تعارض التخصيص والمجاز والإضمار والنقل والاشتراك والنسخ

١٤ فقرة، ج ٢ ص ١٣٤

  1. واستعماله مجازًا مقرونًا بالقرينة أكثرُ من استعماله حقيقة بالاستقراء قائلًا: أكثر كلام البلغاء تَشْبيهات واستعارات، وإسناد الأفعال إلى من لا يصح أن يكون فاعلًا كالحيوانات والدهر والأطلال ونحو ذلك، وأن عُرْف التخاطب كذلك كقولهم: سافرت إلى البلاد، ورأيت العباد، ولبست الثياب، وملكت العبيد، مع أنه لم يسافر إلى كل البلاد، ولم يَرَ كُلَّ العباد. . . إلخ (١) . ولا يخفى سقوط قول ابن جِنِّي بأن الغالب في اللغات المجاز، وأنَّ ما سماه مجازًا حقائق الغوية.

    ٢٠٨ - وبعدَ تخصيصٍ مجازٌ فَيَلي ... الإضمارُ فالنقلُ على المعوَّل

    ٢٠٩ - فالاشتراك بعدَه النسخُ جرى ... لكونِه يُحتاط فيه أكثرا

    يعني أن التخصيص، والمجاز، والإضمار، والنقل، والاشتراك، والنسخ، إذا تعارضت فالمقدَّم التخصحص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل، ثم الاشتراك، ثم النسخ على خلافٍ في بعضها سنذكره إن شاء اللَّه.

    ج ٢ ص ١٣٤
  2. أما التخصيص فسيأتي تعريفه في قول المؤلف: "قصر الذي عم" (٢) إلخ. وأما المجاز فقد تقدم الكلام عليه. وأما الإضمار فهو دلالة الاقتضاء المتقدمة في قوله: "وهو دلالة اقتضاء أن يدل" (٣) إلخ. وأما النقل فهو نقل الكلمة إلى معنى آخر، والظاهر أنه نوعٌ من المجاز إذ لا يكاد يُعقل الفرق بشهما. وأما الاشتراك فقد تقدم الكلام عليه في

    ج ٢ ص ١٣٥قوله: "في رأي الأكثر وقوع المشترك" (١) .

  3. وأما النسخ فسيأتي في قوله: "رفع لحكم أو بيان الزمن" (٢) إلخ.

  4. ومثال تقديم التخصيص على المجاز -كما رجحه المؤلف وغيره- قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام/ ١٢١] فهو مخصوص عند الجمهور بغير النَّاسِي للتسمية فتؤكل ذبيحته، وحَمَله الشافعي على المجاز وأن المراد به ما أُهِل به لغير اللَّه أو ما مات من غير تذكية، فيقدَّم التخصيص على المجاز على الراجح، ورجحانه من وجهين:

    الأول: أن اللفظ يبقى في بعض الحقيقة كلفظ المشركين في: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} هو خرج أهل الذمة وبقي الحربيون وهم بعض المشركين، فعلى أنه تخصيص فهو أَقرب للحقيقة.

  5. الثاني: إذا خرج بعضٌ بالتخصيص بقي اللفظ مستصحبًا في الباقي من غير احتياج إلى القرينة، قال القرافي (٣) : وهذان الوجهان لا يوجدان في غير التخصيص.

    قال مُقيده عفا اللَّه عنه: هذا الوجه الأخير يدل على أن العام المخصوص حقيقة في الباقي بعد التخصيص، كما يأتي تحقيقه عند قول المؤلف: "وذاك للأصل وفرع يُنْمى" (٤) .

  6. ومثال تقديم المجاز على الإضمار: قول السيد لعبده الذي هو أكبر منه سنًّا: أنت أبي، فإنه يحتمل المجاز من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، أي أنت عتيق، لأن الأبُوَّة يلزمها العتق شرعًا، واللازمية والملزومية كلتاهما من علاقات المجاز المرسل كما هو مقرر في محله، ويحتمل الإضمار أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم، فيكون من التشبيه البليغ. فعلى الأول يُعتق وهو الذي رجَّحَه المؤلف، وعلى الثاني لا يعتق، ورجح بعضهم الثاني.

    ج ٢ ص ١٣٦
  7. حُجَّة من رجح المجاز على الإضمار أن المجاز أكثر، قال القرافي (١) : "والكثرة تدل على الرجحان" . وحجة من رجح الإضمار على المجاز أن قرينة الإضمار متصلة به لما قدمنا من أن قرينة الاقتضاء -الذي هو الإضمار- هي توقُّف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه، وذلك غاية الاتصال، بخلاف قرينة المجاز فإنها منفصلة خارجة عنه.

    وقال بعض العلماء: هما سيَّان لاحتياج كل منهما إلى قرينة، وهو وجيه، لأن قرينة المجاز قد تكون استحالة الحقيقة، والاستحالة لا تقصر عن قرينة الاقتضاء كما هو ظاهر.

  8. ومثال تقديم الإضمار على النقل: قول الحنفي: إن درهم الربا إذا أسقط صح العقد لأن قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة/ ٢٧٥] يحتمل الإضمار أي: آخْذ الربا كما حمله عليه أبو حنيفة، فلو حذف

    ج ٢ ص ١٣٧درهم الربا صح العقد، ويحتمل النقل، أي نقل "الربا" -الذي هو لغةً الزيادة- إلى العقد شرعًا فيكون المعنى تحريم العقد وفساده مطلقًا ولو حُذِف الدرهم الزائد المؤدي إلى التحريم.

  9. حجة من قال بتقديم الإضمار على النقل هي سلامة الإضمار من نسخ المعنى الأول، بخلاف النقل فإنه ينسخ المعنى الأصليَّ.

    قال مقيِّدهُ عفا اللَّه عنه: ذَكَرَ هذه الحجة لتقديم الإضمار على النقل المؤلِّفُ في "الشرح" (١) تَبَعًا لغيره، ولا يخفى أن هذه الحجة تقتضي تقديم الإضمار على المجاز؛ لأن المجاز فيه نسخ المعنى الأصلي أيضًا، ولما قدمنا من أن النقل مجاز فانظره، لأن تقديم المجاز على الإضمار وتأخير النقل عنه مع أن النقل مجاز لا يخلو من إشكال.

  10. ومثال تقديم النقل على الاشتراك: لفظ "الزكاة" إذا أريد به الجزء المخرجُ من المال، فإنه يحتمل النقل عن المعنى الأصلي الذي هو النماء، ويحتمل الاشتراك بينه وبين الجزء المخرَج فيُحْمَل على النقل لأن الاشتراك يخل بالفهم اليقينيّ.

  11. وقول المؤلف: "بعده النسخ" إلخ، يعني أن الاشتراك مقدَّم على آخر المراتب الذي هو النسخ، لأن النسخ يُحتاط فيه أكثر لتصييره اللفظ باطلًا فتكون مقدماته أكثر. قاله في "التنقيح" (٢) .

  12. ولم أر من مَثَّل لتعارض الاشتراك والنسخ، والذي يظهر لي أنه لا

    ج ٢ ص ١٣٨يتأتَّى إلّا في المشتركيْن المتضادَّيْن كقوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} لأن القُرْءَ مُشْترك بين الطُّهر والحيض وهما ضدَّان، كما أن الناسخ والمنسوخ ضدان، فيُحْمَل الضدان على الاشتراك ولا يحملان على النسخ إلا بدليل على النسخ، كما يأتي للمؤلف من أن النسخ لا بد له من دليل خاص في قوله: "الإجماع والنص على النسخ" (١) إلخ.

  13. تنبيه: هذا الذي ذكره المؤلف من تقديم التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار. . . إلخ لا ينافي ترجيح المتأخر المرجوح في بعض الصور بِمُدْرَكٍ يخصُّه، كترجيح النقل على الإضمار في آية: {وَحَرَّمَ اَلرِّبَا} ونحو ذلك.

  14. وقول المؤلف: "فيلي الإضمارُ" هو بالرفع فاعل "يلي" والمفعول محذوف أي يلي الإضمارُ المجازَ. وجَمَع بعضُهم هذه المسائل في بيتين فقال:

    يُقدَّم تخصيصٌ مجازٌ ومضمَرٌ ... ونَقْلٌ يليه واشتراكٌ على النسخ

    وكلٌّ على ما بعدَه متقدِّمٌ ... وقدَّم أضْدَادَ الجميع ذوو الرسخ

    قال مقيّده عفا اللَّه عنه: قول ناظم البيتيْن: "وقدم أَضدَادَ الجميع" وجيهٌ في غير التخصيص، أما التخصيص فلا يقدَّم عليه ضده الذي هو العموم بل يقدَّم هو على العموم كما سيأتي.

    ٢١٠ - وحيثما قصدُ المَجاز قد غَلَبْ ... تعيينُه لدى القرافي مُنْتَخَبْ

    ٢١١ - ومذهبُ النعمانِ عكسُ ما مضى ... والقوْلُ بالإجمال فيه مُرْتضى