَبَّاسِيُّ بِالتَّحَاكُمِ إلَى أَحَدِ النَّقِيبَيْنِ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا نَقِيبُ أَحَدِهِمَا. نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا نَقِيبَ الْمَطْلُوبِ، صَحَّ حُكْمُهُ، وَأَخَذَ بِهِ خَصْمُهُ، وَإِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمَا نقيب الطالب، احتمل تنفيذ حكمه، واحتمل رده. فإن أَحْضَرَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي، لِيَسْمَعَهَا عَلَى خصمه ويكتب بها إلى نقيبه، وهو مصروف عَنْ النَّظَرِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْمَعَ بينته وَإِنْ كَانَ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ، لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَنْفُذُ عَلَى مَنْ تَقُومُ عَلَيْهِ البينة لو حضر، فأولى أن ينفذ حكمه عليه مع الغيبة. فإن أراد القاضي - الذي يرى القضاء على الغالب - سماع بينة على رجل في غَيْرِ عَمَلِهِ، لِيَكْتُبَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْهَا إلَى قَاضِي بَلَدِهِ جَازَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: إنْ من كَانَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لَوْ حَضَرَ عِنْدَهُ، نفذ حكمه عليه، لذلك جَازَ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ. وَأَهْلُ هَذَيْنِ النَّسَبَيْنِ لو حضر أحدهما عنده لم ينفذ حكمه عليه فلذلك لم يجز أن يسمع البينة عليه. فإن كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي لِصَاحِبِهِ بِحَقٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي شَاهِدًا بِهِ عليه عند نقيبه، ولم يجز أن يخبر بِهِ حُكْمًا، لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ.

  17. وكذلك لو أقر به عند النقيبين كان شاهدا فيه عند نقيبه. ولو أقر به عِنْدَ نَقِيبِهِ جَازَ وَكَانَ حَاكِمًا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ. ولو أقر به عند نقيب خصمه احتمل أن يكون شاهدا عليه، واحتمل أن يكون حاكما فيه، لما بينا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ نَقِيبِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي وِلَايَاتِ زُعَمَاءِ الْعَشَائِرِ، وَوُلَاةِ الْقَبَائِلِ المنفردين بالولايات على عشائرهم وقبائلهم.

    ج ١ ص ٩٤