القول بالموجب يقع على أربعة أوجه، وأمثلتها
١٦ فقرة، ج ٢ ص ٥٣٥
- ج ٢ ص ٥٣٥
ينفعك لأنه ليس في محل النزاع. وقوله: "مسجلًا" يعني مطلقًا أي سواء كان الدليل المقدوح فيه بالقول بالموجَب قياسًا أو غيره فهو يكون في العلل وفي غيرها من الأدلة.
-
ومثاله: قوله تعالى عن المنافقين: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون/ ٨] الآية، فإنَّ اللَّه سلَّمَ لهم أن الأعزَّ قادر على إخراج الأذلِّ ولكن صرح بأن ذلك لا ينفعهم لأنهم الأذلُّ.
-
أما القول بالموجَب في اصطلاح البيانيين فهو نوعان محروفان عند أهل البلاغة، وهو عندهم من البديع المعنوي (١) . وقوله: "من مانع" يتعلق بـ "تَسْليم" ، وقوله: "لما" زِيْدَت فيه اللام على المفعول لتوكيد التعدية، والأصل: استلزم ما اختصما فيه من الصُّوَرِ.
٧٨٧ - يجيءُ في النفي وفي الثبوتِ ... ولشُمولِ اللفظِ والسكوتِ
٧٨٨ - عَمَّا من المقدّمات قد خلا ... من شهرةٍ لخوفِهِ أن تُحْظَلا
يعني أن القول بالموجَب يقع على أربعة أوجه (٢) :
الأول: النفي، والمرادُ به أن يستنتج المستدل من الدليل نفي أمر يتوهم أنه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصمُ يمنع كونه مبنى
ج ٢ ص ٥٣٦مذهبه فيقول: صدقت في نفيه لكنه ليس مبنى مذهبي فلا ينتفي مذهبي بنفيه.
-
ومثاله: قول المالكي وغيره ممن يرى القصاص في القتل بالمُثَقَّل: التفاوتُ في الوسيلة من آلات القتل لا يمنع القصاص، قياسًا على المتوسَّل إليه فإنه لا يمتنع فيه القصاص بالتفاوت، فيقع القصاص في القتل وفيما هو دونه كالقطع، فلا فرق بين القتل بقطع عنق أو قطع عضو آخر، وكذلك لا فرق في قطع العضو بين حَزِّه من جهة واحدة أو جهتين أو غير ذلك.
-
فيقول الحنفيُّ: إنَّا نقول بموجب دليلك ونسلِّم أن التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، ولكن كونه لا يمنع القصاص ليس مستندي في عدم القصاص، ولكنَّ مستندي غيره وهو أن القتل بالمثقَّل شِبْه عمد لا قَتْل عمد، لأن العمد من أفعال القلوب فلا يتحقق كون القتل عمدًا إلَّا بآلته المعهودة له كالسلاح المحدَّد، فهذا القول بالموجَب وقع على نفي وهو قول المالكي مثلًا: لا يمنع القصاص في المثال المذكور، وغالب القول بالموجب من هذا، وهذا هو مراده بقوله: "يجيءُ في النَّفْي" .
-
الثاني: الثبوت، وضابطه أن يستنتج المستدل من الدليل أَمرًا يتوهم أنه محلُّ النزاع أو ملازمه، فيقول له الخصم: هذا الأمر الذي استنتجت ليس محل النزاع ولا ملازمًا له.
-
ومثاله: قول المالكي أو الشافعيّ: القتل بالمثقل قتلٌ بما يَقْتل غالبًا فلا ينافي القصاصَ فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار.
-
فيقول الحنفيُّ: قلنا بموجبه وسلَّمنا أنه لا ينافي القصاص ولكن كونه لا ينافي القصاص ليس هو محلَّ النزاع، بل محل النزاع وجوب
ج ٢ ص ٥٣٧القصاص بالفعل، وعدم منافاته للقصاص أعم من وجوب القصاص، والدليلُ على الأعمِّ ليس دليلًا على الأخصِّ؛ لأن كون الشيء لا ينافي الشيء لا يدل على استلزامه له، ألا ترى أن القعودَ لا ينافي الكلامَ، والحلاوةَ لا تنافي السواد، والبرودةَ لا تنافي البياض، وليس واحدٌ منها مستلزمًا للآخر، فهذا القول بالموجَب وقع على قول المستدل: فيجب القصاص وهو ثبوت، وهذا مراده بقوله: "وفي الثبوت" .
-
والحاصل أن المقصود من هذا النوع الأخير استنتاج ما يتوهَّم أنه محل النزاع أو لازمه فيقول الخصم: ليس محل النزاع ولا لازمه. والمقصود من النوع الأول استنتاج إبطال ما يتوهم أنه مَبْنَى دليل الخصم، فيقول الخصم: ليس مَبْنَى دليلي كما تقدم.
-
الثالث: أن يَرِد القول بالموجَب لشمول لفظ المستدل صورةً متفقًا عليها بين المستدل والمعترض فيحمل المعترض كلامَ المستدل على تلك الصورة المتفق عليها.
-
ومثاله: قول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: هي حيوان يُسابَق عليه فتجب فيه الزكاة قياسًا على الإبل.
-
فيقول المعترض كالمالكي: هو كذلك إذا كانت الخيل للتجارة خاصة. قال الفهري: هذا هو أضعف أنواع القول بالموجَب لأنه يندفع بأدنى شيء، كما لو قال المستدل: عنيتُ الخيلَ من حيث هي خيل لا من
ج ٢ ص ٥٣٨حيث كونها للتجارة. وهذا مراد المؤلف بقوله: "ولِشُمُولِ اللَّفظِ" .
-
الرابع: هو إتيان القول بالموجَب لأجل سكوت المستدل عن مقدمةٍ غير مشهورة مَخَافَةَ منع الخصم لها لو صرَّح بها.
-
ومثاله: قول مُشترط النية في الوضوء وغسل الجنابة: كل قُرْبة تُشترط فيها النية، ويَحْذِفُ صغرى القياس التي هي: الوضوء والغسل قُرْبة.
-
فيقول الحنفيُّ بموجبِ الكبرى المنطوقِ بها لأجل حذفِ الصغرى. وإيضاحه أنه يقول: صدقت في أن كل قُرْبة تشترط فيها النية ولكن لا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء، لأن المقدمة الواحدة لم تنتج، وهذا القول بالموجَب إنما ورد للسكوت عن الصغرى، فلو صرح المستدل بالصغرى فقال: الوضوء والغسل قربة وكل قربة تشترط فيها النية، فإن الحنفي يمنع الصغرى فلم يقل بموجبها وانتقل إلى المعارضة؛ لأنه يقول: الوضوء والغسل تنظيف للدخول في القربة لا قربة. وهذا مراد المؤلف بقوله: "والسكوت عما من المقدمات. . " إلخ.
-
وقوله: "خلا من شهرةٍ" أي لأن المشهور كالمذكور، والمذكور لا يدخله هنا القول بالموجَب كما عرفت، وعَكَس بعضهم فقال: يجب القيد بالشهرة لأن الشهرة هي التي تسوِّغ حذف الصغرى إذ لو كانت غير مشهورة لما جاز حذفها، واختاره العَضُد (١) .